مقالات و محاضرات

 

 

قراءة قانونية في الآليات الجديدة لمجلس الوزراء

 

 

 

المحامي طارق حرب*

 

هل سيتقاطع مع رقابة مجلس النواب؟

مما ترشح من اجتماعات الكيانات السياسية انها وضعت آلية معينة لموافقة مجلس الوزراء على القرارات التي يتخذها بحيث تختلف نسبة موافقة المجلس وحسب كل قضية، فتكون موافقة المجلس  بالاغلبية البسيطة

احياناً اي (50% +1) وتكون اغلبية الثلثين احياناً اخرى. فلو فرضنا ان مجلس الوزراء يتألف من ثلاثين وزيراً مثلاً، فانه يشترط موافقة (16) عضواً في الحالة الاولى و(20) عضواً في الحالة الثانية، واذا كان مثل هذا الرأي لا يختلف ولا اقول يوافق احكام الدستور طالما ان الدستور الجديد لم ينح منحى قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية، حيث قرر في المادة (32) صدور قرارات مجلس الوزراء، بالاغلبية البسيطة وبالتالي لا محل للكلام عن اغلبية الثلثين، فان الدستور الجديد لم يحدد النسبة المطلوبة للموافقة على قرارات المجلس، اي انه لم يورد مثل النص السابق الوارد في قانون ادارة الدولة، ولكن القاعدة العامة والاصل في اتخاذ القرارات في كل مجلس او لجنة او هيئة هي موافقة الاغلبية البسيطة ما لم ينص الدستور او القانون على اغلبية اخرى، غير اننا يجب ان نستدرك ونقول ان المادة (85) من الدستور قضت بما يلي: (يضع مجلس الوزراء نظاماً داخلياً لتنظيم سير العمل فيه)، ومن خلال هذا النص اذا تبنى مجلس الوزراء الجديد مشروع (مسودة) النظام الداخلي الجديد الذي تتولى الكيانات السياسية اعداده هذه الايام، وينص في المشروع على حالات القرارات التي يصدرها مجلس الوزراء والتي يشترط فيها اغلبية اخرى غير الاغلبية البسيطة، وعند ذاك يلتزم مجلس الوزراء بالنسبة الجديدة التي قررها النظام الذي اصدره.

ولكن اذا كان الامر قد اوردناه بالنتيجة التي توافق متطلبات الكيانات السياسية الاخرى من غير قائمة الائتلاف العراقي الموحد فان ذلك يثير عدة تساؤلات ويقود الى الكثير من النقاشات ومن اهمها:

 ما هي القرارات؟

1- تحديد ما هي القرارات التي تشترط موافقة المجلس باغلبية الثلثين والقرارات التي يشترط فيها الاغلبية البسيطة، والذي نراه من الوجه القانوني والوجه السياسي هو عدم الافراط في تحديد القرارات التي يشترط فيها حصول موافقة الثلثين وان يكون ذلك محصوراً في حده الادنى بالقرارات المهمة جداً لاسباب كثيرة اولها ان الدستور لم ينص على هذه الاغلبية وثانياً لان اغلبية الثلثين استثناء من الاصل والقاعدة العامة وهي الاغلبية البسيطة وكما يقال ان الاستثناء لا يجوز التوسع في تفسيره او القياس عليه.

وثالثاً ان مجلس الوزراء خاضع لرقابة مجلس النواب. ذلك ان مجلس الوزراء وبموجب احكام المادة (61) من الدستور يخضع لاسئلة مجلس النواب وللاستيضاح وللاستجواب ولسحب الثقة، اي ان مجلس النواب له صلاحية عزل واقالة جميع اعضاء المجلس اي الوزراء ورئيسه رئيس مجلس الوزراء، ولا يمكن من الوجهة العقلية اتخاذ مجلس النواب لقرار ضد مجلس الوزراء اذا لم يستطع هذا المجلس اتخاذ قرار بسبب عدم الحصول على نسبة الثلثين المطلوبة اذ كما يقال ان المسؤولية قرين الصلاحية، فاذا لم يتخذ مجلس الوزراء قراراً كان من اللازم اتخاذه لتدارك حالة معينة بسبب عدم حصول القرار على نسبة الثلثين، وبالتالي لا مجال منطقياً وان كان هنالك مجال دستوري لاتخاذ مجلس النواب قراراً بسحب الثقة عن مجلس الوزراء طالما انه مكتوف اليدين ولا يستطيع اتخاذ القرار، وهذا سيؤدي حتماً الى الضرر العام طالما ان القرار المطلوب من مجلس الوزراء لم يتم اتخاذه وذلك لان النظام بالاغلبية التي تطلبها وقف مانعاً امامه لاتخاذ مثل هذا القرار!؟

انقلاب لا دستوري

2- واذ انتهينا الى ما سبق، فهل يمكن وصف ذلك بتقييد للسلطات المقررة لمجلس الوزراء او هل يمكن وصف ذلك بدقة بانه انقلاب لا دستوري كونه يتضمن خروجاً على احكام الدستور، لا سيما اننا نجد وفي جميع دساتير العالم بدون استثناء ان قرارات مجلس الوزراء تصدر بالاغلبية البسيطة. نعم ان قرارات البرلمان (مجلس النواب) قد تصدر بأغلبيات متعددة كأن تكون بسيطة او اغلبية الثلثين او الثلاثة ارباع حتى.

باعتبار ان مجلس النواب غير مسؤول امام اية جهة سوى التقيد بأحكام الدستور ولكن هذا لا يصح بالنسبة لمجلس الوزراء باعتباره مسؤولاً مسؤولية مباشرة امام مجلس النواب عن كل صغيرة وكبيرة لان صلاحيات هذا المجلس كما رأينا واسعة جدا تجاه مجلس الوزراء. اذا طالما ان لمجلس النواب مثل هذه الصلاحية تجاه مجلس الوزراء فلماذا يتم تقييد صلاحية هذا المجلس. ذلك ان بامكان مجلس النواب الاطاحة بمجلس الوزراء وسحب الثقة منه. خصوصاً اذا علمنا ان سحب الثقة من مجلس الوزراء يتم بالاغلبية البسيطة (50%+1) وليس اغلبية الثلثين او سواها من الاغلبية العالية. فلو فرضنا ان عدد اعضاء مجلس النواب الذين كانوا حاضرين (138) عضواً. فان ذلك يعني ان(70) عضواً من مجلس النواب البالغ عدد اعضائه(275) يستطيعون عزل مجلس الوزراء وتنحيته وابعاده. فهل بعد هذا نجد ضعفاً ووهناً لمجلس الوزراء امام مجلس النواب. ويتعدى ذلك الى صلاحية مجلس الرئاسة الواردة في المادة (61) من الدستور التي اجازت لهذا المجلس الطلب من مجلس النواب سحب الثقة من مجلس الوزراء.

3- ثم هل ان هذا الخروج على الدستور يعتبر خروجاً على وزن كل كيان سياسي في مجلس النواب وهل يعد خروجاً على الاستحقاق الانتخابي وما افرزته صناديق الاقتراع من قيمة شعبية لكل كيان وما هو عدد افراد الشعب وراء كل كيان. لا بل هل يعتبر ذلك خروجاً على ارادة الشعب طالما ان ارادة الشعب اتضحت اثناء الانتخابات. ونسير الى ابعد من ذلك ونقول هل ان تقييد صلاحيات مجلس الوزراء عن طريق التشدد في الاغلبية المطلوبة لبعض قراراته سيؤدي الى آثار على الشعب الذي تولى قول قوله يوم 2005/12/15 وبعبارة اخرى هل ان الشعب او اكثريته الممثلة في الكتل السياسية في مجلس النواب ستصب جام غضبها على النظام الذي يقرر هذه الاغلبية ام على مجلس الوزراء الذي لم يتخذ القرار ام الكيانات السياسية التي دعت الى هذا النظام وضغطت لاجل ان يرى النور. لا سيما اذا قرأنا هذا الموضوع في قابل الاشهر وانسحبت القوة المتعددة الجنسيات مع ما يترتب على ذلك من اقلال التأثير الاجنبي في العملية السياسية والذي يبدو واضحاً في هذه الايام.

صحيح ان الكيانات السياسية الاخرى في حالة تخوف من قائمة الائتلاف العراقي الموحد ومرشحها لرئاسة الوزراء اذا علمنا انه من الناحية الدستورية يستطيع الائتلاف السير في العملية السياسية طالما انه حصل على (130) صوتاً اذا اتفق مع الكيان الخامس في تسلسل الكيانات السياسية ونعني بذلك مجلس الحوار الوطني الحاصل على (11) صوتاً فقط. اذ ان (138) صوتاً كافية فقط لتأسيس السلطة التنفيذية ممثلة بمجلس الرئاسة ومجلس الوزراء ورئاسة السلطة التشريعية ممثلة بهيئة رئاسة مجلس النواب. واذا كانت الدعوة الى وضع آلية جديدة لقرارات مجلس الوزراء تمثل مجانبة للقواعد الدستورية وقواعد اللعبة الديمقراطية. فهل ان الائتلاف سيجانب ايضا تلك القواعد طالما ان هنالك تخوفاً لدى الكيانات السياسية الاخرى او لنقل عدم ثقة لدى تلك الكيانات. ويبقى الامر رهين عقول الحكماء وحبيس قلوب العقلاء. فالوطن العراق والمواطن العراقي ينتظر من ولاة امورنا قادة الكيانات السياسية كل ما هو خير واذا كان هنالك تخوف وعدم ثقة نحو ما يقولون بين الكيانات السياسية فان العباد الساكنين في هذه البلاد كلهم ثقة في تلك الكيانات. والامل ان لا يكون هنالك خذلان لهذه الثقة. ونعود ونقول بالرأي الذي ذكرناه سابقاً ان مجلس الوزراء يجب ان يصدر نظام تحديد آليات عمله ولا يوجد ما يمنع قانوناً ودستوراً من ايلاء القضايا المهمة التي يتولى المجلس النظر فيها بشكل يماثل هذه الاهمية.

*رئيس جمعية الثقافة القانونية العراقية

وكل ذلك طبق للنص الوارد في المصدر المذكور .

المصدر : جريدة الصباح – 29-3-2006