عصر بيع السكراب النووي لدول الجنوب الغنية

 

كتب الأستاذ منير الشواف مقالاً تحت عنوان : هل انقضى عصر احتكار السلاح النووي ؟ يقول فيه :

سبق أن أكد الرئيس الإيراني أحمدي نجاد مرات عديدة أن بلاده دولة نووية وأن هذا أمر واقع لا يمكن الرجوع عنه، وزاد على ذلك في تصريحه لمحطة التلفزيون الأميركية NBC بتاريخ 17/9/2009 قوله: نعتقد أن السلاح النووي أصبح من الماضي ويعود إلى الجيل السابق، ولا نرى أي حاجة لهذا النوع من الأسلحة.

- مساء يوم الاثنين بتاريخ 21/9/2009 صرح الرئيس الإيراني وبكلمة متلفزة: لن تجرؤ قوة على التفكير في مهاجمة إيران ودعا إلى رحيل القوات الأجنبية من المنطقة، ولقد توافق هذا مع تصريح وكيل الطاقة النووية في إيران علي أكبر صالحي: استطعنا تطوير أجهزة الطرد المركزي المنتجة حالياً إلى أجهزة طرد تنتج خمسة أضعاف، وهذا يؤدي إلى قوة إنتاجية تعادل عشرة أضعاف القوة الحالية من اليورانيوم المخصب.

- وكأن ما ذكره أعلاه كان رداً على تصريح الناطق الرسمي الإسرائيلي أن إسرائيل لا تستبعد القيام بأي عمل عسكري، يؤدي إلى وقف البرنامج النووي الإيراني، وأن إسرائيل لصبرها حدود، ولن تسمح لإيران بامتلاك السلاح النووي.

- المؤتمر السنوي للدول الأعضاء في الوكالة الدولية للطاقة الذرية وعلى غير عادته أعرب عن قلقه العميق بشأن القدرات النووية التي تمتلكها إسرائيل وطالبها بإخضاع جميع مواقعها النووية للتفتيش الدولي، كما أكد بالمؤتمر نفسه المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي خلال مجلس حكام الوكالة بتاريخ 9/9/2009: إن الادعاءات بأن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أخفت معلومات حول إيران هي معلومات سياسية ولا أساس لها.

لا يمكن للمراقب السياسي فهم ما ذكر أعلاه إلا على ضوء تصريحات السيد البرادعي إلى صحيفة ذي جاردين البريطانية بتاريخ 15/5/2009 أن عدد الدول التي يحتمل أن تصبح مسلحة نووياً قد يرتفع إلى أكثر من الضعف في السنوات القليلة المقبلة إذا لم تتخذ الدول الكبرى خطوات جذرية لنزع السلاح، وخصَّ دول الشرق الأوسط في عملها على امتلاك السلاح النووي من قبل 10 – 20 دولة ويشير إلى انهيار النظام الدولي الذي وضع للحد من انتشار الأسلحة النووية، ووصف الشرق الأوسط بأنه قنبلة موقوتة لأن الناس يشعرون بأن حكوماتهم تقمعهم، وبأن العالم الخارجي يعاملهم بظلم.

إن اللغز والخطورة في هذه التصريحات يكمنان في توقيتهما وفي حالة تفسخ النظام الدولي وفي جدوى السلاح النووي الآن كاستعمال عسكري أو سلمي وفي أهمية الأسلحة الجرثومية والفيروسية والكيماوية، ورجحان تدميرها البشري على الأسلحة النووية، ورخص وسهولة الحصول على هذه الأسلحة مقارنة بالسلاح النووي.

فوجئ العالم بالتفجير الهندي منذ سنوات وفوجئ أكثر بالتفجير الباكستاني بعد أيام، ولم يثر المجتمع الدولي وخاصة الأمم المتحدة المعبرة عن لسان الدول الكبرى والمسيرة بتعليمات الولايات المتحدة والحاضنة لها، عما يسمى الآن تخصيب اليورانيوم وإنتاج البلوتونيوم ومن أين حصلت الهند وباكستان على هذه المواد وعلى هذه التكنولوجيا، لا أحد تكلم بهذا الخصوص قبل التفجيرين، ولم نشاهد على التلفاز صور المخابر والمعامل التي ولدت هذه المواد، وكيف أنتجت هذه المواد دون أجهزة طرد مركزي.

الجميع يعلم أن إسرائيل دولة نووية، لأكثر من عشرين سنة ونحن نسمع بمركز (ديمونة) النووي، وأن إسرائيل تملك أكثر من 400 رأس نووي كما يقولون، وأنها فجرت تجاربها في إفريقية بمساعدة الكيان العنصري في جنوب إفريقية سابقاً وبتقنية أوروبية وليست أميركية وأن إسرائيل حاولت التجسس باختراق الأسرار النووية في الولايات المتحدة عن طريق عميلها الذائع الصيت (جوناثان بولارد) الذي لا يزال في السجون الأميركية حتى الآن.

الاتحاد السوفييتي السابق خسر معركة حرب النجوم مع الولايات المتحدة، ليس كما يقولون لأنه لا يستطيع أن يجاري الولايات المتحدة في هذا المجال فقط، بل أيضاً لأن القيادة السوفييتية في عصر (غورباتشوف) ومن سبقوه، لم تجد مبرراً لتطوير أسلحة لا فائدة عملية منها لكونها أصبحت «برستيجاً سياسياً» فقط فاكتفت بتحديث أسلحتها الموجودة سابقاً وصيانتها فهي كافية لتدمير العالم 20 مرة كما يقولون: والعالم لا يحتاج أكثر من ذلك، ولهذا وقع الاتحاد السوفييتي اتفاقيتي سالت (1-2) اللتين ما زالتا حبراً على ورق، وأكدت على هذه السياسة قيادة روسيا (بوتين - ميدفيديف) وانشغلت بصيانة وتطوير أسلحتها الإستراتيجية والذكية والمحمولة.

قيادة ماوتسي تونغ (الصينية) كانت أذكى من الجميع، فقامت بتفجيرها النووي في الستينيات ثم اكتفت بأن أصبحت من نادي الكبار، واحتفظت بقرشها الأبيض إلى يوم أسود كما يقولون، وظهرت نتائج هذه السياسة الحكيمة الآن، حيث المبالغ التي أنفقتها الولايات المتحدة على حرب النجوم كانت سبباً من أسباب الكارثة الاقتصادية السوداء التي تعيشها الآن.

بريطانيا وفرنسا اكتفتا بعدة تفجيرات نووية أبقت هذه التفجيرات لهما على شيء من الكرامة بعد أن مرَّغت الولايات المتحدة بكرامتهما التراب إثر الحرب العالمية الثانية، واحتفظتا كما هو حال كل أوروبا الغربية بالعملات الصعبة والمعادن النفيسة المسروقة من إفريقيا وأميركا اللاتينية وسائر دول العالم منذ عصر القرصنة الغربية المتحضرة وحتى الآن.

جميع أعضاء نادي الكبار النووي، وخاصة الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن والمتمتعة بحق (الفيتو) يدركون، أن (السلاح النووي أصبح نمراً من ورق) كما قال ماوتسي تونغ في السبعينيات من القرن الماضي، حيث الأسلحة الجرثومية والفيروسية والكيماوية هي الأخطر والأرخص من حيث الاستعمال الحقيقي، عندما يتعرض أمن دولة للخطر بشكل نهائي واستئصالي، فهي تشل العنصر البشري وتبقي العمران، وتستمر الأرض في الإنبات، ويمكن بعد استعمالها بوقت قصير استئناف الحياة الإنسانية على وجه البسيطة.

السؤال المطروح الآن بناء على ما تقدم هو، ماذا يمنع الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، وحتى الصين وروسيا، أن تتسابق على بيع المواد النووية المخصبة إلى دول العالم الثالث الثرية، وتهرب لها التقنيات الفنية التي هي ليست بحاجة إلى تهريب بالأساس لأنها موجودة على الإنترنت، وتهرب الخبراء لمساعدتها في الحصول على الطاقة النووية، بحجة الاستعمال السلمي للطاقة، من أصغر دول العالم العربي والإسلامي والدولي، من دولة البحرين إلى تركيا إلى البرازيل، والبرادعي يقصد أمثال هذه الدول وربما أصغر أو أكبر منها عندما قال: عن اهتمام دول كثيرة بالشرق الأوسط بإنتاج أساس السلاح النووي.

- وتوقع البرادعي الوجود الفعلي لدول (نووية فعلاً) أي عندها الإمكانية الآن للقيام بتفجيرات نووية وقادرة على إنتاج (البلوتونيوم) أو اليورانيوم المخصب، وتملك معرفة بكيفية تصنيع رؤوس حربية، لكنها تتوقف قبل مراحل قليلة من تجميع السلاح النووي، حتى تبقى ملتزمة بمعاهدة حظر استعمال السلاح النووي، وربما بعض هذه الدول من الدول العشرين التي تحدث عنها البرادعي.

- بعدما تقدم لا يسع المحلل السياسي إلا أن يصل إلى نتيجة منطقية جداً، ويدل عليها واقع حال تصرفات الدول الكبرى بهذا الخصوص، وهي أن هذه الدول أو بعضها قام بإيصال التقنية النووية وباع اليورانيوم المخصب الجاهز للاستعمال للحصول على الطاقة النووية تحت ستار شعار الاستعمال السلمي للطاقة النووية، لأن الحقيقة التي توصل إليها الجميع، هي أن السلاح النووي لم يعد الحصول عليه من الأسرار، بل إيصاله بوسيلة ما ممكن ومرغوب فيه لمن يملك المال والخبرة من الدول التي يسمونها دول القانون (غير الفاشلة) أي المستقرة، حيث القرار بها سياسي وليس عسكرياً والحكم فيها للشعوب، كما عبر عن ذلك السيد البرادعي، علماً أنه رجل غير سياسي بل هو رجل صاحب مركز تقني، وأنه ما كان له أن يتكلم بالسياسة لو لم تكن عنده تعليمات من بعض الكبار الذين أهّلوه ودعموه لهذا المنصب الذي لا يشغله عربي أو مسلم إلا إذا كان منخرطاً في لعبة الكبار..

النتيجة التي يصل إليها المحلل السياسي من خلال ما ذكر أعلاه، أن دول الكبار عندما لم تستطع أن تحتكر السلاح النووي بسبب تضارب مصالحها في العالم، وهي قادرة على نزع السلاح النووي الإسرائيلي، والزمن تعدى ذلك، فهي تلجأ الآن إلى أسلوب خبيث، وهو بيع الآخرين التقنيات النووية تحت عباءة استعمالها للطاقة السلمية، وسوف يؤسس الكبار بنكاً (لليورانيوم المخصب) يبيعونه للدول الثرية وتحت إشرافهم وقيادتهم (الكونتروليه)، ويعيدون الأموال المتكدسة خارج دائرتهم إليهم، ويحققون هدفاً سياسياً وهو انعدام استخدام السلاح النووي فعلياً نظراً لحيازة الكثيرين هذا السلاح في دول الشرق الأوسط بما فيها الكيان الإسرائيلي، بحيث يجعله موجوداً وغير موجود بآن واحد، ويوقع الجميع بمن فيهم إسرائيل ورغماً عنها معاهدة حظر استخدام الأسلحة النووية، وهذا ما أشار إليه الرئيس الروسي ميدفيديف وكأنه ينطق بلسان حال الدول النووية جميعها، باجتماع الأمم المتحدة مساء يوم الأربعاء في 23/9/2009 حيث قال: يجب أن نصل إلى شرق أوسط خال من الأسلحة النووية وعلى إسرائيل توقيع اتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية بخضوعها للإشراف الدولي للوكالة الدولية للطاقة الذرية.. وهم يطورون أسلحتهم الذكية الاستراتيجية المؤسسة على حاملات الطائرات والصواريخ والقوات المحمولة القادرة على ترويض أي خارج على القوانين التي سيشرعونها للاستعمال السلمي للطاقة النووية، بعد أن يكونوا باعوا كل (السكراب) النووي للدول التي تملك المال بعد فوات أوانها.

منير الشواف محام - دكتوراه في القانون   

وذلك بحسب رأي الكاتب نصاً ودون تعليق في المصدر المذكور .

المصدر:alwatan- 25-10-2009