البحرين: منهجيّة الاقصاء

 

٢٣ تشرين الأول (أكتوبر) الجاري يقترب بوتائر متسارعة في البحرين، على وقع التدابير الحكومية الصارمة الواسعة النطاق، في حق التنظيمات المعارضة التي تدافع في معظمها عن حقوق المحرومين سياسياً من البحرانيين (لا أحزاب سياسية في المملكة الصغيرة). هذه التدابير أدّت في الأيام الأخيرة من الشهر الفائت الى سحب تراخيص النشرات المطبوعة لجمعيّتين سياسيتين، وحجب المزيد من المواقع الإلكترونية، ومنع الشيخ عبد الخليل المقداد عن الخطابة، وسحب جنسية الشيخ حسين النجاتي وأفراد عائلته، في هجمة ديكتاتوريّة شرسة لإسكات كلّ الأصوات المخالفة لصوت السلطة.

بمناسبة الانتخابات التي ستجرى في البحرين في ٢٣ تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، كتب فريد لوسان أستاذ العلوم السياسية في جامعة ويلز البريطانية، أن الانتخابات المنوي إجراؤها سوف تجرى في الأجواء الأكثر تقلّباً في البحرين منذ أن تولّى الملك السلطة في العام ١٩٩٩، ومثل هذا التطوّر يحرم برنامج الملك الاصلاحي من أي صدقيّة منذ صدور الدستور المعدّل في العام ٢٠٠٢.

وفي معرض تفصيل هذه الأجواء قال لوسون: بعد أسبوع واحد من إعلان الملك حمد بن عيسى آل خليفة في الثامن من آب (أغسطس)، إجراء انتخابات نيابية وبلدية، بدأت حملة التدابير القمعيّة بوقف الدكتور عبد الجليل السنكيس، وهو شخصية أساسية في «حركة الحرّيّات والديمقراطية» (حق). وفي اليوم التالي، اعتُقِل ثلاثة ناشطين بارزون آخرون في مجال حقوق الإنسان. وقد وُجِّهت إلى الأربعة تُهم بإنشاء «شبكة منظَّمة تهدف إلى تقويض أمن البلاد واستقرارها»، وكذلك التحريض على العنف والأعمال الارهابية ضد أملاك خاصة وعامة.

ردّاً على الاعتقالات، اصطدم محتجّون مع شرطة الشغب في المناطق الفقيرة ذات الأكثرية الشيعية حول المنامة. وأصبح إشعال الاطارات وسلاّت المهملات لقطع الطرقات الرئيسية التي تقود إلى الضواحي الأفقر، أكثر انتشاراً وتواتراً. لكن، وخلافاً لأحداث نيسان (أبريل) ٢٠٠٩، عندما أرغم التعبير عن الغضب العام الحاكم على الافراج عن السنكيس، زادت القوى الأمنيّة في حدّة الهجوم على منتقدي النظام. فقد احتُجِز أربعة مدافعين بارزون آخرون عن الاصلاح في ١٩ آب (أغسطس)، إلى جانب اثنَي عشر شاباً متّهمين بإحراق الاطارات وإلقاء قنابل يدوية. وبما أنّ المحتجَزين موقوفون بموجب قانون مكافحة الارهاب شديد القسوة الذي أُقِرّ في العام ٢٠٠٦، فهم لا يتمتّعون بحقوق المراجعة القضائية أو توكيل محامٍ. وقد انضمّ مركز البحرين لحقوق الإنسان إلى منظّمة «هيومن رايتس ووتش» ومجموعة الخليج الإقليمية، بالاشارة إلى تعرّضهم إلى التعذيب. ونتيجةً ذلك، أضيف رئيس مركز البحرين لحقوق الإنسان إلى قائمة الارهابيين المزعومين، حيث طالبت الجمعية البحرانية لحقوق الإنسان (التي هي أكثر مراعاة للنظام من مركز البحرين لحقوق الإنسان)، باحترام الحقوق الإنسانية للمحتجزين، فقامت وزارة التنمية والشؤون الاجتماعية بتجميد صلاحيات الجمعية وتعيين مدير موقّت لها.

برّرت السلطات البحرانية هذه الاجراءات الاستثنائية بالزعم أنّ جمعية حق ومجموعات أخرى تحصل على التمويل من إيران والعراق، وبأنّها تُبقي على صلات مع خلايا مشبوهة تابعة للجماعة المتشدّدة الإيرانية، أنصار «حزب الله». لكن ثمّة قناعات واسعة النطاق بأنّ الاعتقالات هي محاولة لتفتيت المعارضة وإضعافها، أكثر من كونها ردّاً على تهديد إرهابي أو انقلابي حقيقي.

أضاف لوسون في تقريره: لم ينفك التنظيم المستهدَف، حق، ينتقد الجمعية السياسية البارزة في البحرين، جمعية الوفاق الوطني الإسلامية ذات الغالبية الشيعية، بسبب قرارها خوض انتخابات ٢٠٠٠٦ والانضمام إلى قواعد اللعبة السياسية. إنّ إثارة التشنّجات عبر اتّخاذ تدابير قاسية ضد جمعية «حق» عشيّة عملية الاقتراع، يضع قيادة الوفاق أمام معضلة رصّ الصفوف مع إخوتها الشيعة والانسحاب من العملية الانتخابية (فتُبرهن عندئذ، على الأقلّ في عيون الحكومة، على تواطئها مع قوى خارجية معادية)، أو المشاركة في الانتخابات والتخلّي عن جزء كبير من ناخبيها الشيعة أملاً في تحفيز التغيير من الداخل.

لكن الوفاق أدان بصورة عامة استخدام النظام ومناصري «حق» أسلوب العنف. كما اتّهم رئيس الجمعية لجوء النظام للعنف بأنه قد دمّر عشر سنوات من التقدّم. وصرّح متحدّث باسم جمعية الوفاق بأن تصاعد الاحتجاجات ليس بسبب استفزازات خارجية، بل إنه بسبب مظالم اقتصادية طويلة الأمد. فبعد وقت قصير من انتقاد قادته الاعتقالات وتوجيههم دعوة إلى الهدوء والحوار السياسي، وجدت الجمعية نفسها في مرمى الحكومة. وموقعها الإلكتروني هو واحد من العديد من المواقع التابعة للمعارضة التي حظّرتها الحكومة في مطلع أيلول (سبتمبر) الفائت. وقد كان ردّ الوفاق قويّاً، إذ أصدر بياناً في ٦ أيلول (سبتمبر) شجب فيه تجريد المتّهمين من حقوقهم القانونية، وأشار إلى وجود أدلّة عن تعرّضهم إلى التعذيب. في الوقت ذاته، سجّـلت الوفاق قائمة مرشّحين لخوض الانتخابات، ولكن القائمة لم تشمل أسماء ثلاثة نواب حاليين، بما فيهم زعيم المجتمع الشيخ علي سلمان الذي فضّل الابتعاد عن معارك البرلمان. وتسهم حملة التدابير أيضاً في حسم خيارات المجموعات المعارِضة الأخرى، الغاضبة أصلاً من عجز مجلس النواب عن إحداث أيّ تغيير حقيقي منذ العام ٢٠٠٦. فقد ساعدت هذه المشاعر على إعادة إحياء جمعية العمل الوطني الديمقراطي الليبرالية (الوعد)، والمنبر التقدّمي اليساري، اللذين لم يفز أيّ منهما بمقاعد في انتخابات العام ٢٠٠٦. وانتقد التنظيمان أداء الوفاق في مجلس النواب، وتحاول جمعية الشبيبة، التابعة للمنبر التقدّمي، تعبئة الناخبين الشباب للتخلّص من قبضة الإسلاميين على مجلس النواب. وفي أوساط سنّة البحرين أيضاً، برزت مجموعات جديدة، مثل حركة العدالة الوطنية، التي تنتقد الحملة التي تشنّها الحكومة لمنح الجنسية لآلاف السنّة غير البحرانيين. فضلاً عن ذلك، ظهر مرشّحون مستقلّون (معظمهم رجال أعمال) بأعداد غير مسبوقة، وهم يسعون إلى استبدال المشاحنات التي لا تنتهي بين الأفرقاء، بحكومة منظَّمة. وبينما كامل قائمة الوفاق الانتخابية تتألّف من الرجال، تقدّمت بعض النساء النافذات للترشّح مع «الوعد» كمستقلاّت.

السياق الأوسع لحملة التدابير والانتخابات هو مجتمعٌ يشعر باستياء شديد، بسبب غياب فرص التوظيف، ولا سيما للمواطنين المثقَّفين. يتظاهر خرّيجون جامعيون بانتظام أمام وزارتَي التربية والعمل، للمطالبة بوظائف آمنة في الخدمة المدنيّة، وقد سار ألف عضو من الاتحاد العام لنقابات عمّال البحرين باتّـجاه مبنى البرلمان في الأول من أيار (مايو)، للاحتجاج على خسارة الوظائف في قطاعَي البناء والمالية، وللمطالبة بالسماح لموظّفي القطاع العام بتشكيل نقابات. ولا تزال مظالم أخرى مستمرّة منذ وقت طويل تعتمل في النفوس أيضاً، مثل قيام أشخاص نافذين بمصادرة الممتلكات الزراعية والشاطئية بصورة منهجيّة. لم تؤدِّ هذه الممارسات إلى إثراء أفراد العائلة الحاكمة وحلفائهم المقرّبين وحسب، بل تسبّبت أيضاً بارتفاع شديد في أسعار الأراضي.

تزكيات

في غضون ذلك، تواصلت حملة السلطة لترهيب المعارضين بدءاً بعلماء الدين،عن طريق تهديدهم بإمكانيّة سحب جنسيّاتهم تعسّفاً، إذا هم استمرّوا في نشاطاتهم الحقوقية والسياسية غير المنسجمة مع توجّهات السلطة. هذا التهديد اقترن بمواصلة تجنيس آلاف العرب والآسيويين على أساس طائفي وقبلي، واستمرار إغلاق المواقع الإلكترونية، وقمع حرّيّة النشر والتعبير وحرّيّة ممارسة العقيدة الدينية. وفي محاولة التصدّي لهذه الاجراءات المتواصلة، تلاقى ٢٦ مركزاً وجمعية للدفاع عن حقوق الإنسان على إبداء القلق العميق والاستنكار الشديد، لتصاعد الحملة الهوجاء التي أدّت في الأسابيع الأخيرة الى اعتقال المئات من الناشطين السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، والرموز الدينية الشيعية، وتعريض عدد كبير منهم للتعذيب، وفي الوقت نفسه، حثّت المجتمع الدولي على الخروج على صمته، لأن السلطات البحرانية تستهدف بشكل واضح خنق المنظّمات الحقوقية المستقلّة، أو إغلاقها لقطع الطريق على الدور الذي يمكن أن تلعبه في مراقبة الانتخابات، التي يرجّح أن تشهد وسائل فاضحة للتلاعب بالنتائج وتزييف إرادة الناخبين، في إطار السياسات المنتهجة رسمياً، والتي تستهدف الاقصاء السياسي للمعارضة الشيعية كما للمعارضة الليبيرالية .