القوة الناعمة والعلاقات الأميركية الروسية !

 

 

ايغور زيفيليف* و كيريل غليبوف**

 

 

اقتربت إدارة الرئيس بوش من إعادة صياغة استراتيجيتها تجاه روسيا وذكر التقرير الصادر عن مجلس العلاقات الخارجية الأميركي في السابع من شهر مارس الجاري أن العلاقات الأميركية الروسية تتحرك في الاتجاه الخاطيء بعد مرور 15 عاما على سقوط الاتحاد السوفيتي بسبب تركيز الرئيس الأميركي جورج بوش على دعم الديمقراطية وقمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لها. ولا يتوقع عدد كبير من المحللين السياسيين حدوث أي تقدم ملموس من قبل الرئيس بوتين إزاء هذه القضية إذا لم تتخذ الإدارة الأميركية موقفاً قويا لدعم جهود نشر الديمقراطية وجعلها مكوناً أساسياً من مكونات سياستها تجاه روسيا. ولكن من غير الواقعي أن نعتقد بأن الديمقراطية الروسية وحقوق الإنسان والحريات المدنية سوف تتحسن إذا مارست الولايات المتحدة بعض الضغوط على القيادة الروسية ويدرك معظم المراقبين أن الشعب الروسي فقط هو الذي يستطيع تغيير النظام السياسي الداخلي في روسيا وهناك اعتقاد خاطىء بأن الولايات المتحدة قد تدفع المواطنين الروس إلى القيام بهذا الأمر وبنظرة واقعية، يمكن القول إن الجهود الأميركية لتشجيع الممارسة الديمقراطية في روسيا قد تنجح فقط إذا استخدمت الولايات المتحدة في علاقاتها مع روسيا سياسة القوة الناعمة والتي عرفها جوزيف ناي بأنها القدرة على الحصول على ما تريده عبر الاحتواء والاستقطاب وليس من خلال الضغط والإكراه ومنذ سقوط الاتحاد السوفيتي، وضعت الولايات المتحدة برنامج وقواعد اللعبة في عدد كبير من المعاملات مع روسيا بيد أن واشنطن لم تثبت قوتها في التأثير على التوجهات والرغبات والأفكار الروسية تجاه عدد كبير من القضايا المحورية في العالم والتي تختلف بشكل كبير مع أفكار وتوجهات القيادة الأميركية وعلى العكس من دول أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية ودول وسط أوروبا بعد الحرب الباردة، شككت روسيا في التأكيدات الأميركية المألوفة على أن الولايات المتحدة هى الدولة التي كسبت هذه الحروب وينظر الروس إلى التقدم الأميركي على أنه حقيقة مؤلمة، ولكنه ليس مصدراً للسلطة الشرعية ولم تنجح الولايات المتحدة في تحويل قوتها الصلبة إلى قوة ناعمة في علاقاتها مع روسيا وفي هذا السياق، فإن أي محاولة لتشجيع عملية دفع الممارسة الديمقراطية في روسيا يمكن أن ينظر له على أساس أنها أداة أخرى للسيطرة من خلال مساعدة الزعماء الموالين للغرب على الوصول للسلطة أو استخدامهم ببساطة كأداة لإضعاف روسيا وهذه ليست وجهة نظر الصفوة الروسية فقط ولكنها رؤية سائدة على المستوي الشعبي أيضاً وقد وجدت الولايات المتحدة عدداً أقل من مؤيديها في روسيا خلال الفترة الحالية مقارنة بالأعداد التي كانت موجودة منذ 15 عاما، فقد تغيرت الأفكار السائدة بين أوساط الشعب الروسي بصورة جذرية خلال الآونة الأخيرة بشأن الخطاب السياسي الداخلي وأصبحت قضية الاستقرار السياسي وحفظ النظام تحتل أهمية أكبر من مسألة تحقيق الديمقراطية وترتبط الديمقراطية دائما بالفوضى وانهيار الدولة والمكاسب المادية التي يحصل عليها فئة قليلة جداً من الناس تماما كما حدث في روسيا خلال عقد التسعينات من القرن الماضي وقد أثبت المسح الذي أجراه معهد بيو الدولي لقياس استطلاعات الرأي في عام 1991 أن 59% من الروس يعتقدون بأن روسيا يجب أن تعتمد على حكومة قوية وليس على زعيم قوي وفي عام 2005، انخفضت نسبة المواطنين الروس الذين اختاروا الحكومة الديمقراطية إلى 28% ومن المهم أن نفهم أن الشعب الروسي يؤمن بأن الزعيم القوي يستطيع أن يحكم روسيا بكفاءة ويضمن تطبيق القانون ويكمن سر شعبية بوتين في نظرة الشعب الروسي إليه على أنه شخص يجمع بين العنصرين السابقين ويمكن القول إن دعم الولايات المتحدة للديمقراطية يهدف أساسا لدعم المصالح الأميركية بغض النظر عن مصالح الشعوب الأخرى والظروف السياسية والاجتماعية السائدة في هذه الدول. وتدخل المؤسسات الديمقراطية كمكون أساسي من مكونات الهوية الأميركية. وأعادت السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية التأكيد على هذه الحقيقة من خلال دعمها لهذه القيم في الدول الأجنبية وقد تؤتي هذه الجهود ثمارها إذا طبقت في المكان والزمان المناسب وروسيا مكانا صعبا لدعم الديمقراطية لأنها تعتبر نفسها مركزا مستقلا من مراكز القوة وتكره أن تعامل معاملة الطلبة والمتعلمين ويمكن القول إن توقيت مراجعة الولايات المتحدة لسياساتها الخارجية تجاه روسيا أكثر من سيىء وبالنظر إلى مساعي روسيا لاستعادة مكانتها على الساحة الدولية والانتعاشة التي حققها الاقتصاد الروسي ومشاعر الثقة التي ازدادت خلال الفترة الماضية، فإن المواطنين الروس قد ينظرون إلى الانتقادات الموجهة لسجل روسيا الديمقراطي على أنها أحاديث كاذبة تهدف لإخفاء قلق الإدارة الأميركية تجاه الانتعاشة الاقتصادية التي حققتها روسيا إبان فترة حكم الرئيس بوتين ومن المحتمل أن تتسبب هذه المشاعر في حدوث استجابة حساسة بين أوساط الطبقة السياسية في روسيا والسكان الروس المثقفين سياسيا، وهو الأمر الذي قد يفاقم من المواقف السلبية تجاه التدخل الأميركي في شئون روسيا حسبما يرى المواطنون الروس ونتيجة لذلك، من الممكن أن تتعرض مجالات التعاون الثنائي بين البلدين بشأن عدد كبير من القضايا الهامة للخطر وفى النهاية، لن تؤدي التغييرات السياسية المقترحة إلى تسميم أجواء العلاقات الأميركية الروسية في المستقبل القريب فحسب، ولكنها قد تتسبب أيضا في تحديد مسار القضية التي تزعم الولايات المتحدة الدفاع عنها وقد تتسبب الضغوط الأميركية الزائدة في تحول رؤية الشعب الروسي فيما يتعلق بالقيمة الشاملة للديمقراطية وحقوق الإنسان إلى مجرد أداة من أدوات التأثير السياسي الأجنبي وإذا حدث هذا، فإن مستقبل الديمقراطية الروسية قد يصبح مظلماً بالفعل.

*مدير مكتب الوكالة الروسية للأنباء والمعلومات في واشنطن.

**نائب مدير مكتب الوكالة الروسية للأنباء والمعلومات في واشنطن.

و كل ذلك بحسب رأي ايغور زيفيليف و كيريل غليبوف في المصدر المذكور.

المصدر: إيلاف-21-3-2006