مقالات و محاضرات

 

 

  السياسة البريطانية تجاه الشرق الأوسط فاسدة ولن تتراجع حدة الغضب الإسلامي

 

 

كلير شورت

 

تراكم الأخطاء في العراق وصل إلى مستوى مأساوي

منذ أعوام ليست بالطويلة، اعتدت القول إن قواتنا هي من ضمن الأفضل في العالم في أداء مهام حفظ السلام. فبعد أن تعلمت من دروس الحرب في أيرلندا الشمالية، جاء أداؤها في البوسنة وتيمور الشرقية وسيراليون وفي قيادة قوة حفظ السلام في كابول مثاليا.

وكانت وزارة التنمية الدولية، التي كنت أتولى حقيبتها، توفر بعض التمويل، وعملت القوات بشكل مكنها من التماهي مع الأهالي. وأدلت تلك القوات بدلوها في أعمال الطوارئ وشيّدت نوادي لكرة القدم وشاركت في عدة فعاليات أخرى. وكان السر في النجاح الذي حققته تلك القوات هو أنها عاملت الأهالي باحترام.

ومن ثم وعلى الرغم من كل الخداع الذي انطوت عليه الحرب في العراق، كان من السهل الاعتقاد بأن الحياة في البصرة كانت أفضل حالا بالمقارنة ببغداد، وهو الشعور الذي كان يرجع في جزء منه إلى حقيقة أن قواتنا كانت تعلم كيف تتصرف مع الأهالي. غير أنه لم يعد في وسعنا أن نعيش مع هذا الوهم. لقد جاءت صور التعذيب الذي تعرضت إليه مجموعة من الشباب على أيدي القوات البريطانية وقرار أهل البصرة بعد ذلك برفض أي تواصل مع القوات البريطانية ـ هذان التطوران جاءا ليوضحا أن الأمور لا تسير بالشكل الذي كنا نعتقده. لم يعد بإمكاننا أن نشعر بالفخار ذاته تجاه أداء قواتنا المسلحة. إن خسارة تلك القوات لسمعتها يُضعف من موقفها ويجعلها أكثر تعرضا للهجمات في كل من العراق وأفغانستان.

وبجانب ما رأيناه من سلوك للقوات البريطانية في العراق، شاهدنا أيضا صورا أكثر بذاءة وتنفيرا تؤكد سوء المعاملة التي يتعرض لها المعتقلون في سجن أبو غريب على أيدي القوات الأميركية. وبصرف النظر عن أي شيء آخر فإن ما حدث يدل على أنه لم يكن هناك، منذ اكتشاف تلك الفضيحة في 2004، أي تحقيق مناسب في ما حدث، وأنه لم تتم محاسبة أي شخص في موقع المسؤولية. لقد حدث كل هذا في أسبوع شهد صدور تقرير من الأمم المتحدة يدعو إلى إغلاق معتقل غوانتانامو. وفي ضوء ذلك التقرير، تطالب محاكمنا الحكومة بتوفير مندوبين عن المواطنين البريطانيين المحتجزين في المعتقل.

والدفاع الذي تتبناه الحكومة الأميركية عن معتقل غوانتانامو يتمثل في أن المجرمين المحتجزين هناك هم مجرمو حرب من المفترض من وجهة النظر الأميركية أن يتم احتجازهم في المعتقل طالما أن رحى الحرب دائرة. وأثناء تداول ذلك النقاش عن مدة استمرار حالة الحرب، جاء ضابط بريطاني كبير ليخبرنا أن الحرب على الإرهاب من المحتمل أن تستمر لمدة 50 عاما.

أكاد أبكي من تراكم الأخطاء التي ترتكب ومن جراء أحداث العنف وحمامات الدماء التي من المحتمل أن تتواصل وتنتشر في مختلف أرجاء العالم خلال العقود الكثيرة المقبلة.

والأمور تسير إلى الأسوأ. فقد تم العدول عن حل إقامة الدولتين فيما يتعلق بالصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، وأكد الرجل الذي من المؤكد أنه سيتولى رئاسة الوزراء الإسرائيلية، إيهود أولمرت، أنه سينفذ خطة سلفه أرييل شارون الخاصة باحتواء الشعب الفلسطيني داخل سلسلة من الكانتونات لا تمثل سوى 15% من الأرض التاريخية لفلسطين. وهذا يعني أن الصراع سيتواصل إلى أجل غير مسمى في المستقبل؛ إذ لا يمكن لأي قيادة فلسطينية أن تقبل بمثل تلك التسوية بالإضافة إلى خسارة القدس الشرقية. إن سياسة الشرق الأوسط ستظل فاسدة ولن تتراجع حدة الغضب في العالم الإسلامي.

لقد نشرت مجموعة الأزمات الدولية الأسبوع الماضي دراسة عن حالة التمرد في العراق وخلصت إلى أن تلك الحركة آخذة في ترتيب أوضاعها بشكل منظم وأنها غدت أكثر وعيا بالحاجة إلى عدم إثارة وتغييب الرأي العام العراقي. وأشارت الدراسة إلى أن الثقة في النصر بين أفراد تلك الحركة آخذة في التنامي.

وأوضحت الدراسة أيضا أن العائلات العراقية المتعلمة التي اجتازت المراحل الصعبة الماضية ومنها الحرب العراقية الإيرانية وحرب الخليج الأولى ومرحلة العقوبات وشرور مرحلة صدام حسين ـ تلك العائلات بدأت بالنزوح عن العراق لأن الوضع الحالي أصبح غير محتمل. وفي أفغانستان بدأت حركة طالبان في استعادة مكانتها، والبلاد غارقة في الفوضى وذلك في الوقت الذي تزايدت فيه احتمالية نشوب حرب لا تنتهي في كولومبيا. ويزيد قرار نشر قوات بريطانية في واحد من أكثر بقاع البلاد خطورة ـ هذا القرار يزيد من خطورة تزايد عدد الضحايا بين الجنود في حرب يائسة ليس لها النهاية.

إن السياسة الخارجية البريطانية تمثل جزءاً رئيسيا من المشكلة. ففي الوقت الذي تمس فيه الحاجة إلى تعاون دولي في مواجهة مشكلات الاحتباس الحراري والفقر والزيادة السكانية وفقدان الموارد البيئية، فإننا بدلا من ذلك كله نعاني انقسامات مريرة متنامية وتقويضا لدور الأمم المتحدة والقانون الدولي. لقد أصبح من المألوف أن يقارن الناس بين أخطاء حرب العراق ومغامرة العدوان الثلاثي على مصر في 1956. وإنه ليؤسفني القول إن أخطاء حرب العراق هي أكثر خطورة. وبجانب ذلك كله فإننا نواجه احتمالية وقوع هجوم على إيران بغية منعها من امتلاك قدرات نووية.

وفي الوقت ذاته تعمل هياكلنا الدستورية بشكل سيئ. فخداع البرلمان كان دائما يُنظر إليه باعتباره من أكثر الجرائم التي لا يمكن أن تُغتفر. بيد أنه لم تكن هناك أي محاسبة لما قام به رئيس الوزراء من خداع فيما يتعلق بحرب العراق وذلك في الوقت الذي ينشغل فيه حزب المعارضة الرئيسي في البلاد في محاولة إصلاح علاقته مع إدارة بوش. حزب العمال التقليدي يعيش حالة من اليأس في الوقت الذي تنهار فيها عضويته وفي الوقت الذي جاءت خسارته للانتخابات الفرعية لتحمل علامة تشير إلى ما قد يحدث في المستقبل.

المشكلة تتمثل في أنه لا يوجد ثمة حل في الأفق، ولذلك فإن الشعب آخذ بشكل متزايد في ازدراء المؤسسة السياسية. إن الأمور ستسوء قبل أن تتحسن. لن يكون هناك أي سلام قبل أن تدرك الحكومة الأميركية المستقبلية حجم المشكلة التي تواجهها وقبل أن تتفهم الحاجة إلى تسوية عادلة للصراع في الشرق الأوسط.

أما في بريطانيا، فإننا لن نحصل على ما نحتاجه إلا إذا تشكل لدينا برلمان لا يتمتع فيه أي حزب بغالبية كاملة، الأمر الذي يمكن أن يقودنا إلى تغيير في النظام الانتخابي من أجل وقف تمركز اتخاذ السياسات غير المسؤولة وغير الفعالة في مقر الحكومة في 10 داونينغ ستريت. إن ما نمر به هو حقبة من أيام مظلمة كئيبة، ونحن في حاجة إلى أن نواجه مدى سوء تلك الأيام وذلك من أجل أن نقوم بخطوات من شأنها تصحيح الأوضاع.

*وزيرة بريطانية سابقة

 المصدر : 2006-03-24  UAE- ترجمة: حاتم حسين عن: «اندبندنت»