وفاة ميلوسوفيتش... الدرس الأهم

 

 

بيتر فورد*

 

 

 

وفاة ميلوسوفيتش... و مصير محكمة حرب البلقان

حتى وهو يرحل عن الحياة أصر سلوبودان ميلوسوفيتش على إظهار احتقاره للعالم. فبموته في زنزانة بالسجن قبل إتمام محاكمته بشأن جرائم الحرب المنسوبة إليه في مدينة لاهاي، ضن الرئيس اليوغوسلافي السابق على ضحايا جرائم الحرب بالعدالة التي كانوا يتوقون إليها. وبرحيله عن الحياة علا شأنه لدى الصرب حيث تحول في نظرهم إلى "شهيد وبطل". والأكثر من ذلك جاء موت ميلوسوفيتش المفاجئ مخيبا لآمال الاتحاد الأوروبي في إخراج صربيا من عزلتها الدولية، فضلا عن انعكاس الحدث سلبا على قضية العدالة الدولية التي قامت على فكرة مثول رئيس دولة سابق أمام محكمة دولية لمواجهة تهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية لأول مرة في التاريخ. ومع ذلك يصر خبراء القانون على أن الموت المباغت للرئيس اليوغسلافي السابق لن يهز قيد أنملة المبادئ الراسخة التي كانت وراء محاكمته. ويؤكد هذا الطرح "إدجار شين "المراقب لمحاكمة ميلوسوفيتش على مدى السنوات السابقة حيث قال "لقد أفلت ميلوسوفيتش من الحكم، لكنه لم يفلت من العدالة، فهو لم يقض تحت وابل من الرصاص في بلغراد، ولم يذهب ليستجم في جنوب فرنسا، بل مات في زنزانة بالسجن".

وعثر على ميلوسوفيتش ميتا يوم السبت الماضي في زنزانته بمحكمة جرائم الحرب الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة، حيث قضى أربع سنوات رهن الاعتقال بعدما وجهت إليه تهم تتعلق بارتكاب جرائم ضد الإنسانية. ولم يمهل القدر ميلوسوفيتش الوقت الكافي لسماع الحكم النهائي الذي كان مقرراً النطق به في آخر جلسات المحكمة خلال الشهرين المقبلين. ويعزى سبب التأخير إلى أن ميلوسوفيتش كان يطلب منذ انطلاق المحاكمة تأجيل موعدها بسبب المشاكل الصحية التي يعاني منها، حيث أفاد أطباء مختصون عينتهم المحكمة أنه مصاب بمشاكل في القلب وارتفاع في ضغط الدم. وقد رفضت المحكمة طلبا تقدم به الرئيس اليوغسلافي السابق بالذهاب إلى روسيا للعلاج إذ ارتأت أن العلاج في لاهاي كافٍ وليست هناك حاجة تستدعي المغادرة إلى روسيا. وما إن تأكد خبر وفاة ميلوسوفيتش حتى سارعت رئيسة الادعاء "كارلا ديل بونتي" إلى الإعراب عن أسفها للضحايا "الذين لن يتمكنوا من الحصول على العدالة التي يحتاجونها ويستحقونها". وأضافت أن موت ميلوسوفيتش "يجعل من الملِحِّ أكثر من أي وقت مضى" تسليم بقية الفارين إلى محكمة جرائم الحرب الدولية مثل راتكو ميلاديتش ورادوفان كراديتش.

ومع امتناع صربيا عن التعاون الجدي مع المحكمة الدولية وإلقاء القبض على باقي المتهمين، ضاعف الاتحاد الأوروبي من ضغوطه على بلغراد لتسليم ميلاديتش وكراديتش المتورطين في جرائم حرب أودت بحياة 8 آلاف بوسني من الرجال والأطفال في مجزرة سريبرينتشا. وقد أبدى الاتحاد الأوروبي حزما واضحا تجاه الموضوع، حيث هدد بوقف المحادثات مع صربيا الرامية إلى إقامة علاقات تعاون مع الاتحاد ما لم تسلم المطلوبين إلى المحكمة الدولية في أجل أقصاه 5 أبريل المقبل. بيد أن موت ميلوسوفيتش المفاجئ جاء ليصعب من هذه العملية وليجعل من تسليم المطلوبين أمرا صعب المنال، خصوصا في ظل الشعبية المتدنية للمحكمة الدولية لدى الصرب الذين يعتبرونها معادية لهم، رغم أنها أدانت أيضا بعض الشخصيات الكرواتية والبوسنية. وفي هذا السياق يؤكد "جيمس ليون" المستشار في بلغراد لـ"مجموعة الأزمات الدولية" أن موت ميلوسوفيتش وما سبقه من انتحار لـ"ميلان بابيك" الأسبوع المنصرم، الذي سبق وأن حوكم بتهمة ارتكاب جرائم الحرب، في نفس مركز الاعتقال "تعزز الشعور لدى الصرب بأن محكمة جرائم الحرب الدولية تفتقد العدالة والمصداقية".

من جهة أخرى يعرف الساسة الصربيون، بمن فيهم المسؤولون الحكوميون، أن مهاجمة المحكمة الدولية تزيد من شعبيتهم في الشارع الصربي. وإلى ذلك يشكل موت "ميلوسوفيتش" قبل النطق بالحكم انتكاسة حقيقية لآمال تصالح الصرب في يوم من الأيام مع ماضيهم وإقرارهم بالجرائم التي ارتكبت باسمهم في حق الآخرين أثناء حرب البلقان في البوسنة وكرواتيا وكوسوفو. "إدجار شين"، أحد الخبراء الذين راقبوا المحاكمة أكد أنه "مازالت ثقافة عدم الاعتراف بالجرائم التي ارتكبتها القوات الصربية شائعة". وقد جاء الموت المباغت لرئيسهم السابق ليوجه ضربة قاسية إلى الأمل في تجاوز تلك الثقافة والإقرار بالأخطاء الجسيمة التي ارتكبت في الماضي. وفي استطلاع للرأي أجري مؤخرا في صربيا عجز 50% من الصرب المستجوبين عن تسمية جريمة حرب واحدة ارتكبها قادتهم، حيث تبين أنهم إما لا يتذكرونها، أو أنهم لا يعتبرونها جرائم حرب. ويقول الخبراء إن الطريقة الوحيدة لتغيير مواقف الصرب ووضعهم وجها لوجه أمام الفظائع التي اقترفت هي متابعة محاكمة المتورطين في المحكمة الدولية. لكن يعترف الكثير من الخبراء بأن ذلك لم يحصل بالطريقة الصحيحة، إذ بعد مرور أربع سنوات على انطلاق جلسات المحاكمة ونقلها على شاشات التلفزيون بدأ الناس يفقدون صبرهم ويشككون في مدى قدرة المحاكمة على إثبات أي شيء في النهاية، ووضع إصبعها على الجرائم التي قيل عنها الكثير. ويضيف الدكتور "ليون" أن "ما كان يفترض أن يتحول إلى أهم حدث بعد تفكك يوغوسلافيا وصل اليوم إلى طريق مسدود يصب في مصلحة الدعاية التي أطلقها ميلوسوفيتش".

وللاستفادة من تجربة محاكمة رئيس يوغوسلافيا السابق وعدم تكرار نفس الأخطاء صرح "ريتشارد ديكر"، رئيس برنامج العدالة الدولية في منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" بأن الدرس الأهم "هو عدم إهدار الوقت أثناء المحاكمات والتعجيل في النطق بالحكم"، ويتابع قائلا: "على المحاكمة أن تركز على الجرائم الأكثر تمثيلا للفظائع، وأن توازن بين حق المتهم في الدفاع عن نفسه، وبين مصلحة العدالة في تنظيم جلسات فعالة". لكن إصرار ميلوسوفيتش على الدفاع عن نفسه دون مساعدة المحامين جعل المحاكمة تتأخر طويلا بسبب حالته الصحية التي حتمت تأجيل الجلسات أكثر من مرة. وحتى لا يضيع حق الضحايا في معرفة الجرائم التي اقترفت قررت رئيسة الادعاء "ديل بونتي" أن تختصر التهم المتعددة إلى تهمة واحدة تكون معبرة عن حقيقة ما جرى. أما التفاصيل فقد أكدت أنه سيتم الكشف عنها لاحقا من خلال محاكمة باقي الضباط الصرب الذين كانوا يأتمرون بأوامر ميلوسوفيتش.

*مراسل "كريستيان ساينس مونيتور" في باريس

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-14-3-2006