مقالات و محاضرات

 

 

بشرى... ووقت الحشرة!

 

علي الرز*

 

القصة معروفة ومستهلكة لكن لا بأس من تكرارها لانها للمقام الذي تتوجه اليه "حفر وتنزيل".

كان يا ما كان في قديم الزمان مقهى جميل جدا في منطقة غنية، تسلط على رواده بلطجي لئيم حقود متكبر تساعده شلة تفهم على بطشه بالنظرات فقط وتفرض رعبا دائما على الرواد.

وذات يوم دخلت الى المقهى مجموعة اخرى لا تقل بطشا عن الاولى، احتلته واغلقت ابوابه ووضعت الرواد جميعا في غرفة ثم تفرغت لرئيس العصابة الذي كان يحمل بشكل دائم مسدسا على خصره وطوقته.

قال كبير مساعدي البلطجي له:"سيدي، استخدم مسدسك" فرد عليه:" لا تخف فانا ساستخدمه وقت الحشرة"، ثم بدأت المجموعة بنهب الطاولات والكراسي، فكرر كبير المساعدين الرجاء:"سيدي، استخدم مسدسك" فرد عليه مكررا انه يوفره ل"وقت الحشرة". كرر "الشباب" سرقة المال والمحتويات وكرر المساعد طلبه وكرر البلطجي رده... وقبل ان تغادر المجموعة المكان بعد تحطيمه وسرقته اقترب بعض افرادها من البلطجي ومساعده واخذوهما الى ركن جانبي للتحرش الجسدي والاعتداء، فطلب المساعد للمرة الاخيرة ان يستخدم البلطجي مسدسه فرد عليه بانه يوفره لوقت الحشرة لكن المساعد الذي كان يهاب معلمه لم يتمالك نفسه من الصراخ "والشباب" يحشرونه في زاوية: "وهل هناك حشرة اكثر من التي نحن فيها الآن؟".

من اعاد هذه القصة الى الذاكرة هو المحامية اللبنانية "المناضلة" بشرى خليل المعروفة بعلاقاتها الجيدة مع النظام العراقي السابق واحدى المدافعات عن صدام حسين ورفاقه في مذبحة الدجيل. تقول بشرى نقلا عن "المتهم" طه ياسين رمضان الذي كان مع صدام في احد مخابيء ضاحية الاعظمية في بغداد ما يلي:"في التاسع من ابريل2003، تسلح صدام بقاذف مضاد للدروع ورشاش حربي وودعني كاشفا عن نيته مواجهة الدبابات الاميركية بهدف الاستشهاد بنيران الجنود الاميركيين فمنعته حينها من الاقدام على الانتحار بهذه الطريقة لافتا الى ان البلد بحاجة لنا وليس نحن من ينتحر خصوصا ان  لم ينته عند سقوط بغداد... فتراجع حينها صدام عن قراره وافترقنا بعد ذلك التاريخ ولم نلتق سوى في المحاكمة".

و"يكشف" رمضان لبشرى انه هو ايضا حاول الانتحار بعد ان اقتحمت قوات امنية خاصة المنزل الذي كان يختبىء به. قائلا: "لحظة تصويب المسدس الى رأسي انقضوا على ابني وهددوا بذبحه في حال حاولت الانتحار".

بعد كل ما جرى وهو معروف ومكشوف للجميع، كان صدام حسين يريد المواجهة والقتال و"الاستشهاد" في ساحات الوغى دفاعا عن وطنه لكن طه ياسين رمضان اثناه عن ذلك، وكان رمضان نفسه يريد الانتحار لكنهم هددوه بذبح ابنه ان هو فعل ذلك فاضطر للاستسلام كي لا يخسر الولد بعد الولد.

الرواية الاخرى التي رواها رمضان نفسه لمعتقليه الاكراد (بالصوت والصورة) انه كان متنكرا بزي بدوي ومختبئا في منزل اصدقاء له في الموصل، عندما دق جرس المنزل ودخل المسلحون البشمركة بسرعة لاعتقاله فجرى هاربا في اتجاه غرفة النوم لكنه وجد من نافذتها ان البيت مطوق فصرخ:"خيانة، خيانة" ثم استسلم للمقتحمين... من دون اي ذكر للولد او محاولة الانتحار.

اما بالنسبة الى صدام فتكفي العودة الى المقابلة الشهيرة لابنته رغد قبل اكثر من سنتين في قناة "العربية" حين ذكرت ان والدها كان مهتما بالدرجة الاولى بتأمين هربها مع افراد اسرتها، وعندما غادرت منزلها مع السائق الذي ارسله والدها لمحت من زجاج السيارة – ودائما وهي في طريق الهرب- جنديا يحاول الاختباء، فهاجمته خلال المقابلة في معرض حديثها عن "خيانات".

الرئيس يختفي في حفرة ونائبه في منزل احد اصدقائه وعائلة الرئيس اول من يهرب والوزراء والرفاق والمسؤولين يستسلمون او يسالمون او يعتقلون من دون مواجهات... ثم تصبح "الخيانة" سبب سقوط بغداد، ويكشف رمضان ل"المناضلة" اللبنانية المحامية بشرى خليل ان صدام كان سيواجه بقاذف مضاد للدروع ورشاش حربي وهو كان سينتحر لكنهما اجلا ذلك ... لوقت الحشرة!

اسوأ ما في قصة "المواجهة والانتحار" ان بعض العرب ستدمع عيناه عندما يقرأ كلمات الخليل...

و كل ذلك بحسب رأي علي الرز في المصدر المذكور.

المصدر: الرأي العام الكويتية-26-3-2006