مقالات و محاضرات

 

 

شراكة أميركا والهند: جراحة دقيقة في ملف شائك

 

 

هنري كيسنجر

 

نقلت زيارة الرئيس جورج بوش إلى الهند العلاقات بين البلدين إلى مستوى لم يسبق له مثيل في التعاون. ولذلك يجب أن يدور الحوار الداخلي حول النتائج بما فيها قضية التعاون النووي ضمن سياق ما ستقدمه هذه الشراكة من مساهمة في السلام والرخاء العالميين. وإنه لمن الغريب أن تأخذ هذه العلاقة كل هذا الوقت كي تتطور. فكلا البلدين ديمقراطيان، والإنجليزية هي اللغة الرسمية للهند والفئات المتعلمة تستخدمها بفصاحة ثرية. إضافة إلى تمتع البيروقراطية الهندية بتدريب وكفاءة عاليتين على الرغم من حركتها البطيئة.

مع ذلك، وحتى سنوات متأخرة ظلت العلاقات بين أكبر دولتين ديمقراطيتين حذرة. إنه من المهم فهم الأسباب إذا كان على الآصرة الجديدة أن تستفيد من الفرصة التي توفرت أمامها. وفي المقابل، وإذا ما كان للشراكة التي برزت للتو بين البلدين أن تزدهر، فيجب عليهما أن يفهما الأسباب التي قربتهما معا خارج الأطر الاقليمية الخاصة بهما، فيما يجب لتحليل كهذا ألا ينظر إليه باعتباره جزءا من خلاف حول إمكانية نشر الديمقراطية، وإنما كتقييم لشراكة في طور البروز من أجل أن يساعد ذلك على تطوير عناصرها المتناظرة وتعميق أهدافها المشتركة وتعريف حدودها.

يظن الأميركيون أن بلدهم شبيه بـ«المدينة المشرقة الساكنة فوق هضبة»؛ ويُنظر إلى مؤسساتها باعتبارها فريدة وصالحة لبقية بلدان العالم باعتبارها ضمانا لسلام عالمي دائم. وظل المتحمسون للديمقراطية غير مباشرين في حديثهم عن التفكير السياسي الأميركي ومباشرين بما يخص السياسة الأميركية منذ وودرو ويلسون، وخصوصا في فترة إدارة جورج بوش الحالية، فيما لا ينظر الهنود بهذه الطريقة إلى دورهم العالمي. فالمجتمع الهندوسي يرى نفسه أيضا فريدا لكنه مختلف كثيرا عن المجتمع الأميركي. فالديمقراطية لا ينظر إليها باعتبارها تعبيرا عن الثقافة الهندية بل كتكييف عملي. فالهند تسعى لتحقيق هامش من الأمن يساعد على تحقيق ازدهار ثقافتها وقومياتها المتعددة اللغات كي تعمل معا من أجل تحقيق أهداف عملية. وهذا ما أنتج مستويات مختلفة من المشاركة الهندية في القضايا الدولية.

غالبا ما يتم تبرير السياسة الأميركية الخاصة بالهند باعتبارها وسيلة لاحتواء الصين. لكن كلا البلدين وجدا أن من مصلحتهما الاحتفاظ بعلاقة بناءة مع الصين. إضافة إلى ضمان الاستفادة من المساهمة الهندية في بناء النظام العالمي الجديدة وفق استراتيجية أميركا العالمية. لكن الهند لن تقبل أن تكون عازلا واقيا لأميركا في علاقتها مع الصين وسترفض أي مساع لاستخدامها لتلعب دورا كهذا. فالهند تسعى لأن تلعب دورا يتناسب مع ثقلها الاقتصادي والسياسي والاستراتيجي. لذلك فهناك مخاوف كبيرة حول ميانمار وبنغلادش أكثر مما هو الحال مع فيتنام أو ماليزيا. وتعي الهند بشكل جيد أن مستقبل جنوب شرقي آسيا سيتقرر من خلال علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع الصين واميركا واليابان. لذلك يجب أن يكون التعاون بين دول جنوب شرقي آسيا أساسا للمصلحة المشتركة التي تجمعها معا. وأي مساع لفرض الهيمنة ستؤول على الأغلب إلى ضغوط معاكسة. وهنا يمكن للمصالح الأميركية ـ الهندية أن تكون متطابقة.

وفي المنطقة المحصورة بين بومباي واليمن تتماثل المصالح الهندية والأميركية تقريبا في الحاق هزيمة بالتطرف الإسلامي. وحتى الحادي عشر من سبتمبر كان الحكم في العالم الاسلامي الى حد كبير بأيدي الأوتوقراطيين. واستخدم زعماء الهند حركة عدم الانحياز لتهدئة أقليتهم المسلمة عبر التعاون مع الدول الاسلامية الأوتوقراطية. وكان جمال عبد الناصر يتمتع على الدوام، في ذروة مجابهته مع الغرب، بعلاقة وثيقة مع نهرو وخلفائه.

ولم يعد ذلك الشرط سائدا. فالزعماء الهنود يرون الاسلام الأصولي المدعوم من جانب دول الشرق الأوسط التي تمول المدارس الدينية يصل الى شبه القارة. وهم يعرفون ان الجهاد الأصولي يسعى الى دفع الأقليات الاسلامية الى التطرف عبر تقويض المجتمعات العلمانية من خلال أعمال الارهاب، مثلما أدركوا انه ما ان ينتشر هذا التجلي للاضطراب العالمي، بل وإذا ما نجح، فالهند ستعاني آجلا أم عاجلا من هجمات مماثلة. وبذلك المعنى فانه حتى لو أن الهند كانت قد فضلت بعض ميادين المعارك الأخرى فان حصيلة الصراع الأميركي ضد الارهاب تعني أمن الهند البعيد المدى بشكل أساسي. فأميركا تخوض بعض معارك الهند، وللبلدين أهداف متماثلة حتى حينما تختلف أساليبهما.

وقد ظهر التقاء المصالح الجيوسياسية أيضا. فقد كانت الهند قادرة على تبني دور الموازن أثناء الحرب الباردة لأن الصراع بين أميركا والاتحاد السوفييتي كان يهدد الهند بصورة غير مباشرة ليس الا. فإما أن تتعامل الولايات المتحدة مع التحدي او انها ستفشل. ويمكن أن يكون اسهام الهند هامشيا، ويمكن ان تكون محاولة الاصطفاف مع أميركا مثيرة لعداء القوة العظمى الأخرى التي لا تبعد عنها الا بمئات الأميال، والتي يمكن ان تدعم باكستان وهو ما كان، بل وما يزال الى حد كبير، هاجس الهند الأمني. كما ان الهند كانت تعتمد على الاتحاد السوفييتي في التجهيزات العسكرية.

ولكن في الفترة الحالية لم تعد روسيا قوة عظمى ولا خصما لأميركا. وبرزت الصين كلاعب جيوسياسي كبير ومتنام وتتمتع بصلات واسعة مع أميركا، خصوصا في الميدان الاقتصادي. وبظهور اليابان بقوة اكبر كحليف للولايات المتحدة فان موقف الهند الانعزالي في فترة الحرب الباردة، ومواقف حزب المؤتمر الهندي، تجاه واشنطن انطوت على خطر العزلة الهندية في التشكيلة الجديدة للقوة والنفوذ في العالم لتجيء العولمة كمحفز للتعاون بآفاقها المعروفة. وبينما لا تعتبر الديمقراطية هي التي جمعت بين البلدين، فمن المؤكد أنها ستيسر قابليتهما على تطوير العلاقة. ويمكن لقمة واحدة ان تحدد المهمة، فيما يتحتم النظر للعلاقات مع باكستان كقضية خاصة.

من هنا يتعين النظر الى التعاون النووي مع الهند في ضوء هذه المبادئ. ففي عام 1998 عارضت فرض عقوبات على الهند بسبب اختباراتها النووية، مشيرا الى انه ينبغي التعامل مع الهند كبلد نووي بات تقدمة في الميدان النووي امرا لا يمكن الوقوف ضده. وفي مثل هذا السياق يعتبر التعاون النووي مع الهند امرا مناسبا. ولكن هناك حاجة الى تعهد هندي واضح بعدم نشر المواد النووية الى بلدان أخرى، مثلما تتعهد الولايات المتحدة نفسها. ويتعين ان يتجنب نطاق التعاون النووي الخطاب وواقع سباق التسلح النووي الذي يمكن ان تقع فيه الصين تحت اغراء دعم البرامج النووية في ايران وباكستان في اطار الموازنة. ويجب أن يكون الهدف آسيا بين هيمنة غير مقبولة من جانب أية قوة وسباق تسلح يكرر في آسيا مآسي اوروبا بأسلحة اكثر فتكا وبعواقب أعظم.

و كل ذلك بحسب رأي هنري كيسنجر في المصدر المذكور.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-* خدمة «تريبيونميديا سيرفيس» - 25-3-2006