السلامة في الدين

 

 

من محاضرات سماحة المرجع الديني اية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله: 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

في الخطبة التي خطبها رسول الله صلى الله عليه وآله في استقبال شهر رمضان المبارك - ولها أسانيد معتبرة، وإن كان السند المنسوب إلى الشيخ الصدوق رحمه الله أكثر اعتباراً ـ روي أن الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله في نهاية الخطبة قائلاً:

ما أفضل الأعمال في هذا الشهر؟

فقال الرسول صلى الله عليه وآله في جوابه:

ياأبا الحسن أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله عزّوجلّ .

ثم إن الرسول صلى الله عليه وآله بكى بعد ذلك، فسأله الإمام عن سبب بكائه، فأخبره النبي صلى الله عليه وآله أنه سيقتل في هذا الشهر. فسأله الإمام سلام الله عليه:

وذلك في سلامة من ديني ؟

فأجابه النبي صلى الله عليه وآله: في سلامة من دينك([1]).

و في رواية أخرى أن النبي صلى الله عليه وآله خرج يوماً مع الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه إلى ضواحي المدينة، و عندما نظر إليه النبي صلى الله عليه وآله بكى، فسأله الإمام عن سبب بكائه فأخبره صلى الله عليه وآله بما سيجري عليه من بعده، فقال الإمام :

في سلامة من ديني؟ ([2])

وفي مورد ثالث أن النبي صلى الله عليه وآله أخبره عن عداوة القوم له، وكرر الإمام السؤال نفسه.

فماذا يضمر هذا السؤال؟

إن الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه يسأل عن سلامة الدين، وهي لفظة مركبة من كلمتين، بل هي بمثابة كلمة واحدة في اللغة ولكن يالها من كلمة تحظى بأهمية كبيرة.

سلامة الدين أهم من كل شيء

لو أُبلغ أحدنا بخبر موته وكان متيقّناً من صحّة الخبر، فكيف سيكون حاله؟

لا شك أن أكثر الأشخاص سيتحسّرون على فقدهم الحياة وفراقهم المال والأهل و الولد. أما الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه فلم يتأسّف أو يتحسّر ولم يحزن ولا فكّر إلا في أمر واحد وهو: سلامة دينه!

لقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه عن الظلم الذي سيقع عليه، وكان الإمام سلام الله عليه ذا شخصية قوية سواء من حيث الإدراك والعلم، أو من الناحية البدنية، والإنسان القوي إذا وقع عليه ظلم، فإنه يقع تحت تأثير نفسه الأمارة عادة ويسعى للانتقام، وتوسوس له نفسه وتنسيه دينه وتجعله خاضعاً لمشاعر الانتقام ([3])، ولكنا نرى الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه يختار السكوت من أجل مصالح دينه!

لو أن شخصاً أهان واحداً منا، ولم يكن ردّنا له في صالح ديننا فماذا سنفعل؟ إن السكوت في مثل هذه الحالة يتطلب مقدمات كثيرة حتى يستطيع المرء أن يعمل وفق مصالح دينه ويدع أهواءه النفسية جانباً.

لقد ورد مفهوم سؤال الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه من النبي صلى الله عليه وآله: في سلامة من ديني ؟

في دعاء الصباح للإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه حيث يقول:

فاجعل اللهم صباحي هذا نازلاً عليّ بضياء الهدى وبالسلامة في الدين والدنيا ([4]).

إن بلوغ السلامة في الدين أمر ايجادي وتكويني واختياري. آمل أن يكون كلّ منا قادراً على أن يوجد في نفسه السلامة في الدين، في هذا الشهر الكريم، شهر رمضان المبارك.

ما المقصود بسلامة الدين؟

الدين يعني الطريق والأسلوب الذي إن اعتقدنا به عُدّ من أصول الدين، وإن عملنا به سمّي فروع الدين، أي الواجبات (كالصلاة والصيام) والمحرّمات (كالغيبة والتهمة) والمستحبات والمكروهات والأخلاق والآداب.

الدين هو ما عبّر عنه الله تعالى بقوله: ﴿إن الدين عند الله الاسلام([5]).

فما المقصود بالسلامة في الدين؟

إن القرآن لاعيب فيه، ووصايا الرسول صلى الله عليه وآله وأهل بيته سلام الله عليهم وأقوالهم وأفعالهم وتقريراتهم صحيحة وسليمة أيضاً، فما هو المراد من السلامة في الدين إذن؟

إن المقصود هو سلامة الإنسان في دينه وأن يكون على نصيب منه.

في بعض روايات باب النكاح أن النطفة إذا انعقدت في وقت كذا كان المولود في سلامة من دينه.

بعبارة أخرى إن المعيار الذي يُعرف به سلامة الدين هو في معرفة مدى استيعاب الإنسان لمفاهيم القرآن وكلمات الرسول الأكرم صلى الله عليه واله وسلم وكلمات أهل البيت سلام الله عليهم والعمل والالتزام بهما.

عندما تسأل شخصاً:

كيف حالك؟

فيجيب: "سالم والحمدلله"، فما معنى "سالم"؟

معناه أن فكره وأعضاء بدنه وجوارحه كلها سالمة، ولو كانت أعصابه متشنجة لم يقل إنه سالم، وهكذا سلامة الدين فهي تعني أن يكون الإنسان سالماً في دينه كله.

ولقد أشير أن الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه عندما سأل الرسول صلى الله عليه وآله عن أفضل الأعمال في هذا الشهر، أجابه الرسول صلى الله عليه وآله إنه الورع عن محارم الله.

وهذا في الحقيقة هو الذي يقرّبنا من سلامة الدين. إن الدار المبنيّة قبل عشرين سنة مثلاً ليست نفسها اليوم لأنها استهلكت خلال هذه المدة، وهكذا الطعام الذي يطبخ الآن أو اللباس الذي خيط، والسيارة وكلّ ما يستعمله الإنسان لن يبقى على حاله بعد مرور مدة من الزمن، فكل شيء في هذه الدنيا إلى نفاد وهو في طريقه إلى الاضمحلال والتلاشي، أما الإنسان فيختلف حاله عن الأشياء التي أشرنا إليها.

صحيح أن عمر الإنسان وكيانه الظاهري - أي بدنه - سائر إلى الفناء والزوال، ولكن جانبه المعنوي وروحه، على العكس من ذلك، يسير نحو العروج والتعالي بدل الأفول والنقصان.

هناك بعض الأشخاص يبدون ظاهراً أنهم يقضون حياتهم في سلامة من دينهم ولكن عواقبهم في آخر عمرهم تكون إلى شرّ، ويصدق العكس أيضاً.

أسأل الله تعالى أن يجعل كلاً منا قادراً على أن يوجد في نفسه السلامة في الدين، في هذا الشهر الكريم، شهر رمضان المبارك، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

*ألقيت هذه المحاضرة في ليلة 23 رمضان 1424هـ ، بمناسبة ليالي القدر وذكرى استشهاد الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه– وهي مطبوعة في :

كتاب نفحات الهداية- محاضرات تربوية لسماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله- إعداد: مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية- الناشر: ياس الزهراء سلام الله عليها -الطبعة الأولى: جمادى الثانية 1425 هـ

 


 

([1])عيون أخبار الرضا سلام الله عليه: 2 / 265 ح 53.

([2])انظر كتاب سليم بن قيس الكوفي: 72-74.

([3])يقول الله تعالى: ﴿لا يحبّ اللهُ الجهرَ بالسوء من  القول إلاّ مَن

ظُلم﴾ (النساء: 148) وهذا معناه أن المظلوم تجوز له

غيبة ظالمه، و هذا من مستثنيات الغيبة.

لقد سألت المرحوم الوالد عن حد الاستثناء ما هو؟ أي ما هي

الحدود التى تجوز للمظلوم أن يتحدث فيها عن ظالمه؟ فهل يجوز له

أن يتحدث عن سيئاته الأخرى خارج دائرة ظلمه؟ فقال رحمه الله: له

الحق في الحديث عن المحور الذي ظُلم فيه فقط، ثم ضرب لذلك مثالاً،

فقال: لو أن شخصاً أكل مالك فهذا لا يعطيك الحق أن تفضحه عندالجميع!.

([4]) مفاتيح الجنان للقمي: 165- 167، دعاء الصباح.

([5]) آل عمران: 19.