مقالات و محاضرات

 

 

خطورة الغياب العربي عن العراق

 

خليل علي حيدر   

 

هناك بكاء عربي حار هذه الأيام على مصير العراق الغامض، ولكن :من يصدق هذه الدموع؟!

ثمة ضجة في الصحف والفضائيات التلفزيونية، خوفاً على تدمير العراق وتقسيمه وتهميشه. ولكن :

هل هو حرص صادق وقلق مشفوع بحسن النية؟ ياريت! جزء كبير من مسؤولية الانحدار سببه إهمال العربي لواجباته في العراق، بل لمعاداته السرية والعلنية لما جرى في تلك البلاد.

بدأ العالم العربي بالدفاع المستميت عما أسماه بـ"النظام العربي" الذي فشل عام 1990 فشلاً ذريعاً ولم يكن، كاسمه، سوى درع لبعض الأنظمة التسلطية، على حساب حرية وتقدم شعوب العالم العربي. انتقل بعد ذلك إلى الدفاع عن بقاء صدام كـ"رئيس شرعي" للعراق! عارض ممثلو النظام العربي ومفكروه استخدام القوة لخلع "القائد صدام"، وتحدثوا مطولاً عن مخاطر الحرب التي قد تدوم أشهراً وسنوات. وبعد سقوط النظام جاء دور ساسة العرب والمثقفين والإعلاميين لتمجيد "المقاومة العراقية"، مهما كانت غامضة الأهداف ودموية وموجهة إلى الشعب العراقي نفسه، حيث لم تقتل هذه المقاومة التي يقودها أعداء الشعب العراقي وأعداء الديمقراطية، سوى ألفين من جند قوى التحالف مقابل عشرات وربما مئات الآلاف من العراقيين.

وعندما لجأت قيادة "المقاومة" إلى سلاح الطائفية وبدأت مذابحها المفخخة ضد الشيعة في الأسواق والمساجد والحسينيات يومياً وعلى امتداد أكثر من ألف يوم، منذ التاسع من أبريل 2003، لم يضغط هذا "النظام العربي" على جيران العراق الأقربين والأبعدين ليرحموا النظام العراقي الوليد أو أن يشفقوا على الشباب والأطفال والأرامل، بل صار هذا الإرهاب أمل العديد من الساسة والمثقفين والإسلاميين والقوميين، للتخلص من الديمقراطية والتشيع معاً!

عدد طاغٍ لا يحصى من قيادات العالم العربي ومثقفيه وأبواقه الإعلامية سعيدة حقاً، رغم العويل الظاهري والدموع المتدفقة، على تعثر تجربة تغيير النظام في العراق، وتعثر الديمقراطية، وتعثر التنمية. فهذا يثبت تحذيرهم الدائم من أن الديمقراطية لا تنقل، وأن التغيير -إن أتى!- يأتي من الداخل!

لا أحد من المثقفين يسأل نفسه مرة أخرى: هل كان جيران العراق سيكفون عن التدخل في شؤونه لو كان التغيير "من الداخل"؟ بل أما كان تدخلهم سيكون أكبر وأشمل وأشرس لو لم تكن قوى التحالف موجودة؟

حتى لو لم يتم حل الجيش والأجهزة الأمنية والإعلامية، هل كن بإمكان العراق أن يصمد أمام ضغوط جيرانه؟ ثمة اليوم دولة عظمى تسند تجربة تغيير النظام، وتنفق على الدفاع عنه المليارات كل يوم، وتبني الدولة خطوة بخطوة، وتضغط على كل دول العالم كي تسقط ديونها على العراق، وتدرب قواته المسلحة ومنظماته الأمنية الجيدة، ورغم هذا كله يفعل الإرهاب والإجرام والتدخل المجاور ما يفعل بالعراقيين، فكيف لو خلا للجيران الجو، كي تبيض وتصفر؟!

عندما انهار نظام الإجرام في بغداد، وانكشف الغطاء عن جرائمه في الشمال ومخازيه في الجنوب لم يكترث العالم العربي ساسة ومثقفين بما شاهدوا وما سمعوا! عندما ملأت وثائق جرائم الاستخبارات شوارع بغداد وثبتت الجرائم موقعة مؤرخة، لم يعن ذلك لهم الكثير. لدينا مناعة قومية ووطنية ودينية ولله الحمد.

عندما أحصى العراقيون أزيد من مئتين وخمسين مقبرة جماعية، في كل مقبرة ألف بل عشرون ألف جمجمة، وذلك للمرأة الأولى في تاريخنا وثقافتنا، وعاداتنا وتقاليدنا، لم تهتز في الوعي السياسي والضمير الحضاري العربي والإسلامي شعرة! فكأنها كانت قبور آشور وبابل، وربما قوم عاد وثمود! بعض مثقفينا وبعض ساستنا لا يكتفون بهذا الجفاء والتجاهل اللاإنساني، الذي يعطي مبررات مختلفة، بل يتم اليوم اتهام ضحايا هذه القبور بالخيانة واللاوطنية وربما "الشعوبية"! فالواقع أن ضميرنا السياسي يغفر للدولة القومية أن ترتكب أي جريمة دفاعاً عن الأمة!

لا زلت أذكر كلام أحد النشطاء السياسيين الكويتيين في مجال القانون والدفاع عن حقوق الإنسان قبل عشرين سنة تقريباً، عندما حضر ندوة عُرض فيها فيلم وثائقي عن جريمة "حلبجة" وقتل الأكراد بالآلاف، بينما أصر المشاركون العرب على أن المذبحة لم تقع، وأن هذا الشريط السينمائي مفبرك من قبل "أعداء العراق"! ولم تهتز هذه القناعة إلا بعد عدوان عام 1990 على الكويت، واكتشاف عدد كبير من العرب "القائد الضرورة" على حقيقته!

منذ سقوط نظام الطاغية قبل ثلاثة أعوام، والإعلام العربي والدولي يتحدث عن النفوذ السياسي والاستخباراتي الإيراني في الجنوب العراقي. العالم العربي-كعادته- لا يرحمك ولا يدع رحمة الله تنزل عليك! ففي الوقت الذي انفتحت فيه أبواب جهنم الإعلامية ضد العراق الجديد في "الميديا العربية"، وتسابق المثقفون في التنظير والإعلاميون في التحذير من مخاطر "الحملة الأميركية لاحتلال العراق ومنابع النفط"، والدعوة إلى إشعال "المقاومة" في العراق التي شببها الكثير منهم بالمقاومة الفلسطينية واللبنانية وربما الفيتنامية، وبذلوا المستحيل في سبيل خنق الحكومة العراقية المؤقتة، والنفخ في مشاكل العراق الجديد، ولأجل عزل هذا العراق "غير الشرعي" عن "النظام العربي" الذي يقطر عدلاً وشرعاً وديمقراطية من المحيط إلى الخليج.

في إطار هذه الحملة، طالب العالم العربي ساسة ومثقفين، بعدم تقديم أي شكل من أشكال الدعم إلى النظام الوليد... ضمن مساعي "النظام العربي" لتجفيف منابع الديمقراطية بين العرب!

وهاجم الإسلاميون والقوميون والعلمانيون كل دولة عربية تعترف بالوضع الجديد في العراق، أو تقيم معه علاقات دبلوماسية أو توافق على دخول ممثليه أي هيئة أو نقابة عربية أو تحاول تقديم أي لون من التسهيلات له. ولو لم تكن العراق بذاتها دولة بترولية غنية، ولو لم تكن الولايات المتحدة ودول "الناتو" إلى جوارها، ولو لم يكن عقلاء العالم العربي وذوو الفكر السياسي المتزن وأنصار التجديد والتغيير معها، ولو لم يكن تحمل العراقيين للعذاب وصبرهم على المكاره والأخطار بهذا الشكل الأسطوري... لانحدرت التجربة إلى الهاوية محطمة!

بعد كل هذا العداء السياسي الاقتصادي الثقافي ضد العراق، وبعد أن سلط العرب أنظارهم لمدة ثلاث سنوات على الشجرة دون أن يروا الغابة، وبعد أن أعماهم التكتيك القومي عن الاستراتيجية الإقليمية، اكتشفوا فجأة أنهم تركوا فراغاً كبيراً بغيابهم عن العراق وقت الحاجة، في هذا الظرف العصيب، وتركوا جنوب العراق وشماله وشرقه وغربه ملعباً لكل من يريد أن يمارس هواياته ويدرب عضلاته! الآن فقط صحونا، وصرنا نصيح: حرامي... حرامي!

وكل ذلك بحسب رأي خليل علي حيدر في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-2-4-2006