أحذرهم الطوفان

 

 نزار حيدر

 

في الأمسية السياسية التي نظمتها غرفة البرلمان العراقي على البالتوك .. نزار حيدر: أحذرهم الطوفان

حذر نزار حيدر، مدير مركز الاعلام العراقي في واشنطن، قادة الكتل السياسية، من مغبة انقلاب الشارع العراقي عليهم، اذا ما استمروا بالتعامل مع العملية السياسية بالطريقة الحالية التي تسببت في توقفها، على حساب المعاناة اليومية لملايين العراقيين.

وأضاف نزار حيدر الذي كان يتحدث في الامسية السياسية التي نظمتها غرفة (البرلمان العراقي) على البالتوك، والتي شارك فيها عدد غفير من المثقفين العراقيين، من الرجال والنساء، ومن مختلف مناطق العالم، بما فيها من داخل العراق؛قد يبدو الشارع العراقي اليوم هادئا ومنضبطا، الا أنه قد ينفجر طوفانا هادرا يجرف كل هؤلاء الزعماء، اذا ما استمروا يتعاملون بلاأبالية غريبة مع العملية السياسية، وكأن الظرف الذي يمر به العراق وشعبه عاديا، لا يحتاج الى قرارات استثنائية عاجلة، تنتشل المواطن العراقي من محنته الحالية وهو يقتل يوميا بالارهاب، ولا يجد قوت يومه بعد أن فقد أبسط وسائل الحياة الحرة الكريمة، من الماء والكهرباء والوقود وغير ذلك.

وأضاف حيدر يقول؛

لو يوفر القادة ضحكاتهم وابتساماتهم وعناقهم الحار وولائمهم الدسمة الى اشعار آخر، ويتحدثوا الى الناخب العراقي بصراحة وشفافية وصدق وأمانة، ليعرف المواطن حقيقة العقد التي تمر بها مفاوضات الفرقاء، أما أن يستمروا في توزيع الضحكات من على شاشة الفضائيات(مجتمعين) ليظهروا علينا بعدها مباشرة (متفرقين) ويتقاذفوا التهم المتبادلة، فهذا عين الاستبداد والضحك على الذقون {وما يضحكون الا على أنفسهم} أما العراقيون، فانهم فتحوا عيونهم (باللبن) كما يقول المثل، فهم يقرؤون الممحي ويعرفون أسرار ما وراء الكواليس ربما حتى أكثر من الزعماء أنفسهم.

لقد مل العراقيون، أضاف نزار حيدر، الكلام المعسول والمكرر الذي يدلي به الزعماء، خاصة عندما يتحدثون بطريقة توحي وكأن المسؤول عما يجري هو غيرهم، وليس هم المسؤولون المباشرون ، فيكررون كلمات من قبيل {حان الوقت} من دون أن يتوصلوا الى اتفاق محدد، وكأن المعني بالوقت الذي يمر بسرعة من دون نتيجة ملموسة، هي جزر الواقواق أو المارديف أو حتى القمر.

وأهاب نزار حيدر بزعماء الكتل السياسية، الى التحلي بالشجاعة والمروءة، ليصارحوا العراقيين بمشاكلهم العويصة التي لا يحق لهم التهوين منها، لأنها، بالفعل، عويصة ومعقدة، فاما أن يتمكنوا من حلها بأسرع وقت، أو أن يخرجوا الى الشعب العراقي{مجتمعين} ويصارحونه بالحقيقة فيتنازلوا عن المسؤولية، ويتركونها لمن هو أجدر منهم بها، والا فلينتظروا الطوفان الشعبي الهادر الذي سيكنس من يقف بطريقه، ليأخذ الشعب المبادرة بيده، بعد أن يكون قد تأكد بأن من منحه الثقه وصوت لصالحه في الانتخابات العامة الماضية، ليس أهل للثقة، وغير جدير بالمسؤولية، وأنه غير مؤتمن على الأمانة، لأنه ليس قوي ولا أمين.

وعتب نزار حيدر على أكبر كتلتين في مجلس النواب الجديد، وهما الائتلاف والتحالف، اللذين كان يفترض بهما أن يظلا متماسكين حتى لا تفلت المبادرة من بين أصابعهم، لحساب من لا زال يجامل الارهابيين ويرفض فك ارتباطه بالعهد الديكتاتوري السابق، ولا يؤمن بالعملية السياسية، ممن أثبت بالقول والفعل، أنه طائفي حاقد، هدفه من المشاركة في العملية السياسية هو تخريبها وتدميرها.

وسخر نزار حيدر من فكرة تشكيل ما يطلق عليه البعض {حكومة الوحدة الوطنية} متسائلا عن أية وحدة وطنية يتحدث أصحاب هذه النظرية وهم يرون بأم أعينهم، أن هناك اليوم جلادا وضحية، ذئبا وشاة، قاتلا ومقتولا، داعيا الجميع الى فهم واستيعاب معاني المصطلحات قبل النطق بها، حتى لا تتحول المصطلحات الى نكتة يتندر بها العراقيون.

وأضاف نزار حيدر بالقول؛

المشكلة، برأيي، تكمن في عقلية المتصدين اليوم للعملية السياسية، اذ لا زال أغلبهم يتعامل بعقلية (المعارضة) وليس بعقلية (رجل الدولة) ولذلك تراهم لا يجيدون الحوار تحت أشعة الشمس، فيلوذون بالظلام دائما لفرض شروطهم في أي حوار سياسي، انهم كالخفافيش التي تخشى ضوء النهار، فتلوذ بعتمة الليل البهيم، عندما ترقد كل الكائنات الحية وتخلد الى النوم، انهم لا يجيدون العمل الا تحت جنح الظلام، ولا يحسنون الا تدبير الامور في الليل فقط، ولذلك ينبغي فضحهم والكشف عن خططهم المدمرة التي ان اصروا عليها، فانها ستحرق الاخضر واليابس، كما يقولون.

عن سبب استمرار العنف والارهاب، بالرغم من التحاق العديد ممن كان يدعي أنه يمثل الجماعات المسلحة بالعملية السياسية، قال نزار حيدر؛

أعتقد أن الأمر لا يتعدى أحد ثلاثة أمور؛

فاما أن يكون هؤلاء المدعين قد كذبوا على العراقيين، فلم يكن لهم أي تأثير ايجابي على الارهابيين، عندما قالوا بأنهم سيقنعونهم بايقاف العنف والقتل اذا ما شاركوا في العملية السياسية، واما أنهم لا زالوا يوظفون العنف والارهاب والقتل والتدمير لابتزاز الآخرين وفرض أجنداتهم السياسية، أو أنهم لم يكونوا يؤثرون على مجموعات العنف والارهاب وانما العكس هو الصحيح، أي انهم كانوا (ولا زالوا) مطية للمجموعات المسلحة التي تسعى لتخريب العملية السياسية، وهذا ما أميل اليه وكنت قد كتبت فيه من قبل، ولذلك أرى أن من الواجب طرد كل عنصر من هؤلاء وابعاده عن العملية السياسية، ما لم؛

أولا؛ يدين، وبصراحة، النظام البائد وجرائمه وسياساته الشوفينية التي انتهت بالعراق الى ما هو عليه الآن.

ثانيا؛ يدين العنف والارهاب بكل أشكاله، ثم يثبت للعراقيين أنه فك بالفعل كل ارتباطاته بالارهابيين وقطع حبال الوصل والمودة معهم ومع أزلام وأيتام النظام البائد والعناصر التكفيرية التي تحالفت معهم على تدمير العراق.

ثالثا؛ الاعتراف بشكل علني وواضح وصريح بالعملية السياسية، واحترامه لأدوات الديمقراطية، وعلى رأسها صندوق الاقتراع، فلا يظل يكرر المقولات المشروخة، تحت مسميات (التوافق) و(الوحدة الوطنية) (والمحاصصة) وما الى ذلك.

عن الحل المقترح للخروج من هذه الازمة السياسية العاصفة، والتي باتت تهدد العراق بمخاطر جمة، قال نزار حيدر؛

برأيي، فان الحل لا يوجد الا تحت قبة البرلمان، وان كل من يخشى الذهاب اليه ويصر على الحوار السياسي خارج قبته وفي الغرف المظلمة، فانما يسعى، بطريقة أو بأخرى، الى تدمير العملية السياسية، محاولا ابتزاز الاخرين للحصول على أكبر قدر ممكن من الامتيازات الشخصية والحزبية والفئوية، من دون أن يكون للمصلحة الوطنية العليا أي معنى ومكانا في حساباته الخاصة.

وتساءل نزار حيدر عن سبب امتناع البعض من الذهاب الى البرلمان والاحتكام الى الدستور الذي صوت عليه الشعب العراقي بأغلبية كبيرة جدا، لو كان سلاحه المنطق والدستور؟ لماذا يتحاورون في كل الملفات بعيدا عن قبة البرلمان؟ لماذا يريدون عقد الصفقات خارج قبة البرلمان؟ ما فائدة البرلمان اذن؟.

وأقول بصراحة، أضاف نزار حيدر، أن الازمة ستتفاقم وتتدهور الى الأسوء لا زال الحديث خارج قبة البرلمان، ولذلك لم نلمس جدية في كل الحوارات، ولم نسمعهم يتحدثون بصدق وأمانة، لأن أي حديث في البيوت والمكاتب الحزبية يظل حديثا غير رسميا، يمكن أن يغير أي واحد منهم أقواله وآراءه متى ما شاء وكيف شاء، وتلك هي الطامة الكبرى، ولذلك، مثلا، نراهم يتحدثون عن ما يسمى بحكومة الوحدة الوطنية منذ أربعة أشهر أو أكثر، من دون الاتفاق على المعنى والمفهوم، لأنهم يغيرون ما يدور في خلدهم وأذهانهم كل يوم وكل ساعة، خاصة اذا تذكرنا بأن أغلب الحوارات تجري في الليل وقديما قيل {كلام الليل يمحوه النهار} واذا بنا في كل يوم، أمام البدء من نقطة الصفر، لنفس الحوارات المتكررة على طريقة (حوار الطرشان).

أما الحوار تحت قبة البرلمان، أضاف نزار حيدر، فانه يتمتع بصفته الرسمية وأمام مرآى ومسمع الجميع، ولذلك لا يسعى المتحاورون في هذه الحالة، الى اللف والدوران والكذب والغش والتسويف والمماطلة، خاصة اذا تذكرنا بأن الجميع، تحت قبة البرلمان، محكومون بسقوف زمنية محددة تضغط عليهم باتجاه الاسراع في التوصل الى الاتفاقات المطلوبة، وهذا ما يدفع بالجميع الى تقديم بعض التنازلات الضرورية من أجل ذلك، على العكس من الحوارات في البيوت والمكاتب التي ليس لها أي سقف زمني، فهي مفتوحة الى ماشاء الله تعالى، ولذلك لا يفكر أي أحد من الفرقاء بتقديم أي تنازل ضروري، على أمل ان يقدم الاخرون مثل ذلك، وهكذا دواليك.

وأضاف نزار حيدر بالقول؛

ان عدم الذهاب الى البرلمان بصورة جدية، وليس بالصورة الهزلية التي رآها العراقيون يوم أمس، والتي تشبه الى حد بعيد بعض فصول المسرحيات الهزلية، يعد التفافا على ارادة العراقيين واستخفافا بخياراتهم، وترك الدستور وراء ظهورهم، وهذا ما لا ينبغي على العراقيين السكوت عنه بأي شكل من الاشكال، لأنه سيدمر العملية السياسية على المستوى البعيد.

وفي نهاية الأمسية السياسية، تمنى نزار حيدر على العراقيين، وخاصة أصحاب القلم والبيان، أن يتحملوا مسؤولياتهم بكل جرأة وشجاعة، من خلال وضع المصلحة الوطنية العليا فوق أي اعتبار أو انتماء آخر، من أجل صناعة رأي عام ضاغط على الزعماء في بغداد، للمساهمة في انتشال العراق من محنته الحالية، قبل أن تتدهور الامور الى الأسوء، وعندها، فسيعظ الجميع على أصابعهم ندما، بما فرطوا في الأيام الماضية.