مقالات و محاضرات

 

 

العراق: للضاربين على وتر الفتنة.. لا تنسوا عثمان!

 

أميرة الطحاوي

 

في الثلاثين من أغسطس (آب) الماضي، سرت إشاعة بين آلاف الشيعة العراقيين العابرين جسر الأئمة باتجاه حي الكاظمية في بغداد إحياء لذكرى دينية أن انتحارياً يوشك على تفجير نفسه بينهم، أسرع الجميع بالفرار عبر الجسر، فانهارت أجزاء منه بمن عليه وألقى البعض بنفسه في نهر دجلة هلعاً فمات 1000 عراقي على الفور، على جانب النهر كان البعض يلقي بنفسه أيضا لإنقاذ الضحايا الشيعة من الغرق، كان أحدهم الفتى السني عثمان علي عبد الحافظ العبيدي، 17ربيعا، إذ أنقذ ستة من الغرق، وبينما هو يعاود الكرة لإنقاذ المزيد من دون أن يسألهم طبعاً عن هويتهم الدينية، استشهد عثمان ابن حي «السفينة» الشعبي بالأعظمية ذات الغالبية السنية، و«لم تكن هذه هي المرة الأولى لعثمان في إنقاذ مواطنين شيعة، ففي إحدى زيارات عاشوراء، وعلى ما يقول صديق له «كان هنالك زائرون يسبحون في نهر دجلة..، وعندما شارف أحدهم على الغرق أسرع عثمان لإنقاذه».

لماذا هذه القصة الآن، لأنها قد تجعلنا نتمهل ولو قليلاً قبل أن نتوقع بيقين الضارب بالغيب أن العراق سيشهد حتما حرباً أهلية يكون وقودها الناس على انتمائهم المذهبي داخل الدين نفسه، فهذه التوقعات الأقرب للحتمية تتكرر كلما شهدت البلاد حادث عنف طائفي، فمع اليوم الأخير لحرب العراق الأخيرة، أو هكذا نتمنى أن تكون، اغتيل السيد مجيد الخوئي، وهو رجل دين شيعي على يد مواطنين شيعة أيضاً وأصبحت الموضة السائدة وقتها في التحليلات السياسية لمستقبل العراق هي الجزم باندلاع حرب طائفية داخل أبناء نفس المذهب، ولكن ذلك لم يحدث. لاحقا وفي أغسطس من العام نفسه انفجرت سيارة مفخخة أودت بحياة السيد باقر الحكيم رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق ومعه أكثر من ثمانين مصليا شيعيا بالنجف الأشرف، ولكن لحسن حظ العراقيين وسوء حظ الحالمين بحرب أهلية لم يسفر الحادث عن عنف مضاد.

وتوالت مثل هذه الأحداث من قتل على الهوية، ففي فبراير (شباط) 2004 تعرضت النجف وكربلاء لحوادث مماثلة أثناء مراسم عاشوراء، كما تعرض حي الكاظمية لاحقا لعدة هجمات طالت مرقد الإمام موسى الكاظم وزواره، وأتذكر وقتها أن شبابا سُنَّة من حي الأعظمية سارعوا بنقل الجرحى والتبرع بالدم، وعندما عثر في أبريل (نيسان) الماضي على جثة عشرات الشيعة في منطقة المدائن، انبرت الأقلام متنبئة بحرب أهلية، و حمدا لله من جديد لم تحدث.

مثل هذه الحوادث تجعلنا نراهن إلى حين على وجود وعي لدى العراقي العادي أن هذه الحوادث مقصود بتوقيتها وتتابعها زرع الفتنة، لكن ذلك الضمير الجمعي لن يبقى طويلا بدون تشويه، وفطرة المواطن البسيط من الممكن في ظروف الأزمة توجيهها صوب الانتقام إذا تكررت حوادث الاعتداء على مقدساته والتأخر في تقديم الجناة للعدالة ويصبح سهلا على أطراف داخلية وخارجية تقديم الأمر باعتباره حربا يشنها أتباع المذهب الآخر.

من هنا تتراجع فطرة التسامح ويبدأ مسلسل العنف الطائفي بطيئا أو سريعا، وتظهر الاعتداءات والتصرفات غير المسؤولة، ويحدث ما رأيناه بعد اعتداءات سامراء الأخيرة حيث تم الاعتداء على مساجد يرتادها السُّنة ببغداد والمحافظات بل تم قتل بعض المواطنين السنة حتى من جنسيات غير عراقية، وهي كلها جرائم محل استنكار، لكن لا يعني أن ننسى بعض التصرفات الايجابية حدثت من مواطنين عاديين لم ينتظروا توجيها من قائد أو زعيم، من شيعة وسنة، إذ جرت زيارات من قبلهم  لمساجد الطرف الآخر وتمت تهدئة الخواطر.

يذكرنا هذا بأحداث العنف التي شهدتها العاصمة السودانية الخرطوم في أعقاب مقتل الزعيم جون جرنج في أغسطس 2005 حيث تم تهدئة النفوس بزيارات متبادلة من قبل رؤساء القبائل والطوائف الدينية وعقد جلسات صلح خاصة أن العنف كان متبادلا ولم يتم تحديد أسماء الجناة كأفراد بسبب الفوضى ولهروب أكثرهم بعد قيامهم بالحرق والتدمير والقتل.

بدون تفاؤل مفرط، نرى أن بوسع العراق الخروج من احتمالات الحرب الأهلية إذا عول أهله على تاريخ ممتد من الوحدة بمفهومها الشعبي؛ التآخي بمظهره النقي في الأزمات، إذا نقبوا عما يقرب مواطنيهم لا ما يفرقهم، إذا تم إعلاء سيادة القانون أصبح الإعلام العراقي لجميع العراقيين معطياً مساحة للتنوع الموجود في المجتمع، وتحديد مكمن الخطروالتعامل معه بجدية، إذا تم التعاطي مع حقيقة أن بلادهم مستهدفة وأن يتم تحديد العدو بشفافية حتى لو أدى ذلك لقطع علاقات خيل للبعض أنها تحالفات أبدية.

بوسع العراق قبر الحرب الأهلية إذا حوصرت المحاصصة الطائفية واستبدلت الكفاءة بها كمعيار وحيد للترقي بالمناصب العامة، وعندما تشهد البلاد حادثة كاعتداءات سامراء وما تلاها ـ وهي قطعا لن تتوقف في يوم وليلة ـ فليكن التصرف الأول هو مواساة وتعويض الضحايا فورا بل الاعتذار لهم باسم الحكومة لأنها المسؤولة الأولى عن أرواح هؤلاء والمفترض أن تكفل لهم على الأقل حياة آمنة.

إذا أراد مجتمع العبور من أزمة يجب أن نبحث عن علامات مشابهة في تاريخ العراق الحديث والقريب بوسعها تهدئة النفوس وخلق قاعدة لمصالحة ومواصلة ما انقطع من رابط الأخوة بين أبناء الشعب الواحد، يبدو استحضار نماذج قريبة من علاقات تآخ فعلي بين مسلمي البلد الواحد، تآخ فعلي لا ترصده الكاميرات بمصافحة بين زعماء وقادة، تعايش صنعه الشعب عبر تاريخه الطويل، وهو وحده الأقدر والأولى بالخطاب في الحفاظ عليه، فهو أول الخاسرين من فقدان الأمن والأمان.

* صحافية مصرية

وكل ذلك بحسب النص الوارد في المصدر المذكور.

المصدر: الشرق الأوسط – 20-3- 2006