مقالات و محاضرات

 

 

العراق: هواجس الضمانات إلى متى..؟

 

جابر حبيب جابر

 

أورث النظام الشمولي منظومة من السلبيات، بينها غياب الثقة بين المكونات العراقية والخوف المتبادل بينها، فضلاً عن الخشية من تبادل المواقع إمعانا في الاستئثار والغبن، وقد خيمت هذه المشكلة على المشهد العراقي، وهي الباعث الحقيقي في تبني السياسات واتخاذ المواقف، وكأن لم تكف مئات السنين من الاندماج الاجتماعي والعيش معاً، ولا أسهم وقوع الشعب برمته تحت السياسة الهوجاء للنظام السابق التي جعلت البلد ذا الثراء الملموس، يعيش انسانه في أوطأ المستويات المعيشية في العالم، ولا أبناؤه الذين ظلوا يساقون لحروب عبثية حصدت مئات الآلاف منهم، ولا الظلم المتفاوت الذي طال اغلب الشعب العراقي، كل هذه المآسي يبدو انها لم تشكل اساس انطلاق للعراقيين يشرع من لحظة الانعتاق من الدكتاتورية، إذ يبدو انه لم يفلح ارث الطغيان في توحيد الضحايا.

منذ سن قانون ادارة الدولة ظل هاجس واضعيه ومشرعيه ايجاد الضمانات والتطمينات للمكونات المجتمعية، ومن ذلك اعتماده في اقرار الدستور اللاحق آلية اقرار بأن تتم بموافقة اغلبية الناخبين وباشتراط ان لا يرفض من ثلثي ثلاث محافظات، فأعطى لثلاث محافظات حق نقض ارادة الخمسة عشر محافظة الاخرى، وهذه الفقرة جاءت كضمانة مبالغة في التطمين، إلا ان اللافت ونتيجة لقصر نظر سياسي، ان الاعضاء السنة في مجلس الحكم وافقوا عليها واصطفوا مع الاكراد. وهذه المادة اصبحت اليوم قيد على اي تعديل ينشده السنة للدستور، الذين عليهم ان يركنوا فقط الى الضغط الاميركي لإجراء التعديل او الارادة الذاتية للكرد بأن يتنازلوا عما حصلوا عليه.

حتى الدستور الذي لم يكن له ان يجافي الديمقراطية وقواعدها المعمول بها، فقد قيد احكامه بفترة انتقالية عادت، فعلياً، بآليات الحكم الى ما قبل الدستور، الى قانون ادارة الدولة وغاية مشرعي الدستور مرة ثانية تطمين المخاوف للاربع سنوات القادمة، بعدم جعل طرف قادرا ان ينفرد بإدارة البلد او التشريع له مهما كانت اغلبيته دون ان يتوافق مع الاطراف الاخرى.

فكانت هيئة الرئاسة، والتي هي لدورة واحدة، تتكون من الرئيس ونائبيه والذي جرى وسيجري العرف على ان يمثلوا المكونات الثلاث وقراراتهم تكون بالإجماع وبالتالي يستطيع كل مكون (سنة، شيعة، اكراد) ان ينقض ولا يصادق على قرار تنفيذي او يرد تشريعا عبر ممثله في هيئة الرئاسة. والى ذلك فرئاسة البرلمان ونائباه ستماثلها تكويناً، ويجري البحث حثيثاً لجعل رئاسة الوزراء

عبارة عن مجلس، اما بجعل النواب يشتركون سواسية مع رئيس الوزراء بالقرارات، او بتوسيع عدد النواب وبمسؤولية لكل منهم عن ملف امني او طاقة او خدمات، وبالتالي يفضي هذا الى تجزئة سلطة رئيس الوزراء الرأس التنفيذي المفترض للدولة. ثم اتفق مرة ثانية على ايجاد ضمانة اخرى عبر جعل قرارات مجلس الوزراء الاستراتيجية منها بأغلبية الثلثين، وهذا يستلزم المساومات والتوافق ايضاً لاتخاذ القرارات، اما تعريف القرارات الاستراتيجية فهي التي تتصل بالعلاقات الخارجية والامن والطاقة والتعيينات العليا والقرارات الاقتصادية والخدمية الهامة !

وجاء اخيراً «المجلس السياسي للامن الوطني»، الذي لا يوجد له نظير في الديمقراطيات ولكن هناك ما يماثله في دول الجوار، مجلس صيانة الدستور، ومجلس تشخيص مصلحة النظام في ايران، او مجلس الامن القومي في تركيا، والذي هو موضع انتقاد الاتحاد الاوروبي. هذا المجلس اتفق عليه بأن يضم رئاسة الهيئات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية وقادة الكتل البرلمانية لكي يراقب آليات اداء السلطتين التشريعية والتنفيذية ويقترح مشاريع القرارات والسياسات لها، واعتبر المجلس مؤقتا ولدورة نيابية واحدة، وهي ضمانة اخرى تجعل كل قادة الكتل فاعلين في اتخاذ القرارات او تعويقها، بجانب ان ذلك سيجعل ذراع السلطة التنفيذية الاقوى، اذ انها ستضم الجميع دون ترك احد خارجها وهذا يضعف او يغيب المعارضة والتي هي ضرورية لأي اداء ديموقراطي، فضلاً عن اضعاف دور البرلمان بجعل قادة الكتل يقررون دونه حيث لن يتعدى دوره الفعلي على التوقيع على قراراتهم، اي بإفراغ دور اعلى سلطة وهي سلطة التشريع المنبثقة عن الامة والممثلة لإرادتها والموجدة والرقيبة والمحاسبة لسلطة التنفيذ، عن جوهر مهامها.

إلا انه يمكن ايجاد مقاربة لهذا المجلس بمجلس الامن الدولي وبحق الفيتو الممنوح للخمس الكبار، اذ ان هذا الحق قام على فلسفة بأن هذه الدول هي التي تتمكن من فرض السلام وهي القادرة على شن الحروب، لهذا فإن اعطاءها هذا الامتياز يشعرها بالمسؤولية ويجنب البشرية الويلات، فهل اعطاء قادة الكتل والسلطات هذا الامتياز ما فوق الدستوري بوصفهم الاقدر على تحقيق وحفظ السلام يحقق مثل تلك الأهداف ؟

سنأخذ على محمل الحرص سعي القادة السياسيين على ان يكونوا في مركز السلطة والقرار وبأنهم زاهدون في ذلك ودافعهم فقط تطمين وضمان مصالح المكونات المجتمعية التي يمثلونها، ولكن هل ان آليات اتخاذ القرار هي مصدر قلق للعراقي الممتحن بهمه، ام انه يريد الخروج من المثلث المغلق المطبق عليه والذي رؤوسه العنف والبطالة وعدم الاستقرار. فالعنف يفضي الى عدم الاستقرار، وهذا يقود الى تعطيل اي جهد لتدوير الحالة الاقتصادية، وذلك من شأنه ان يبقي البطالة والتي هي الخزان الذي يتغذى منه العنف والإرهاب. وهنا تتشارك الحكومة ومناوئوها في المسؤولية. فإذا كانت النخب المجتمعية والقيادات السياسية ورجال الدين في المناطق المضطربة قد فشلت في ان تمنع مناطقها من ان تكون الملاذ الآمن لجماعات العنف المسلح، فأن الحكومة مسؤولة قبل غيرها عن ضياع هيبتها وضعف ادائها وفساد مفاصلها وشلل قضائها. ومع ذلك نقول لعل عهداً قادماً من الشراكة بدل التناحر يؤذن بانجلاء هذا الليل الطويل.

وكل ذلك بحسب رأي جابر حبيب جابر في المصدر المذكور.

المصدر: الشرق الوسط اللندنية-2-1-2006