مـن ْ المـستفـيد في الملف العراقي من أفول نجم ديك تشيني ؟

 

 

ديفيد جي. روثكوبف

 

 

صعود "رايس" وأفول نجم "تشيني"

خلال الفترة الممتدة بين عامي 2001 و2005 ربما فاق تأثير نائب الرئيس ديك تشيني على السياسات الخارجية الأميركية, تأثير أي شخصية أخرى عليها, عدا الرئيس نفسه, منذ تولي هنري كيسنجر لمنصبي مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية, في عهد الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون. يذكر أن دونالد رامسفيلد وزير الدفاع كان شريكاً لتشيني في التغلب على منافسيه الإداريين, في حين كابد كولن باول وزير الخارجية السابق, وأظهر قدراً عالياً من التفاني والولاء في وزارة طالما تجاهلتها إدارة بوش. أما كوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي, التي يقال عنها إنها تتولى تنسيق السياسات سراً, فقد أدت هي الأخرى دوراً في تلقين مبادئ الأمن القومي للرئيس بوش, وقلما دخلت في صِدام أو خلاف مع نائبه ديك تشيني. ولكل هذه الأسباب, فقد كانت لتشيني اليد الطولى في رسم الجزء الغالب من السياسات الخارجية الأميركية, طوال الفترة الممتدة المذكورة في صدر هذا المقال.

غير أن الملاحظ أن سطوة تشيني في هذا المجال قد تراجعت وانحسرت. فقد خسر أحد أكبر وأهم معاونيه فيها "سكوتر ليبي" علاوة على انخفاض شعبيته بوجه عام, وتفكك شبكة أعوانه ومؤيديه داخل الإدارة. وفي الوقت ذاته, تولت رايس زمام الخارجية الأميركية, بينما تراجع دور مجلس الأمن القومي أكثر مما هو عليه أصلاً. والنتيجة هي بروز وجه جديد للسياسة الخارجية الأميركية, أكثر لطفاً وأقل تجهماً, على الرغم من أن وزارة الخارجية كلها, تظل مؤسسة هامشية في ظل إدارة لا تتعدى فيها أية مؤسسة أخرى البيت الأبيض أهمية, مهما كانت.

ومما لاشك فيه أن الرؤساء يحتاجون عادة إلى شخصيات قوية في البيت الأبيض, لها القدرة على التوفيق بين الآراء المتباينة والمتنافسة فيما بينها, إلى جانب الحاجة التي لا غنى عنها, لمختلف الوحدات والإدارات الوزارية. وما لم يتوفر هذان العاملان, فإنه يصعب على الإدارة أن تواجه المشكلات الضاغطة والملحة التي تطرحها السياسات الخارجية, بالكفاءة المطلوبة. وحين يأتي الدور على إدارة بوش الحالية, فما أكثر هذه المشكلات والمصاعب. فهي تتراوح ما بين المباشر منها, على نحو ما تعلنه إيران من تحد سافر لنظام حظر انتشار الأسلحة النووية الدولي, وتلك الأخرى بعيدة المدى, مثل كيفية معالجة العلاقة الاعتمادية مع الصين.

ولكن كان الأسبوع الماضي مؤشراً لبداية عهد جديد من السياسات الخارجية الأميركية, إثر رفع يد ديك تشيني عنها, ورده إلى مباشرة مهام نائب الرئيس التقليدية, و"حمل الوجه القبيح" نيابة عن بوش. وبالفعل فقد استل تشيني السيف الأميركي من غمده ولوح به في وجه إيران, مهدداً ومتوعداً إياها بعواقب وخيمة, إن هي لم تمتثل لإجراءات السلامة الدولية الخاصة بالأسلحة النووية, لتردد "رايس" ما قاله بحذافيره, في وقت متأخر من اليوم ذاته. والملاحظ أن "رايس" تؤدي الآن دور وزيرة خارجية بلادها, أكثر من كونها مستشارة أو مساعدة للرئيس.

وفي الحقيقة فإن في استنزال مبادرات السياسة الخارجية من البيت الأبيض خلال العام الماضي, ما يشكل مفارقة عن الخمسة وثلاثين عاماً الماضية من تاريخ هذه السياسات. ففي غضون تلك الفترة, كانت هناك سيادة لمجلس الأمن القومي في رسم السياسات الخارجية, مهمشاً بذلك وزارة الخارجية, التي ظلت سيدة الوزارات دائماً منذ أن تولى شؤونها "توماس جيفرسون". وكان مجلس الأمن القومي مؤسسة صغيرة هامشية, تضطلع بدور إداري محدود جداً لدى تأسيسها في عام 1947. غير أنها تحولت على يد كل من الرئيس ريتشارد نيكسون ووزير خارجيته كيسنجر, إلى معمل فعلي لصنع ورسم السياسات الخارجية. ومنذ ذلك الوقت, أصبحت مكانة مستشاري الأمن القومي, إما مكافئة أو أعلى من دور وزير الخارجية. أما الذين خلفوا "كيسنجر" في ذلك المنصب, سواء في ذلك برينت سكوكروفت, وزبيجنيو بريجنيسكي, وفرانك كارلوتشي, وساندي بيرجر, أم كولن باول, فلم يتمكنوا من تبوئ مكانتهم المميزة والمرموقة في الوزارة, إلا لأنهم أخذوا بزمام المبادرة فيها.

ولكن شهد عهد الرئيس بوش شيئاً غير مسبوق, إذ اختطفت المسؤولية العليا عن صنع السياسات في البيت الأبيض, بواسطة نائب الرئيس. وبموجب ذلك, أصبح لنائب الرئيس وحده, فريق للأمن القومي, يفوق أفراده عدداً, كافة موظفي مجلس الأمن القومي. وأصبحت لكبير مستشاري نائب الرئيس للأمن القومي لويس "سكوتر ليبي", البروتوكولات والمزايا ذاتها, التي يتمتع بها مستشار الرئيس للأمن القومي. فما الذي تغير إذن؟ أولاً لم يعد الرئيس يعتمد على نائبه, بنفس القدر الذي كان عليه مباشرة في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر. وقتها كان الرئيس بوش لا يزال يتلقى دروسه عن مهام الأمن القومي, بينما كانت البلاد كلها في محنة وخطر. أما اليوم فقد أصبح الرئيس أكثر ثقة وأعمق معرفة وخبرة ودراية بمهام الأمن القومي. ثانياً انخفضت أسهم دونالد رامسفيلد وزير الدفاع, وفقد الكثير من سطوته وشعبيته داخل الإدارة, مع العلم بأنه كان أقوى مؤيدي نائب الرئيس ديك تشيني في ذلك الوقت. واليوم فإن رامسفيلد لم يعد بذاك البريق الذي كانه يوماً ما غداة الغزو العسكري لكل من أفغانستان والعراق.

ثالثاً انصرفت الأنظار تماماً عن " لويس ليبي" بسبب النزاعات القانونية التي خاضها, فيما يتصل بكشفه عن هوية عميلة سرية من عميلات وكالة المخابرات المركزية الأميركية. وما كانت خسارة "ليبي" لمنصبه, إلا واحدة من حلقات تفكيك شبكة "المحافظين الجدد" داخل الإدارة, وهي الشبكة التي كان يعول عليها كثيراً ديك تشيني.

والآن فها هي كوندوليزا رايس تصعد إلى أعلى مقام في السياسة الخارجية للبلاد. ومن حسن الحظ أنها تتمتع بالذكاء والقدرة على الاستماع للآخرين والتحاور معهم, فضلاً عن حسها الدبلوماسي. باختصار فهي نقيض ديك تشيني في كل شيء تقريباً. وفوق ذلك كله, فهي موضع ثقة لدى الرئيس بوش, الذي يستمع إلى ما تقوله ويولي كلمتها ألف حساب واهتمام. وليس من محض الصدفة أن لقيت "رايس" كل هذا الترحيب من قبل حلفاء الولايات المتحدة, الذين عولوا على دورها وشخصيتها في إصلاح ما أفسدته بينهم وبين واشنطن, رعونة السياسات الخارجية الأميركية التي اتبعت خلال الفترة الأولى من رئاسة بوش.

بيد أنه غني عن القول إن الدبلوماسية ليست سوى أداة واحدة فحسب, بين مجموع الأدوات التي تحتاجها أميركا, ما أن يأتي الأمر على ذكر علاقاتها الخارجية مع بقية دول العالم, وخاصة حلفائها. فليست الخارجية الأميركية في وضع يمكنها من تعبئة جهات وهيئات أخرى كثيرة على صلة ببناء علاقات أميركا مع العالم الخارجي, منها وزارة الدفاع ووزارة الخزانة, والمندوب التجاري الأميركي, وغيرها من الجهات والمؤسسات. ولذلك فإنه لا غنى لمجلس الأمن القومي, عن لعب دوره المنوط به, لكونه المكان التقليدي الذي تتوفر فيه كافة الخيارات التي يمكن أن يلجأ إليها الرئيس. وفيما لو قدر لسياساتنا الخارجية أن تقوم بما هو أفضل لإصلاح ما خربته الفترة الأولى من رئاسة بوش, فإن عليها أن تبادر إلى بلورة أهداف وأولويات جديدة, وأن تبتكر من الوسائل والاستراتيجيات ما يمكنها من أداء ذلك الدور.

زميل زائر بمنحة "كارنيجي للسلام الدولي"

و كل ذلك بحسب رأي ديفيد جي. روثكوبف في المصدر المذكور.

المصدر: صحيفة الإتحاد الإماراتية - ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"-26-3-2006