مقالات و محاضرات

 

 

البـحـث الـجاد عـن فرانكو عـراقـي للإنـقـاذ !!

 

 محمد خليفة 

 

 

الحرب الأهلية العالمية في إسبانيا وشبيهتها في العراق

كانت إسبانيا هي الدولة الأوروبية الوحيدة التي حافظت حتى مطلع القرن العشرين على ملكية ذات تقاليد وأصول كاثوليكية. في حين أن الملكيات الكاثوليكية في أوروبا كانت قد سقطت إما بفعل الإصلاح الديني كما حدث في بريطانيا مطلع القرن السادس عشر، أو بفعل الثورة كما حدث في فرنسا عام ،1789 أو بالحروب كما حدث للنمسا في الحرب العالمية الأولى. فقد استطاعت إسبانيا أن تحافظ على تقاليدها الدينية لما كان للكنيسة الكاثوليكية من نفوذ فيها. وكانت الثورة الشيوعية قد نجحت في روسيا عام ،1917 وتم تشكيل الاتحاد السوفييتي السابق عام 1918. واتجهت سياسة الحكومة السوفييتية في السنوات الثلاث الأولى بعد الثورة إلى السعي إلى تحطيم جميع الحكومات الرأسمالية في العالم، وتأسيس دكتاتورية الطبقة الكادحة (البروليتاريا) على غرار نظام الحكم السوفييتي، وإنشاء اتحاد دولي بين جميع الجمهوريات السوفييتية التي يمكن تأسيسها بعد نجاح الثورات الشيوعية في تلك الدولة، وبذلك يتم إنشاء مجتمع شيوعي عالمي.

وكانت إسبانيا وجهة مفضلة للشيوعيين لنشر دعايتهم الشيوعية بسبب فساد الطبقة الأرستقراطية الحاكمة التي كان كل همها أن تجمع الثروات على حساب الشعب. وسرعان ما انتشرت الشيوعية في إسبانيا بشكل كثيف، وبدأ الشيوعيون يتوثبون للانقضاض على الملكية، وراحوا يطالبون بالتغيير. وكانت حكومة الملك الفونسو الثالث عشر ضعيفة وفاسدة. فقام الجنرال بريمودي ريفييرا عام 1923 بانقلاب عسكري أطاح الحكومة القائمة مستعيضاً عنها بحكومة عسكرية فرضت الأحكام العرفية ونصّب ريفييرا نفسه دكتاتوراً عسكرياً على إسبانيا. فاعتقل الشيوعيين النشيطين حتى بلغ عدد المعتقلين نحو 30 ألف معتقل، وزاد الضغط الشيوعي على حكومة ريفييرا. ففي عام 1929 انتشر العصيان في الجيش وقام طلاب الجامعات وطبقات العمّال بالمظاهرات وأحداث الشغب بتحريض من الشيوعيين. فاستقال ريفييرا عام 1930 وغادر البلاد، وضغط الشيوعيون من أجل إجراء انتخابات عامة في البلاد، فانحنى الملك إلى هذه العاصفة، وأصدر مرسوماً عام 1931 بإجراء الانتخابات. وقد نجح الشيوعيون في هذه الانتخابات في أغلب المدن، وعلى الأخص في مدريد وبرشلونة. وقام زعيم الحركة الشيوعية واسمه “نكيتو الكالازامورا” بتوجيه إنذار إلى الملك الفونسو بضرورة التنازل عن العرش. فغادر الملك إسبانيا من دون أن يوقع وثيقة رسمية بالتنازل. وما لبث زامورا أن أعلن قيام الجمهورية، ونصّب نفسه رئيساً لها. وانتقل إلى قصر الملك، واستقالت الحكومة المؤقتة، وتكوّن مجلس وزراء جديد برئاسة الشيوعي “مانويل أزانا” الذي أعلن عزم حكومته على السير في طريق الثورة حتى النهاية. وبدأ الشيوعيون بتطبيق مبادئ الشيوعية في إسبانيا.

ففي عام 1932 تقرر حل نظام “الجزويت” ومصادرة أملاكهم، وألغيت المدارس التابعة مباشرة للكنيسة، ومنع رجال الدين من ممارسة التعليم فيها. وتقرر تأميم أملاك الكنيسة لمصلحة من يسمّونهم العمّال والفلاحين (البروليتاريا). كما صادروا ضياع من يسمونهم الإقطاعيين من دون دفع تعويض لهم، وقاموا بحملة واسعة ضد رجال الكنيسة بهدف إلغاء الدين. وتدهورت الأوضاع في إسبانيا بسبب رفض معظم الأسبان لمبادئ الشيوعية. وخاف الشيوعيون من أن يعيد الشعب الملك إلى العرش، عند ذلك قرروا إجراء انتخابات عامة جديدة عام ،1933 وقد انهزم الشيوعيون في هذه الانتخابات، فجن جنونهم، فقاموا بمحاولة انقلابية عام 1933 ولكنها فشلت، فاعتدوا على الكنائس وذبحوا آلاف الرهبان والراهبات، فعمّ الاضطراب والهيجان والشغب البلاد بأسرها.

هنا قام رئيس الجمهورية زاموار بتحديد يوم 16/2/1936 موعداً للانتخابات العامة. لكن هذه الانتخابات وضعت إسبانيا في موقف أشدّ سوءاً، فقد زاد الانقسام بين أبناء الشعب الإسباني بين مؤيد للشيوعيين ومعادٍ لهم. وطلب الشيوعيون من الرئيس زامورا أن يتحرك ضد أعدائهم، فيصدر أمراً باعتقال المحرّضين ضدهم. لكن الرئيس لم يفعل شيئاً، فاشتدّ حنق الشيوعيين ضده واتهموه بالضعف وأقالوه وعيّنوا مكانه أزانا. فأصدر أزانا أمراً بإحالة جميع الضباط الذين يشتغلون بالسياسة إلى التقاعد، كما قام بنفي الذين ثبت تورطهم في دعم أعداء الشيوعيين.

 وكان من بين أولئك المبعدين الجنرال “فرانشسكو فرانكو” الذي كان قائداً للفرقة الإسبانية التي كانت تعمل في مراكش، وقد تقرر نفيه إلى جزر كناري، وأدى ذلك إلى قيام حركة عصيان في إسبانيا ضد الحكومة، وحاول بعض القوّاد في الجيش إحداث انقلاب لمصلحة الملكيين عام 1936. 

وبدأت المناوشات بين الجانبين، وعقد الجنرال فرانكو عزمه على إنقاذ إسبانيا من الشيوعية واتصل بعدد من الضباط المخلصين واتفق معهم على الثورة. وتوجه إلى المغرب لإعداد القوات المخلصة هناك لانطلاق الثورة، ومن هناك اتصل بهتلر وموسوليني لمساعدته بالسلاح ولنقل القوات إلى داخل إسبانيا، حيث كانت مياه المضيق تحت سيطرة الحكومة الشيوعية. وكانت هذه أول عملية إنزال لقوات محمولة جواً في التاريخ، وبدأت الحرب الأهلية الإسبانية في 17 يوليو/تموز 1936.

وعلى الرغم من أن هذه الحرب كانت في الظاهر صراعاً بين الشيوعيين والملكيين داخل إسبانيا، إلاّ أنها في الواقع كانت صراعاً أيديولوجياً بين المبادئ الأوروبية المختلفة، أو بعبارة أخرى بين الشيوعية وأعدائها حتى أصبح أنصار الحكومة بعد نشوب الحرب الأهلية يُطلق عليهم “الحمر”، بينما كان أنصار فرانكو يطلق عليهم “الفاشست”. وبدأت المساعدات تتدفق على الحكومة من الاتحاد السوفييتي السابق ومن فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة. بينما كانت المساعدات تتدفق على فرانكو من ألمانيا وإيطاليا ومن أيرلندا الحرّة.

ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو لماذا كانت الدول الغربية الكبرى (بريطانيا، والولايات المتحدة، وفرنسا) تعادي الاتحاد السوفييتي آنذاك، وفي الوقت نفسه كانت تدعم الشيوعية في إسبانيا، ما يدعو إلى التساؤل عما إذا كانت هذه الدول جادّة في عدائها للشيوعية العالمية كما كانت تعلن أم لا ؟. الواقع أن الخوض في هذه المسألة سيؤدي بنا إلى الدخول في نفق المؤامرة الخفية المعروفة لحكم العالم.

وقد فشلت المؤامرة اليهودية على إسبانيا عندما استطاع الجنرال فرانكو الانتصار على الشيوعيين. ودخل مدريد في مارس/آذار عام ،1939 وتمّ له النصر الحاسم وانتهت بذلك الحرب الأهلية العالمية في إسبانيا التي خلّفت نحو مليوني قتيل. وأصبح فرانكو رئيساً لإسبانيا، واعترفت كل من إيطاليا وألمانيا بحكومته، ثم اضطرت الدول الغربية الأخرى إلى الاعتراف بهذه الحكومة. وعاد الأمن والاستقرار إلى إسبانيا.

لكن هل  يا ترى  يتهيأ للعراق، الذي دخل في حرب أهلية عالمية مشابهة إلى حد ما للحرب الأهلية الإسبانية، شخصٌ عراقي تكون له وطنية فرانكو فيعمل على إنقاذ العراق كما أنقذ فرانكو إسبانيا؟. لا شك في أن العراق سيستمر في نزف الدماء حتى يظهر مثل هذا المخلّص الذي يستطيع أن يدافع عن إنسان العراق ووجوده وحقوقه، ويوقف إسالة الدماء وقتل الأبرياء في وطن تحوّل إلى هشيم وحطام تحرق أرضه وتتمفصل في أوصاله وتسري في شرايينه الرغبات الشريرة العدوانية، ويسحل فيه أبناؤه ويذبحون ويسلخون كالنعاج بمجّانية وسادية غريبة يقف من هولها شعر الرأس، ويعمل على وقف الاضطرابات السياسية والخراب الاقتصادي والاجتماعي.

فالمشكلات الاقتصادية هي الوجه الآخر للأزمة الأشدّ بطشاً وضراوة في خطورته حتى أصبح أغلب شعب العراق يعيش تحت حافة الفقر والخوف والرعب والفواجع والنكبات. فالعراق يحتاج إلى رجل رشيد يعمل على صياغة وعيه الاجتماعي والإنساني، ويشكّل توجهاته نحو فصل تنويري أخوي ويسهم في صناعة واقعه فكراً وثقافة ومجتمعاً، قوامه الروح والجماعة والتصافح والتسامح في صيغة حضارية من التناغم والتفاهم الواعي بين جميع شعبه المتحرر من كل صور وأشكال المذهبية والطائفية والعدوانية، ومحاولة إلغاء الآخر بأي شكل وبأي وسيلة، رجل يوحّد بين أجزائه، بين شماله ووسطه وجنوبه، ويضفي عليه الحقيقة والمعنى التاريخي والحضاري لهذا البلد، ويحرص على صيانته من الحقد والغيظ، ومن الضعف والذلّ، والجور والبغي، ويوقف من يريد أن يجرّده من ماضيه وثوابته وهويته.

وكلذلك بحسب المصدر وطبقا للنص الوارد فيه .

 المصدر : الخليج الأماراتية – 19-3-2006