مقالات و محاضرات

 

 

 

لماذا يبقى العراق يستحق الجهد؟

 

 

فريد زكريا

ترجمة عادل حمود

 

انقضت في الاسبوع الماضي ثلاثة اعوام كنت أراقب خلالها اجتياح العراق بقلق . لقد أيدت التدخل العسكري للتخلص من طغيان صدام ، ولكني ايضاً راعني الأسلوب البدائي اللامدروس الاحادي الجانب الذي تناولت به ادارة بوش المسألة .

ولقد انتقدت في الاسابيع الاولى التي تلت الاجتياح العديد من قرارات تلك الادارة , وبالذات قرار قيامها بعملية الاجتياح بقوات قليلة وتفكيك الهياكل الحكومية العراقية ، ومن ضمنها الوظائف الادارية والجيش . وقد ظل انتقادي يتنامى على مدى الثمانية عشر شهراً التي أعقبت الاجتياح ، وهي الفترة التي عكست صورة محزنة لضعف الامريكيين وعدم كفاءتهم . ولكن على الرغم من كل هواجسي المتعلقة بالطريقة التي تعاملت بها الادارة مع هذه السياسة , لم أجد نفسي قادراً على الانضمام الى التظاهرات المعادية للحرب . كما أني لست مقتنعاً أبداً بأن العراق قضية ميئوس منها وينبغي التخلي عنها .

دعنا نتذكر انه في عام 2002 وبدايات عام 2003 كانت سياسة الولايات المتحدة تجاه العراق في طريقها للانهيار. فنظام العقوبات كان يفقد فعاليته ضد صدام حسين ، الذي أخذ يحسن الخداع والتهريب , كما كان في الوقت نفسه يدفع بالشعب العراقي إلى الفقر . وكانت عمليات الاستطلاع ومهام القصف المنتظمة في العراق تشن من خلال مناطق " حظر الطيران" , الامر الذي تطلب وجوداً امريكياً وبريطانياً كبيراً في السعودية وتركيا . وقد كانت تلك الظروف تغذي شعوراً سيئاً معادياً للولايات المتحدة في العالم الاسلامي .

وفي الفتوى التي اصدرها اسامة بن لادن في عام 1998 كان اول اتهامين وجههما إلى الولايات المتحدة هما انها تحتل المملكة العربية السعودية وتجوع النساء والاطفال العراقيين ، وجاءت القضية الفلسطينية في المرتبة الثالثة بعد هذين الإتهامين . وخلال ذلك كان لصدام تاريخ امتداده ثلاثين سنة في محاولة صنع اسلحة نووية وكيميائية وبايولوجية .

الحقيقة الاخرى التي برزت في عام 2003 هي ان الامم المتحدة والمجتمع الدولي طورا آلية فعالة إلى حد معقول للتدخل في بلدان مثل العراق . وقد نشرت مؤسسة راند دراسة مستفيضة قبل الاجتياح مباشرة أشارت فيها إلى ان الدرس الاساسي الذي استقيناه من فترة التسعينات هو اننا لو تدخلنا بقطعات قليلة (كالحالة في هاييتي والصومال) فسوف تعم الفوضى , ولكن إذا ما تدخلنا بقوة كبيرة ( كما في البوسنة وكوسوفو وتيمور الشرقية ) فان احتمال النجاح يكون أرجح .

ولننظر إلى ما فعلته الادارة الأميركية في افغانستان . لقد تحالفت مع القوى المحلية على الارض لكي يمكن المحافظة على النظام كما قامت بتدعيم الهياكل التقليدية للسطة والحكم في البلد , اي انها أقرت بحقيقة وجود أمراء الحرب كواقع في حين راحت تعمل ببطء وهدوء من اجل اضعافهم . ومن اجل تفادي الإصطدام بالرؤية المعادية للامركة فقد نقل الجيش العملية السياسية الى الامم المتحدة مباشرة بعد سقوط كابول. ولقد نسي معظم الناس ان الامم المتحدة هي التي انشأت التجمع الذي اختار حامد كرزاي رئيساً للدولة . كذلك أناطت الامم المتحدة بحلف الناتو والاتحاد الاوربي دوراً ريادياً بارزاً في البلد ومنحتهما سلطة حقيقية , الامر الذي قادهما الى تقبل العبء والمشاركة به . وقد انفق الاتحاد الاوربي في افغانستان اكثر مما انفقت الولايات المتحدة .

أما العراق فقد تحول الى ملعب لكل انواع النظريات الايديولوجية التي تكونت لدى ادارة بوش بشأن الشرق الاوسط والديمقراطية والامم المتحدة وادارة الرئيس كلينتون . كذلك أصبح العراق ملعباً لسلسلة من المنازعات المهلكة على المناطق والحدود والمعارك السياسية بين مختلف الوزارات وصناع السياسة في تلك الادارة . ولقد أمكن التغلب على قدر كبير من الفوضى والاضطراب في واشنطن , ولكن الفوضى في العراق اثبتت انها اقسى من أن يمكن التغلب عليها . ذلك أن تفكيك أي نظام اجتماعي سياسي مضت على قيامه فترة طويلة أسهل بكثير من إعادته من جديد . فلماذا لم افقد الامل ؟ الجواب على ذلك يكمن جزئياً في أنني زرت العراق والتقيت بالناس المنهمكين في الصراع هناك من اجل بناء بلدهم ، وأنا لا أستطيع ان ارغم نفسي على التخلي عنهم . العراق لا يمتلك رجلاً مثل نيلسون مانديلا , لكن العديد من قادته اظهروا صبراً وشجاعة وحنكة في الحكم مشهوداً لها. واذا اخذنا بنظر الاعتبار سلطة وحكمة آية الله العظمى السيد علي السيستاني , او الدور الفاعل الواسع الافق الذي يقوم به الاكراد او الدعوات المستمرة للعلمانية والتسامح التي يطلقها رجال مثل أياد علاوي , فاننا سنرى ساسة أشداء يتبارون ويتسابقون للوصول إلى سدة السلطة في بغداد ، ولكن ما أن ترتفع حدة التهديد ويسفر العنف ويتصاعد ، وما أن يجدوا أنفسهم يواجهون الهاوية ، حتى نرى منهم ومضات قيادية.لاشك أن تكاليف الاجتياح قد فاقت المنافع المتأتية منه بكثير، ولكن هل سيصح هذا القول على المدى البعيد عندما ننظر بتمعن الى التاريخ ؟ فاذا ما ظهرت بعد انتهاء الفوضى سياسة عراقية من نوع جديد ومختلف فان المنطقة بأكملها ستشهد تغيراً . بل أن بوسع المرء رؤية شيء من هذا القبيل حتى في هذه اللحظة رغم العنف والإضطراب ، فالنظام القديم في العراق كان قائماً على الخوف والرعب. كانت هنالك مجموعة واحدة تهيمن على البلد مضطهدة الاخرين . اما الان فأن ممثلي المجتمعات الثلاثة , السنية والشيعية والكردية , يجلسون معاً على منضدة واحدة محاولين التوصل إلى اتفاق قابل للتطبيق يمكنهم جميعاً العيش من خلاله.هذه الصراعات الطائفية من اجل السلطة يمكن ان تسفر عن فوضى عارمة بحيث تستفيد الفئات التي تنهج منهج العنف من اي تصدع او انشقاق . لكن هذا الأمر محتم ولا مفر منه  في بلد يعاني من انقسامات وخلافات حقيقية . ربما كان العراق يتعثر وهو يمضي في طريقه صوب بناء أمة من خلال التوافق لا من خلال البطش الوحشي ، ولكنه بهذا يضرب المثل لمنطقة الشرق الاوسط.

و كل ذلك بحسب رأي فرد زكريا في المصدر المذكور.

المصدر: جريدة الصباح نقلا عن صحيفة واشنطن بوست-25-3-2006