مقالات و محاضرات

 

إدارة بوش ومعركة ترسيخ الديمقراطية في العراق

 

 

جون هيوز

 

هناك الكثير من نافل القول وعاطله عن تشبيه النزاع الجاري حالياً في العراق بحرب فيتنام, وعن تورط الولايات المتحدة في وحل عسكري سياسي جديد, يصعب الخروج منه أو إيجاد حل له. والواقع يقول إن أوجه الاختلاف ما بين فيتنام والعراق, لهي أكثر من وجوه الشبه بينهما. ففي الأولى كان على القوات الأميركية خوض حرب عصابات ضد قوات "الفيت كونج" من جهة, وقوات الوحدات العسكرية الفيتنامية من جهة أخرى, في حين أنها لا تواجه في العراق سوى مجموعة من الإرهابيين المتنكرين. فوق ذلك فقد كانت التضاريس الفيتنامية تسودها الغابات والبيئات شبه المدارية, في حين تسود العراق بيئة صحراوية غالبة, ويدور الجزء الأكبر من المعارك في المدن والمناطق الحضرية. وعلى الرغم من أن خسارة أي جندي أميركي تظل مثيرة للأسى والأسف تحت كل الأحوال, فإن المرافق العسكرية الموجودة حالياً في العراق, تظل أقل من نظيرتها الفيتنامية. وخلافاً لما هو عليه الحال في العراق, فقد كان العدو الفيتنامي, عازماً على الاستيلاء على الأرض وإقامة نظام شيوعي فيها, في حين تحرك "الدوغما الإسلامية المتحجرة", العدو في العراق, مقترنة بنوايا التطرف الديني, التي تدفعه إلى فرض فكره ونهجه الأصولي على المنطقة بأسرها.

غير أن هناك جانباً وحيداً وعلى درجة من الأهمية, تشترك فيه كل من الحربان الفيتنامية والعراقية. والمقصود بهذا, وحدة العدوين المختلفين في هدف واحد رئيسي مباشر هو: فل عزيمة وإرادة الولايات المتحدة الأميركية, وإرغامها على انسحاب مبكر لقواتها, من فيتنام سابقاً ومن العراق حالياً. وفي كلتا الحالتين فقد لجأ العدو لاستخدام العنف أداة رئيسية لتحقيق هدف سياسي واضح. وفي حالة العراق, فقد ظل الأمل الذي يتشبث به المتمردون, هو سخط الجمهور الأميركي على استمرار وارتفاع عدد ضحايا الحرب, وتبرمه من التسويف والمراوغات السياسية الطويلة التي أحاطت بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة, وهما أمران من شأنهما دفع الشارع الأميركي العريض, باتجاه تصعيد حملة من الضغوط على الرئيس بوش, لإرغامه على اتخاذ قرار بانسحاب عاجل للقوات الأميركية من العراق, وهو مطلب يصعب عدم الاستجابة له.

وفي اعتقادي أننا نشارف الآن على بلوغ ذروة هذا الحوار العام هنا في الولايات المتحدة. فها هم "الديمقراطيون" و"الجمهوريون", منهمكون معاً في جدل محتدم حول مدى التقدم الذي أحرزناه في العراق. والملاحظ أن "الديمقراطيين" على وجه الخصوص, هم الأكثر حرصاً والأشد حذراً في الأخذ باعتبار ما قد يترتب عليهم من عواقب سياسية, جراء تصعيدهم الهجوم على "رئيس أيام الحرب", مثلما هو حال الرئيس بوش. ومن جانبه يقر بوش بأن أخطاء ما, قد صاحبت الحرب الدائرة الآن, مع العلم بأنها قد وقعت بالفعل, لاسيما تلك التي صاحبت إعادة الإعمار السياسي والاقتصادي لعراق ما بعد الحرب.

لكن على أية حال, فقد حذر بوش منذ ما بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر مباشرة, من أن حربه المعلنة على الإرهاب, ستكون حرباً مستمرة وطويلة الأمد. أما في مؤتمره الصحفي الأسبوعي الماضي, فقد ذهب شوطاً أبعد من ذلك بقوله, إنه ربما يتطلب انسحاب آخر جندي أميركي من العراق, دورة رئاسية كاملة جديدة في واشنطن, وحكومة عراقية أخرى, غير التي تحكمه الآن.

أما الشيء الوحيد الذي لم يخطئ فيه بوش مطلقاً, فهو حماسه وإيمانه بضرورة نشر الديمقراطية في العراق, وبقية البلدان الأخرى التي حرم مواطنوها من حق التمتع بها. تأكيداً لهذه القناعة قال بوش في حديثه الأسبوعي الأخير, إنه سيأمر بعودة القوات المرابطة حالياً في العراق, فيما لو فشلت إدارته في تحويل العراق إلى دولة مستقرة وديمقراطية. ومما لاشك فيه أن إحراز نصر واضح في معركة ترسيخ الحرية والديمقراطية في العراق, سيكون عاملاً حافزاً لآمال نشر القيم والمبادئ ذاتها, في دول شرق أوسطية أخرى, تتعطش للحرية والديمقراطية. وربما يصعب تحقيق هذا الهدف, بل ربما لا يتحقق مطلقاً على نمط ديمقراطية جيفرسون التي خبرناها ونعيشها هنا في أميركا, غير أنه سيفتح كوة من الفأل والأمل, لأعداد غفيرة من المواطنين الذين يعانون ويلات وظلمات الأنظمة الشمولية المستبدة.

أما عواقب الفشل فستكون وخيمة شديدة الوطء والدمار. ذلك أن الفشل سيحطم آمال وتطلعات الملايين إلى الديمقراطية, علاوة على كونه يصب ماءً بارداً على نار وجهود القادة والمفكرين الإصلاحيين في عدد من البلدان العربية والإسلامية........

وعلى الرغم من الشكوك التي ساورت البعض هنا في أميركا, حول مدى قابلية المنطقة الشرق أوسطية, لنمط الحكم الديمقراطي من الأساس, فإنه لابد لنا من الاعتبار بتجارب ودروس الماضي القريب. فقد ساعدت الضغوط والمساعدات الأميركية والغربية عموماً, في غرس شجرة الديمقراطية في عدد من البلدان في مختلف أنحاء العالم, منها على سبيل المثال, كوريا الجنوبية, ونيكاراجوا, وبولندا, وجنوب إفريقيا, والفلبين، وغيرها كثير. وفي كل هذه البلدان أسهمت الضغوط والمساعدات المذكورة, في دعم قوى الإصلاح والتغيير الشجاعة هناك, ومساعدتها في غرس شجرة الديمقراطية على نهجها وفهمها الخاص لواقع بلدانها. فماذا يمنع تكرار التجربة ذاتها في العراق؟

*مساعد وزير الخارجية الأميركية في إدارة الرئيس ريجان

وكل ذلك بحسب رأي جون هيوز في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور" -5-4-2006