أزمة الجعفري أم الثقافة السياسية؟

 

د محمد سعيد الشكرجي

 

"قميص عثمان" الحكومة الوطنية

وأخيراً بدأ الرئيس الطالباني بالتلويح بعقد مجلس النواب لحل موضوع رئاسة الوزارة بينما المفروض أن يكون هو الخيار منذ توضح الصورة قبل أكثر من اسبوعين، حيث الكلمة لمجلس النواب. وقد تبنى الجعفري هذا الحل منذ أكثر من عشرة أيام، كما سأذكره فيما بعد. وقد ينسحب د. الجعفري أو يجبر على الانسحاب قبل أن يرى هذا المقال النور، ولكن الأهم هو أن المشكلة الحقيقية التي طرحتها الخلافات حول ترشيحه ستظل قائمة. حيث استند المطالبون بانسحاب الجعفري الى نقاط معينة سأهتم بمناقشة مصداقيتها وجدية مطالبة البعض بحكومة الوحدة الوطنية التي يريدها الجميع. ومن جهة أخرى، سأبين أين تكمن، في رأيي، قوة الجعفري في مواجهة هذه العاصفة، وما هي الطريقة الدستورية لحل الأزمة؟ وكل هذا كتحليل للأزمة ولأطرافها من موقع المراقب.

ادعاءات الخصوم:

1- حكومة الوحدة الوطنية: يطرح المعترضون هذه الحكومة كاتفاق "أمراء" بين رؤساء الكيانات والأحزاب على رئيس الوزراء الذي "سيقودهم" في الحكومة. بينما يفترض بها أن تعبر عن وحدة جماهير الطيف العراقي من خلال اتفاق الكتل على برنامج عمل حكومي يستجيب لمصالح البلاد. وأقول أمراء لأنهم يفتقدون بدرجة أو بأخرى تكريس الشرعية الانتخابية. وطبعاً يفتقدها القادة الجدد أكثر من غيرهم لأنهم غير معروفين أصلاً وأقحم العديد منهم نفسه، عند كتابة الدستور، كممثلين عن السنة حيث نجحت العصابات الارهابية في تغييبهم عن انتخابات 30 كانون الثاني (يناير) 2005. ثم انتُخبوا في 15 كانون الأول (ديسمبر الماضي) في ظل تغييب كبير للشخصيات السنية المعتدلة خوفاً من الارهاب. وعلى كل حال، لا يعبر الأشخاص المنتخبون الا بشكل مؤقت عن هذه الجماهير لأنهم زائلون، والجماهير باقية ومعها الحقيقة والتاريخ. والثلاثة لا يرحمون المخربين لوحدة الكلمة. وهذه الجماهير سواء في الموصل أم في الأنبار، أم في البصرة، تعرف جيداً أن الجعفري ليس بأسوأ المرشحين في مجال الوحدة الوطنية، بل ورغم تقصير حكومته وإرهاب السفاحين الجبناء والفساد المستشري منذ أيام الطاغية المخلوع، لاحظ العراقيون أن هذا الرجل يتصف بالاعتدال ويحب الجميع وقد اهتم بمختلف مناطق العراق التي زارها واستقبل ممثلين عن أهاليها.

2- حكومة وحدة أم أقصاء: كيف يمكن أن نسمي الحكومة المقبلة حكومة وحدة وطنية اذا قامت على اقصاء من ناصروا الجعفري في الائتلاف ولا زالوا يناصروه سواء في الاجتماعات السياسية أم على المستوى الشعبي. ويستند مؤيدو الجعفري الى الشرعية الديمقراطية في كافة مراحلها (وصولاً الى انتخابه مرشحاً عن الائتلاف)، بينما يستند المعارضون الى ارادة جزئية جعلوها هم فوق ارادة الشعب وقائمة على ادعاءات بعضها صحيح وبعضها مبالغ فيه أو مجرد تهجم.

3- أما الحكومة القوية، فليس من الانصاف ان نحاسب الجعفري في هذا الموضوع استناداً على الفترة الماضية حيث جرد قانون ادارة الدولة رئيس الوزراء من السلطات الحقيقية وجعله بين مطرقة مجلس الرئاسة وسندان الجمعية الوطنية، كما بينت ذلك في مقالات سابقة. اضافة الى التوافق السرطاني الذي جاء بوزراء لا يستطيع رئيس الوزراء اقصاءهم رغم ضعفهم واتهامهم بالفساد لأن رؤساء كتلهم يرفضون حتى استبدالهم بآخرين من كياناتهم على أساس أن كلمتهم "لا تنزل على الأرض". أما العنف والميليشيات (منظمة بدر وجيش المهدي) وفرق الموت والمنظمات الارهابية، فهو ليس أكثر مسؤولية عنها من المرشحين الآخرين، لا سيما وان حزبه لا يمتلك ميليشيات مسلحة.

انفضاح الوطنية والخلفية الثقافية:

كان المفروض من هؤلاء السياسيين المتمسكين بالوطنية ومعاداة الأمريكان (وتأييد المقاومة) أن يعلنوا أنهم ورغم خلافهم مع الجعفري لا يؤيدون الضغط الأمريكي ضده، لأنهم عراقيون متمسكون بوحدة العراق وبالهوية العراقية. لكن هؤلاء الذين أصابوا العراقيين بالصداع لكثرة مزايداتهم على السياسيين الآخرين بهذه المقولات فضلوا الاستمرار في حملتهم على الجعفري بل وفي مطالبتهم الواضحة للائتلاف بترشيح شخص آخر لرئاسة الوزراء. وقد استفاد جميع الخصوم من زيارة المس كوندي الى العراق، لا سيما جبهة التوافق حيث صرح ظافر العاني، الناطق باسمها، يوم 4/4/2006، أن "قوات التحالف، (ثم استدرك وأضاف) والقوى الدولية تريد .." تشكيل حكومة وطنية يرضى بها الجميع!

وحتى باتباع قواعد اللعبة السياسية في مثل هذه المواقف، كان بامكانهم تأييد الجعفري في مواجهة الأمريكان، ولو ظاهرياً أمام العراقيين، ويحصلوا على مكاسب أكبر في حكومة الجعفري الذي حاول، كما هو معروف، التحالف معهم في تشكيل الحكومة. بينما لاحظناهم مزهوين هذه الأيام بما يمارس من ضغط أمريكي لصالحهم. لذلك أعتقد أن موقفهم في هذه الأزمة أضاف دليلاً آخر الى أن الهوية العراقية تعني عندهم: نحن العراق ويجب أن ينتصر العراق (أي هم). وهكذا يتم اعتبار الخصوم الداخليين أعداء رئيسيين والقوة الخارجية خصماً ثانوياً، وبالتالي الاعتماد على الخارج للسيطرة على الداخل، على منوال الحكام الدكتاتوريين في تحقيق مصالحهم في السلطة على حساب جماهيرهم.  

تتعلق المشكلة اذن بأزمة ثقافة سياسية تكرست منذ عقود، بل منذ قرون، فكل طرف يريد فرض رأيه أو مصلحته في اقتطاع أكبر حصة ممكنة من الغنيمة أو "الكعكة"، أو من الفرهود باللهجة العراقية إ فصراع البداوة والمدنية (ابن خلدون) يحسم بالغلبة، أي بالسيف أو الكلاشينكوف. وهنا، في رأيي، يكمن مقتل هؤلاء "الفرسان" المتنافسين، وتكمن أزمة خطابهم العراقي والقوموي وطبيعة ادعائهم بتمثيل سنة العراق.

قوة موقف الجعفري: وفي هذا السياق تكمن أيضاً قوة موقف الجعفري لأنه، ومهما كانت ملاحظاتنا عليه، متمسك أمام شعبه وناخبيه بالديمقراطية وبنتائج تطبيق الدستور. أما اذا استُبعد الجعفري بفعل الضغوط الخارجية والداخلية فسيكون الدستور هو الضحية الأكبر. فبعد محاولة خرقه بفرض مجلس الأمن الوطني الذي تم احتواؤه نسبياً، كما يبدو، سيكون الاقدام على اختراق الدستور "بفَرض" رئيس الوزراء على الائتلاف بمثابة قطع الغصن الذي نستند اليه جميعاً لأنه مرجعية وصمام أمان لتفادي السقوط في مطبات الماضي الذي لا زال يلاحقنا. وبدون الكلام عن شعبيته النسبية واحترام شخصيته حتى من قبل المعترضين عليه، فقد كرس د. الجعفري هذا الموقف الدستوري باعلان رغبته في المثول أمام نواب الشعب وهم الذين سيحسمون الموقف حسب ما تمليه عليهم قناعاتهم وحسهم الوطني (العربية، 24/3/2006). وأعتقد أن تصريح الطالباني الأخير يمثل تطوراً ايجابياً باتجاه الحل الصحيح للأزمة. لأنه الحل الأفضل وطنياً وديمقراطياً لتحرير نظامنا السياسي من سرطان التوافق وليبدأ مختلف النواب بترشيح أنفسهم كعراقيين للمناصب العليا (رئاسة الجمهورية، رئاسة مجلس النواب) ونبدأ بتطبيق الدستور فعلاً.

أما اذا كان المقصود من الاطاحة بالجعفري هو ابعاد التيار الصدري، فهنا تكمن أيضاً قوة معنوية وسياسية أخرى للجعفري، لأن ملاحظاتنا على التيار الصدري لا تعني القبول باقصائه من العملية الديمقراطية. بالاضافة الى أهمية تواجده في هذه العملية كطريقة ناجعة لاندماجه في المجتمع المدني، وبذلك يصبح قبوله بقواعد اللعبة الديمقراطية أقرب الى التحقق. وهذا المبدأ ينطبق على كل الأطراف العراقية، لذلك أكدت دوماً على حق العراقيين (تركمان ومسيحيين وصابئة وايزديين) بالتنافس على مختلف مناصب الدولة وأدنت إقصاءهم من المناصب السيادية باسم التوافق عليها بين السنة والشيعة والأكراد. يعني الحل الدستوري اذن عقد مجلس النواب لينتخب رئيسه ونائبيه وليقول كلمته في تعيين مجلس الرئاسة ليقوم هذا بدوره بتكليف الجعفري (مرشح الكتلة الأكثر عدداً) بتشكيل الحكومة وعرضها على مجلس النواب لنيل الثقة أو تكليف مرشح آخر. عند ذاك سندخل مرحلة الصحو واليقظة الديمقراطية تاركين وراءنا تخدير التوافق وظلامية المحاصصة.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب

sahibsd@yahoo.com

المصدر : إيلاف – 5-4-2006