الدولة الدينية في العراق.. احتمال غير محتمل

 

 

هاني فحص

 

إذا كان الجواب السهل في شأن أي مشكلة من شأنه ان يعقدها معرفياً وعملياً، فإن السؤال السهل أشد ضرراً لأنه يغري بالجواب السهل. وفي السياسة العربية تتوالد الاسئلة السهلة كالفطر، مع كل منعطف دولي او اقليمي او وطني، ومنها السؤال المتكرر عن التوجه الى اقامة دولة دينية في العراق، والذي انطلق بقوة مع الاحتلال الأميركي للعراق، ثم تراجع قليلاً ليعود فيطرح بالحاح في الاسابيع الاخيرة.

والسبب هو ما ظهر من نفوذ ايراني في العراق، لم يكن معدوماً في يوم من الأيام. لكن الفشل الاميركي المتفاقم ادى الى توسعه وبروز حجمه وتأثيره السياسي بشكل غير مسبوق، ومن ضمن قدرة ايران ورغبتها في استخدام مصادر قوة اضافية من اجل حماية مشروعها النووي، امتداداً الى تصليب اوضاع اصدقائها وحلفائها في المنطقة بدءاً من العراق مروراً بسورية مع تركيز ملحوظ على لبنان وانتهاء بفلسطين.

وهنا يجدر التذكير بأن كثيرين ممن لهم ومعرفة بالعراق، حاولوا الاجابة عن هذا السؤال بعد احتلال العراق من خلال التنبيه الى امور منها، ان هذا الطرح لا يأتي من جهة السنة العرب، لأن التيار الاسلامي الحركي المعتدل منهم (الحزب الاسلامي) ليس مهيئاً لأسباب تاريخية لذلك، اضافة الى انه مرتبط بمرجعيته الدولية «الاخوان المسلمون»، الذين لم يصل التبسيط لديهم الى حد اعطاء الاولوية لهذا الامر على ساحة كان تأثيرهم فيها الى ما قبل الاحتلال ثانوياً، في حين ان مشاركتهم في معارضة الاحتلال والانخراط في العملية السياسية من شأنه ان يعطيهم فرصة على المدى الطويل. فيما المتطرفون من السنة العرب فهم خليط بعثي اسلاموي، عراقي عربي، والخلافات بين فصائلهم ليست قليلة، وصدقيتهم السياسية لدى الجمهور السني ضعيفة، وإن كان هناك من يتعاطف معهم من السنة، فإن هؤلاء يفرقون بين المقاومة والارهاب الذي يضمن بياناته خطاباً سياسياً اقرب الى الشعارات المجردة منه الى الوقائع المحتملة.

اما الاسلاميون الأكراد فإن المعتدلين منهم دخلوا في العملية السياسية. واذا كان لا بد من ان يتوجهوا، مع غيرهم من الاسلاميين السنة، الى الهدف الاخير وهو الدولة الاسلامية، فإنهم يدركون مصاعب طرح الشعار، ولذلك فضلوا الانخراط في العملية السياسية (خمسة مقاعد في الجمعية الوطنية). فيما المتطرفون من الاسلاميين الاكراد، كغيرهم من المتطرفين الآخرين، وان كانت في صفوفهم اشكاليات تأتي من الخصوصية الكردية، ومن ترسخ الانتماء القومي المشوب بالعلمانية في الاوساط الكردية عموماً. وهم، وغيرهم من الاكراد، يأخذون في اعتبارهم ان هناك تربصاً تركياً بأي مسعى او توجه كردي نحو مشروع دولة كردية ناجزة، اياً تكن هويتها الفكرية، لأن ذلك بداية مشروع تقويض وحدة تركيا.

اذن يذهب الكلام عن الدولة الدينية في العراق في اتجاه الشيعة لأكثر من سبب، من بينها علاقتهم بالشيعة في ايران، مذهبياً وجغرافياً وتاريخياً. وبما ان في ايران دولة دينية الآن، فلا بد من التأثير على العراق، من دون أن يلتفت احد هنا الى ان الدولة في ايران ليست دينية بالمعنى الثيوقراطي، بل دولة حديثة يحكمها رجال الدين على اساس من التداخل بين الشريعة الاسلامية في المجال الدستوري وبين الدولة المدنية الحديثة (الانتخابات وفصل السلطات الخ).

ولا يعدم طارحو السؤال ربطاً اضافياً بين ايران والعراق الراهن، يأتي من كون المعارضة الشيعية في كثير من قواعدها وكوادرها وقياداتها، الحزبية والمستقلة، توجهت الى ايران تحت ضغط النظام السابق، والمفروض ان هؤلاء، من بقي منهم في ايران ومن لم يبق، تاثروا بالتجربة الايرانية، خصوصاً ان الجميع أتوا في شكل او آخر من حزب الدعوة المتأثر خصوصاً بـ»الاخوان المسلمين» وأفكارهم بالنسبة الى الدولة الدينية (الاسلام هو الحل). وهذا الكلام يصدق على كثيرين من الاسلاميين الشيعة الذين لجأوا الى ايران وشارك بعضهم في حرب الخليج الاولى في الصف الايراني، ثم غادروا مبكراً الى دول اوروبية، حيث تغرب بعضهم وتحول الى الخط الليبرالي محافظاً على التزامه الديني، وبقي اكثرهم على اسلاميتهم السياسية. لكن الاهم في هذا كله ان الجميع تقريباً، بسبب التجربة الايرانية والانفتاح على الفكر والحياة الغربية والمراجعات الفكرية وتعقيدات العمل الحزبي (بمن فيهم القسم الذي بقي من حزب الدعوة)، طووا صفحة مشروع اقامة الدولة الدينية التي بقي اسمها يتردد على ألسنة بعضهم غيرة من ايران ومن دون تدقيق، أو حنيناً للماضي. وفي حين ان الحوزة النجفية لم تكن مرة منسجمة فقهياً مع ولاية الفقيه، فإنها لا تستطيع ان تمنع الأساتذة وتلاميذهم الشباب من الكلام على دور الشرع في بناء الدولة والمجتمع بما يقترب نظرياً من مشروع الدولة الدينية من دون ان يحمله أو ينظر له، وهذا يأتي من الانغماس اليومي في الأحكام ومن حرمان طويل وقاس من ممارسة الحرية الدينية في العهود السابقة، ومن رغبة دفينة وبشرية عامة بالسلطة، ومن قسوة تجربة التحديث العلمانية التي مر بها العراق وغيره، ودفعت حتى المعتدلين الى الاعتصام بالموروث خوفاً من المستحدث.

والأشد دلالة في هذا المجال ما لاحظه المراقبون في الأسابيع الأولى على التغيير الذي حصل في العراق، أي عودة المرحوم السيد محمد باقر الحكيم من طهران، محملاً بذكريات العضوية في حزب الدعوة في سنواته الأولى، والذي خرج منه مع بعض اخوته بتوجيه من والدهم المرجع الديني السيد محسن الحكيم، الذي كان يقود المعارضة على أساس وطني عراقي وعلى أساس جور السلطة أو انحرافها ومن اجل العدل والإصلاح والمساواة، ومن دون عداء لحزب الدعوة. ومعروف ان الحكيم وصل الى العراق وهو زعيم (سياسي وديني) لـ المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق الذي تأسس في ايران بدعم من دولتها وبالتفاهم بينها وبين سائر القيادات الإسلامية الشيعية التي انتقلت الى طهران بعدما شدد النظام العراقي الحصار عليها في الثمانينات. وصل الحكيم وخاطب الجماهير الحاشدة في البصرة والنجف. وفيما كان بعضهم يتوقع ان يشير الى رغبته في دولة دينية على غرار الدولة الإيرانية، فإنه دعا الى دولة تعددية ديموقراطية تحترم الإسلام والأديان... وهذا كلام لا يستطيع أي ليبرالي او أي علماني عاقل وواقعي ان يرى فيه سلبية. كما كان لافتاً ان يقدم المجلس الأعلى الدكتور عادل عبدالمهدي مرشحاً له الى منصب رئاسة الوزراء بعد توليه نيابة رئاسة الجمهورية في الفترة الانتقالية، وهو الترشيح الذي ردت عليه بعض الأطراف (حزب الدعوة) بشكل غير رسمي بالقول ان عبدالمهدي ليس له ماض اسلامي بعيد، وأنه أقرب الى الليبرالية وصديق الليبراليين والأكراد والرئيس جلال طالباني وحريص على علاقات عربية موزونة وعميقة ووثيقة.

إذن من يريد دولة دينية في العراق حتى يردد كثيرون من العلمانيين القدامى هذا السؤال وكأنه واقعة ناجزة، تغطية لتقصيرهم في بلورة تيار وطني ديموقراطي مدني لا يعادي الإسلام على مستوى العراق؟

ولا يدور في خلد أحد من موجهي السؤال هذا شيء عن تعقيدات العراق، الذي لا يماثل وضع السنة فيه وضعهم في ايران لجهة العدد والتاريخ والشراكة والعمق العربي الذي لا بد ان يحميهم عندما يحتمون به من دولة دينية مذهبية، في حين ان احتمال الشراكة في دولة إسلامية غير مذهبية امر شبه مستحيل لأكثر من سبب نظري وعملي. وعليه لن يكون على السنة إلا ان يعارضوا الدولة الدينية الشيعية في العراق بدولة دينية سنية. وهذا تبسيط شديد لواقع اشد تعقيداً من كل الذرائع التي تستخدم لإعاقة المشاركة في مشروع وطني عراقي تعددي على اساس الوحدة أو وحدوي على اساس التعدد. وإذا كان الماضي التيوقراطي المنقضي في الرؤية واللغة العراقيتين والمتسرب بعضه عفوياً الى لغة الخطاب السياسي الجديد، فإننا نعرف ان روما قبل البابوية شيء وبعدها شيء آخر، وأن «حزب الله» في لبنان، وبعض جذوره من حزب الدعوة، كان يتردد في بعض أوساطه شعار الدولة الدينية كحلم مبسط. وبعد المقاومة وضروراتها الوطنية وبعد الدخول في الدولة اللبنانية أصبح التراث الحزبي من التعقيد والأهمية بحيث لا يحميه إلا مشروع وطني لبناني تعددي، فحضر الخطاب الوطني وغاب الخطاب الديني إلا في حدود الانتماء لنظام افكار وقيم إسلامية تتداخل مع السياسة من دون ان تصبح سياسة حصراً.

العراق الموحد، المتوتر او المستقر، عمق لايران ورقم اساس في معادلتها الوطنية والدولية والاقليمية. ووحدته لا تستقيم ولا تمكن مع الدولة الدينية المجبرة على ان تكون مذهبية، لأنها ان لم تكن مذهبية فلن تكون. والعراق المجزء الى كيانات (سني وشيعي وكردي مع احتمالات اخرى) هو مشكلة لايران بصرف النظر عن أي عراق تختار، سواء العراق الشيعي أو الشيعي - السني او الشيعي - الكردي.

هذه الاحتمالات كلها تعني ان العراق، اذا لم يدقق في مستقبله وكانت الحماسة وحدها رائدة القائمين عليه، سيتحول عبئاً باهظاً على ايران وكل اطراف الجوار العراقي. وهنا تمسي الشراكة العربية – الاسلامية هي الضمانة للجميع (من العراق الى ايران الى تركيا الى سورية والاردن ودول الخليج، أي دول الطوق والعمق) من تسرب الحال العراقية بتداعياتها عليهم، شرط ان يتحول هذا الطوق، بوعي كامل وسعي حثيث مخلص وجماعي يحمي العراق والاطواق والاعماق.

الدولة الدينية الشيعية في العراق، كما هو متصور خصوصاً لدى اطراف خائفة منه كاحتمال حقيقي او متوهم او مفتعل، هو احتمال يولد السؤال السهل ويغري بالجواب السهل نفياً او اثباتاً. ومقدمة الجواب على السؤال الحقيقي هو ان نكف عن الاستسهال، كما استسهلنا مشروع الدولة التقدمية والاشتراكية والوحدة ومواجهة الصهيونية.

*كاتب لبناني

و كل ذلك بحسب رأي هاني فحص في المصدر المذكور.

المصدر: الحياة اللندنية-23-3-2006