مقالات و محاضرات

 

 

 

ثلاثة... ويا للمفارقة!

 

 

 

طارق الحميد

 

تخيلوا في العالم العربي هناك ثلاث معارك على السلطة. هناك تمسك بالبقاء من طرف، ورجاء بالرحيل من طرف آخر. لكن من هم الثلاثة؟ هنا تكمن المفارقة! في العراق توجد مطالبة بتنحي السيد إبراهيم الجعفري رئيس الوزراء من السلطة في بغداد، وهو يعلن تمسكه بموقعه على اعتبار انه اختيار الله والشعب.

والحالة الثانية الرئيس اللبناني إميل لحود، والذي انتقل «نشر الغسيل» بينه وبين خصومه إلى قمة الخرطوم، حيث دوّل الفرقاء اللبنانيون صراعهم. ولحود يصر على البقاء في السلطة حتى الثانية الأخيرة من فترته، احتراما للدستور، وهو الذي مدد لبقائه في السلطة بالتعديل في الدستور اللبناني. أي أنه فصّل الدستور حسب احتياجاته! وتعديل الدستور هو المعركة الأساس التي من أجلها قتل في لبنان من قتل من رموز سياسية وإعلامية، وخلافه.

أما الحالة الثالثة، والزعيم الثالث، فهو الدكتور نعمان جمعة زعيم حزب الوفد المخلوع! وهنا تكمن المفارقة! فنحن نتحدث عن زعيم حزب، لا رئيس دولة يملك قوات مسلحة، لكن الدكتور جمعة قرر أن يأخذ حقه بيده، وبالسلاح في اقتحام مقر الحزب قبل أمس في القاهرة. والدكتور نعمان رجل قانون، وزعيم سابق لحزب ليبرالي عريق، عمره تسعون عاما. لكنه من أجل السلطة كفر بأهم مبادئ الليبرالية وهي احترام الاختلاف، واللجوء إلى القانون!

إنه هوس السلطة في العالم العربي. فنحن أمام رئيس دولة، ورئيس وزراء، ورئيس حزب! وهذه هي القمم الثلاث في الحياة السياسية العربية. وكل من هؤلاء الثلاثة يريد التشبث بموقعه ولو بالقول بأن الزعيم هو خيار الله والشعب، أو أن الرئيس جاء باسم الدستور، وهو الذي حرف الدستور من أجله، أو أن يكون زعيم حزب يؤمن بمبادئ من المفترض أن تقود إلى تداول السلطة، واحترام القانون فيلجأ إلى السلاح والبلطجة.

هذا هو الحال في عالمنا العربي للأسف. البعض يقول عن أزمة «الوفد» الأخيرة، إنها أزمة النظام المصري نفسه، والآخر يقول إنها لعبة الحكومة المصرية، والحقيقة الماثلة أمامنا في العالم العربي انها أزمة العالم العربي كله. إنها أزمة ثقافة. أزمة احترام الاختلاف، وأزمة احترام مصالح الناس، وأزمة مصداقية في المبادئ. فالاخوان المسلمون، أصحاب شعار أن الإسلام هو الحل، والذين ارتقوا «مرتقى صعبا» في مصر باسم الانتخابات لتحقيق «الشهوة الخفية»، حسب التعبير التراثي الجميل عن محبة العباد للسلطة، شاهدناهم على شاشات التلفزة في منظر المريد مع شيخه، يقبلون يد المرشد، معلنين الولاء. وذلك ليس بمنظر جماعة وصلت عبر شريعة الصناديق، وباسم الديموقراطية الغربية.

وهاهي حماس بقيادة رئيس الوزراء إسماعيل هنية تطوح بنا بين أن «هذا التصريح أسيء فهمه... أو لا لم يقصد رئيس الوزراء هذا القول». ولا فرق بين نهج هنية، ومدرسة عرفات، رحمه الله، في اللعب على الكلام.

كلها معركة سلطة، أول قواعدها الكذب، وأول ضحاياها الناس. في حالة الساسة المتشبثين بالسلطة فهم يقولون أنا الدولة والدولة أنا. وفي حالة زعيم الوفد المخلوع فإن الدكتور نعمان جمعة يقول أنا الحزب والحزب أنا، وفكر الحزب أيضا. ويقيني أن ليس للدولة ملامح في حالة الساسة المتشبثين بالحكم، ولا للفكر أثر في حالة الزعيم الحزبي المخلوع. لا أقصد إطلاقا الإساءة لشخوص، كل ما أريد قوله انه من المحيط إلى الخليج هناك أزمة. وقد اتضحت «عروبية» الداء، فتساوت الليبرالية بالإسلامية في أدوات اللعبة السياسية العربية.

وكل ذلك بحسب المصدر ونصا .

المصدر: الشرق الأوسط- 3-4-2006