حركة فتح ومواجهة تحديات الهزيمة

 

 

د. محمد عبدالعزيز ربيع 

 

 

كان رد الفعل الأول لحركة فتح على نتائج الانتخابات التشريعية هو الاعتراف بالهزيمة والقبول بالنتائج. أما رد فعلها الثاني فقد اتجه نحو فصل أعضاء الحركة الذين خاضوا الانتخابات كمستقلين وساهموا بالتالي، وربما تسببوا في هزيمة حركتهم.

وبينما رأى البعض في فتح أن الخلافات بين القيادات التاريخية والقيادات الشابة الميدانية هي السبب الرئيسي لتراجع شعبية فتح والتسبب في هزيمتها، رأى آخرون أن الفساد الذي تفشى في صفوف الحركة وفي أروقة الحكم، كان العامل الأهم في تضعضع الحركة وفقدان الثقة بالسلطة الحاكمة.

 بينما اتجه آخرون إلى لوم إسرائيل وأميركا لقيامهم بإفشال العملية التفاوضية. ومهما قيل عن فتح، فإنه من الصعب التنكر لتاريخها النضالي الطويل، أو إنكار نجاحها في تنظيم انتخابات ديمقراطية نزيهة، وتوجهها نحو ممارسة العملية الديمقراطية.

يشير تاريخ الانتخابات في ظل النظم الديمقراطية إلى أن هزيمة الحزب الحاكم قلما تم السكوت عليها والتغاضي عن نتائجها. إلا أن ظروف فتح، وتركيبتها الاجتماعية، ومسيرتها التاريخية تجعل من الصعب عليها الدخول في عملية نقد ذاتي تؤدي إلى إعادة هيكلة الحركة من النواحي التنظيمية والقيادية.

ففتح، كما قلت يوما للقائد أبو إياد ووافقني في حينه الرأي فيما قلت، هي عبارة عن « قبيلة مُتحزّبة». تجمع بين مساوئ القبيلة في التحزّب لأبنائها، ومساوئ الحزب في حب السيطرة.

كقبيلة، كانت فتح تتمسك دوما بمبدأ « إنصر أخاك ظالما أم مظلوما » أي بعقلية التحزّب القبلية، لكن خلافا للتقاليد القبلية المتعارف عليها، لا يحترم صغير القوم فيها كبيرهم. وكحزب، تعمل فتح دون هوادة للسيطرة على كل المنظمات والتنظيمات الشعبية الفلسطينية، من اتحاد الطلبة إلى اتحاد المرأة، ومن اتحاد الكتاب إلى اتحاد العمال.

لكن خلافا للحزب في المجتمعات الناضجة، لا تتبنى فتح مبدأ النقد الذاتي، وهو المبدأ الذي لا غنى عنه لتصحيح الأخطاء، وتقويم المسار، وتجديد القيادات، وضمان الشفافية. لهذا يبدو أنه سيكون من الصعب على قيادات فتح أن تتحمل مسؤولية الهزيمة في الانتخابات، وتداعيات الفشل في المفاوضات.

وتعلن، كما هو الحال في الأحزاب السياسية العريقة، الاستقالة والتخلي طوعا عن مراكزها الأمامية. ودون إعادة هيكلة تنظيمية وتجديد القيادة لن يكون باستطاعة فتح استعادة ثقة الشعب الفلسطيني بها مستقبلا، حتى ولو نجحت في انتخابات مقبلة، لان النجاح في مثل تلك الحالة سيكون على الأغلب موقفا يعكس الرغبة في استبدال الحزب الحاكم.

إن أهم التحديات التي تواجه فتح اليوم تتلخص في البحث عن أسباب الهزيمة، وليس في البحث عن أعذار لها، وفي العمل على تجاوز الهزيمة وليس في السكوت عليها والتآمر لإفشال حماس. ان من الممكن أن تنقسم الحركة على نفسها وتتفتت إلى حركات صغيرة متنافسة إذا اقتصرت عملية الإصلاح على إجراء عمليات تجميل لبعض الأوجه القيادية التي أدركتها الشيخوخة.

إذ أن من شأن ذلك في حالة حدوثه، تحول فتح من حركة سياسية تمثل الأغلبية الشعبية إلى حركة شبه هامشية تمثل الأقلية في مجتمع تتسارع التطورات فيه بشكل مطرد يصعب السيطرة عليها أو رصدها بدقة.

وهنا لا بد من الإشارة أيضا إلى أن من الممكن أن تنقسم حماس على نفسها إذا رضخ بعض قادتها للضغوط الدولية والتمنيات العربية والتوجهات الرئاسية الفلسطينية.

وقبلوا مبدأ التفاوض مع إسرائيل والاعتراف بها. وفي مثل هذه الحالة سيصبح المجتمع الفلسطيني مجتمعا تعدديا من النواحي السياسية والثقافية والفلسفية، مما يخدم قضية الحرية والعدالة والشفافية والديمقراطية ويحول مستقبلا دون انفراد حزب واحد أو حركة واحدة بالهيمنة على المجتمع.

إن من المحتمل، ومن الأفضل لفتح، أن تبدأ فورا، ودون تأخير، عملية جدية لتقييم أوضاعها التنظيمية الراهنة، وتجديد كوادرها القيادية، وتحديث كافة الأجهزة الإدارية والأمنية التي تسيطر عليها حاليا، وإعادة صياغة برنامجها السياسي.

والاهتمام المكثف بالأوضاع المعيشية للشعب الفلسطيني. وضمن إطار إعادة صياغة البرنامج السياسي، يمكن لفتح الدخول مباشرة في عملية تفاوض مع حزب العمل باعتباره حركة سياسية تمثل المعارضة في إسرائيل، ومحاولة التوصل معه إلى اتفاقية مكتوبة وموقعة لحل سياسي دائم.

واعتقد أن من شأن التوصل لمثل هذا الاتفاق تعزيز فرص نجاح حزب العمل في الحصول على نسبة جيدة من مقاعد الكنيست في الانتخابات المقبلة تتيح له فرصة تشكيل معارضة برلمانية قوية، أو الدخول في ائتلاف سياسي مع حزب الأغلبية البرلمانية، والتأثير بالتالي في مسار العملية التفاوضية.

بالرغم من مطالبة بعض قيادات فتح الشابة بالإصلاح، من أمثال مروان البرغوثي ومحمد دحلان، إلا أن استجابة القيادات التاريخية لتلك المطالب كانت دوما مترددة ومحدودة وغير مجدية. إن حركة فتح، وعلى مدى تاريخها الذي قارب النصف قرن، لم تنجب مفكرا واحدا، ولم تنجح في بناء مؤسسة واحدة ذات قيمة حقيقية.

وحتى القلة من المثقفين الذين انتجتهم الحركة لم تمكنهم ظروف العمل السياسي في أوضاع غير مستقرة، ومتطلبات أمنية صعبة، وصراعات داخلية حادة، والعمليات التي مارسها الرئيس ياسر عرفات بامتياز، من النضوج والإبداع.

إن الفتحاوي الوحيد الذي اقترب من مكانة المفكر هو خالد الحسن، لكن، ولأسباب شخصية بحتة تعود إلى تربيته وتكوينه الثقافي، لم يستطع خلق مدرسة فكرية أو تكوين مجموعة من الشباب المؤمن بأفكاره. ولقد توفي أبو السعيد دون أن يترك خلفه نتاجا فكريا كافيا يعبر عن أفكاره ويعكس نظرته الفلسفية ومواقفه السياسية.

لذلك يبدو من غير المنطقي أن نتوقع من فتح القيام بإعادة هيكلة نظمها وطريقة العمل داخلها، وإعادة صياغة برنامجها السياسي وفلسفتها الفكرية بالقدر المطلوب وبالسرعة المطلوبة لاستعادة حيويتها وثقة الشعب الفلسطيني بها.

وفي اغلب الظن ستبقى فتح تراوح في مكانها، تتحرك في المكان دون أن تتقدم في الزمان. ومما قد يساعدها على عدم فقدان المزيد من المكانة السياسية والاجتماعية غياب الخيارات أمام الشعب الفلسطيني الذي تشغله متطلبات الحياة اليومية.

والاحتمالات القوية لفشل حماس في تحقيق برامجها الإصلاحية، والتي من الممكن أن تسير في اتجاه لا يتوافق مع مزاج أغلبية الشعب الفلسطيني.

وكل ذلك بحسب رأي د. محمد عبدالعزيز ربيع في المصدر المذكور.

المصدر : صحيفة البيان الإماراتية-14-3-2006