مقالات و محاضرات

 

 

 وجـهة نـظـر :

 

                        لماذا لم يلحق العرب بالموجات الديمقراطية التي عصفت بالعالم ؟

 

 

إجابات من أصحاب القامات العالية..!

عبد المنعم سعيد

 

لماذا لم يلحق العرب بالموجات الديمقراطية التي عصفت بالعالم، سوف يظل سؤالا ملحا على العالم يقدر ما هو مفروض على المنطقة العربية؛ ومهما كانت الإجابات الخارجية سوف تضع الأسباب في الإسلام وخصائص ذاتية فى الناطقين بالضاد، أو أن الإجابات الداخلية سوف تضع المسؤولية فورا على كاهل مجموعة من المستبدين العتاة، أو أنواع مختلفة من الامبرياليات القديمة والجديدة، فإن الرضا حول الإجابات وكفايتها سوف يظل ناقصا. وكان واحدا من محاولات الإجابة الكاملة أو سد الفجوة الناقصة أن يكون ذلك من خلال المقارنة مع تجارب الدول الأخرى في أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية التى تحولت خلال فترة قصيرة نسبيا، قدرها عقد ونصف تقريبا إلى دول ديمقراطية رأسمالية وأحيانا جزء من النظام الغربي المتقدم ومؤسساته الأمنية أو الاقتصادية أو كلاهما معا. ولما كانت المقارنة قد عقدت في مدريد خلال يومي 24 و25 مارس الجاري، فإن التجربة الأسبانية ذاتها أصبحت حاضرة ومعها باقي التجربة الأيبيرية في البرتغال أيضا.

وكان جزءا من الإجابة كامنا خلال الفترة السابقة على انطلاقة عملية التحول ذاتها؛ فما يبدو وكأنه لحظة تاريخية يصبح ما قبلها مختلفا عما بعدها مثل وفاة فرانكو في أسبانيا أو سقوط حائط برلين وانهيار الاتحاد السوفيتي يكون فقط لحظة التغير العظمى، ولكنها أتت بعد أن تغيرت أمور كثيرة، إما نتيجة طفرات اقتصادية واجتماعية أو انقلابات سياسية كبرى جعلت البلاد جاهزة ساعة حلول الانقلاب الديموقراطي ـ إذا جاز التعبير. وفي أسبانيا ـ وينطبق ذلك على شيلي والبرتغال والمكسيك وكوريا الجنوبية وتايوان والفلبين وتايلاند ـ فقد كان هناك عقد ونصف على الأقل من التنمية الاقتصادية المستمرة التي غيرت طبيعة الدولة الاستبدادية تماما. فقد أدرك فرانكو منذ بداية الستينيات أن أسبانيا لن يكون لها حياة في أوروبا وفي العالم إلا عندما تتزايد قدرتها الاقتصادية وهو ما دفعه لتطبيق إصلاح اقتصادي جعل أسبانيا تنمو بنسبة لا تقل عن 7% سنويا على مدى عقد ونصف وكانت النتيجة هي مضاعفة دخل الفرد من 2000 دولار عام 1960 إلى 4000 دولار عام 1975 ، وتحولت أسبانيا من دولة زراعية نصف عدد سكانها من الفلاحين إلى دولة صناعية يعيش معظم سكانها في الحضر ولا يزيد فيها المزارعون عن 25%. وكان لهذه الإصلاحات فضل غير قليل لتحضير أسبانيا للمرحلة التالية من الإصلاح والتطور والديمقراطية عندما انتقل فرانكو إلى الرفيق الأعلى؛ وفي حالة بولندا والمجر وجمهورية التشيك، فإن تغييرات سياسية عميقة جرت منذ ربيع براغ الشهير في عام 1968، وحتى حركة تضامن الشهيرة جعلت الفكرة الديمقراطية حاضرة ومهيمنة بشدة على النخبة السياسية.

مثل هذا التطور وفر طلبا سياسيا كبيرا على الديمقراطية من طبقة وسطى صناعية وحضرية واسعة، كما قدم عرضا من القادة والساسة القادرين والمدربين على التعامل معها، أدلفو سواريز في أسبانيا وليش فاونسا في بولندا وهافل في جمهورية التشيك، وعندما اكتمل العرض والطلب حانت الساعة التي عندها تتم الصفقة الديمقراطية من خلال «تعاقد» على تفاهم سياسي لا يحتكر فيه طرف اللعبة السياسية لصالحه. مثل ذلك لم يتوافر في العالم العربي أبدا، فلم يحدث أن توفر معدل نمو قدره 7% أو أكثر في دولة عربية ولمدة عقد ونصف على الأقل بصورة مستمرة؛ صحيح أنه جرت طفرات كبيرة في الثروة جاء معظمها من الارتفاع في أسعار النفط كما يجري حاليا، ولكن ذلك أمر والتنمية أمر آخر حيث يعاد تركيب المجتمع مرة أخرى من جماعات وطبقات جديدة ويشتد لبعضها الطلب على الديمقراطية أكثر من البعض الآخر. وعلى العكس، فإن الثروة النفطية تؤدي إلى تعزيز جهاز الدولة وتقليل حاجة الجهاز الحكومي الذي أصبح قبلة المواطنين للضرائب، وبالتالي يقل الحافز لديه للحصول على الشرعية، ولا تصبح الديمقراطية ضرورية.

وهكذا يكمن ـ جزئيا على الأقل ـ غياب الديمقراطية في ضعف الطلب السياسي عليها، وليس معنى ذلك أنه لا توجد حركات ديمقراطية، ومفكرون ديمقراطيون، ولا ينكر جهود النشطاء الذين يدخلون السجون من أجل إقامة نظام ديمقراطي تنتقل فيه السلطة ويجري تداولها سلميا، ولكن ذلك لا يكفي دون وجود قاعدة كاسحة مطالبة للديمقراطية وساعية إليها، لأنها تحقق مصالحها من خلال طلب «فعال» يأخذ أشكلا نضالية مختلفة، تدفع الملايين إلى الشارع في الليالي الباردة والحارة على السواء. ومع غياب الطلب يكمن الضعف الحادث في العرض الموجود في القادة القادرين على اجتذاب الجماهير للفكرة الديمقراطية والنظام الديموقراطي، وهو ما يفسر الأداء التعيس للأحزاب الليبرالية العربية خلال الانتخابات المصرية والفلسطينية والعراقية الأخيرة، حينما كان الطلب محدودا والعرض ضعيفا للغاية.

هذا الفارق في الطلب السياسي على الديمقراطية يكمن في جانب منه في غياب منظومات فكرية أخرى منافسة للديمقراطية والليبرالية في حالات أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية، فقد كان النظام الفاشي قد أفلس تماما، ومعه أفلست الفكرة الشيوعية التى طالما ألهمت الكثيرين، ولم يبق إلا الديمقراطية وحدها هي القادرة على تقديم نموذج تنموي وسياسي فعال. وفي حالة أسبانيا على سبيل المثال كانت النتيجة مبهرة بكل المقاييس، فقد ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من 4000 دولار إلى 25000 دولار خلال الفترة من 1975 وحتى 2005، وتحسنت تماما كافة المؤشرات المعروفة عن النمو الاقتصادي سواء تلك المتعلقة بالصحة أو التعليم والعمر المتوقع عند الميلاد. ولكن ربما كان أكثر النتائج إثارة هي أن قامة الأسبان زادت في المتوسط بما مقداره 20 سنتيمترا، وهو مؤشر عاكس لكثير المؤشرات الخاصة المتعلقة بنوعية الحياة ومستوى المعيشة والتعليم والمعرفة. وهكذا أصبحت أسبانيا بلدا لأصحاب القامات العالية ـ بدنيا وسياسيا واقتصاديا ـ بفعل التحول الديمقراطي الذي جرى فيها.

مثل هذه الحالة من السيادة الفكرية للنموذج الديمقراطي وتطبيقاته المتعددة لا توجد في العالم العربي، حيث تنتشر المنافسة مع نموذجين على الأقل أولهما بيروقراطي قائم على تدخل الدولة الريعية بدعوى تحقيق العدل الاجتماعي والحفاظ على التماسك الوطني؛ وثانيهما ثيوقراطي يضع الخلاص في الدنيا والآخرة سابقا على كل الأمور الأخرى. هذان النموذجان يقيمان حواجز عالية مع المصادر الأساسية للفكر الديموقراطي في العالم الغربي، حيث كان انضمام المكسيك إلى اتفاق «النافتا»، ودول شرق أوروبا لكل من حلف الأطلنطي والاتحاد الأوروبي والقبول بمعاييرهما الديمقراطية المتشددة، جزءا من عملية الإصلاح والديمقراطية. بمعنى آخر أن المصالحة مع الغرب الديمقراطي الرأسمالي كانت جزءا من عملية تقديم مشروع مستقبلي قائم على فكرة الاندماج في النظام العالمي بأبعاده السياسية والاقتصادية والأمنية، مما شكل أملا في عالم أفضل، وفي نفس الوقت وفر حماية عالمية للفكرة الديمقراطية وتطبيقاتها المتعددة من الانتكاسات الاقتصادية واحتمالات الشعبوية التي تنمو في لحظات التغيير الكبرى.

هذه الحالة ليست موجودة بالتأكيد في العالم العربي، بل إن العداء للغرب هو شعور ذائع حتى بين الديمقراطيين والليبراليين العرب، وخلال الأعوام الأخيرة تراكمت فوق القضية الفلسطينية قضايا العراق والحرب ضد الإرهاب وصراع الحضارات لكي تجعل المسافة مع الغرب، ومع الديمقراطية، واسعة للغاية!!

وكل ذلك طبق للنص الوارد في المصدر المذكور .

المصدر :  الشرق الاوسط – 29-3-2006