إدارة أوباما والصراعات الداخلية

 

وفاء قسوم

 

 

يسعى الرئيس الأميركي باراك أوباما لإيجاد المناخ المهيئ لقراراته السياسية لتشكيل مؤسسة خاصة تسهل تنفيذ برنامجه السياسي الخارجي وتدعمه، ولعل الصعوبة تكمن في وراثته لمؤسسة بوش التي عملت في الاتجاه الآخر المناقض لاتجاهه إن كيفية صنع القرار السياسي داخل إدارة أوباما لها تركيبتها الخاصة التي بدأت ملامحها الأولى تظهر في إعادة هيكلة مجلس الأمن القومي مع المجلس الوطني للدفاع وإضافة عناصر جديدة من وزارة الدفاع والخارجية وجعل هذه الهيكلة المدمجة الجديدة برئاسة جيم جنز مستشار الأمن القومي لقد تضاربت الإشاعات والدعايات داخل واشنطن عن وجود خلافات حادة بين أعضاء هذه القيادة الجديدة التي تحتضن شخصيات سياسية عدة كان يمكن لأي منها أن يصبح رئيساً للولايات المتحدة، وهذا يشمل هيلاري كلينتون وروبرت غيتس وآخرين..

ما دفع بغيتس إلى توضيح هذا الأمر في صحيفة واشنطن بوست في 7 حزيران عبر استعراض هذه الحملات الدعائية ومحاولة إضفاء طابع بأنها (مجرد شائعات تأتي من أشخاص في الإدارة ومن مستويات لا تحمل الأهمية).. الأكيد أن إدارة أوباما هي إدارة طموحة في سياستها الخارجية ولديها أرضية خصبة للانطلاق بها عبر برامجها ومؤخراً خطاب الرئيس الأميركي الذي توجه به للمسلمين من خلال انفتاحه على العالمين العربي والإسلامي وإلى إعادة بدء معالجة الملف النووي الإيراني بأسلوب دبلوماسي إضافة إلى الملف الاقتصادي وملف الشرق الأوسط وعملية السلام هذه الملفات المهمة التي تحدد ماهية توجه إدارة أوباما تعترضها معضلة الفريق الذي يعمل على تنفيذ هذه السياسة.. وهذا الفريق إذا ما استعرضنا أركانه الأساسية بدءاً من رام إيمانوئيل وهو رئيس موظفي البيت الأبيض الذي خدم وتبرع بأن يخدم بالجيش الإسرائيلي وديفيد أكسلورد الذي أدار حملة أوباما الانتخابية بالإضافة إلى روبرت غيتس، وهيلاري كلينتون وزيرة الخارجية وسوزان رايس ممثلة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة والتي أعطيت صلاحيات وزيرة، وكانت على علاقة متوترة ومضادة مع كلينتون خلال الحملة الانتخابية.. وجورج ميتشل المكلف بملف الشرق الأوسط وله صلاحيات مستشار رئاسي وهو على تواصل مباشر مع الرئيس وكذلك هولبروك المكلف بموضوع أفغانستان وباكستان وله الصلاحيات نفسها أما دينيس روس والمكلف الملف النووي الإيراني والعراق والشرق الأوسط والمعروف بانتمائه للمؤسسة الإسرائيلية حيث خدم لمدة 12 عاماً مع بيل كلينتون وبوش الابن فهو رغم ذلك لا يمتلك المكانة ذاتها التي يمتلكها السابقون بإدارة أوباما.. ومرجعيته هي هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية، وروس له مواقفه وطروحاته التي تمثل إسرائيل وهذا ما أثار شكوكاً وتساؤلات إن كان هو الشخص الأنسب لفتح علاقات مع إيران.. والسؤال المعضلة هنا هو: كيف يستطيع أوباما أن يتابع مع هيلاري كلينتون التي طفت زياراتها المكوكية على حركتها السياسية؟.. وعلى الرغم من التحذيرات من أن المنافسة ستقوم بين الاثنين فإن مصادر من داخل إدارة أوباما تؤكد أن: هناك حالة من التأزم بـ«طريقة منظمة»، وهي تتحدى الرئيس خلال اجتماعاتها الداخلية حول موضوعات تتعلق بأفغانستان وملف المفاوضات العربية الإسرائيلية وسواها، وكلينتون تلقت دعماً رئيسياً من اليهود في الانتخابات التمهيدية حيث نالت معظم أصواتهم فهل سيستطيع أوباما أن ينجز برنامجه السياسي أمام التلوُّن الواضح في توجهات هذا الفريق؟ أو على الأقل كيف لأوباما أن يضمن ثقة الأطراف الأخرى كإيران مثلاً عندما يفاوضها دينيس روس الذي أصدر كتابه الأسبوع الماضي تحت عنوان «السلام والواقع والخيال» يتحدث فيه عن أساليب تدعو للحرب أكثر منها للسلام مع إيران؟ كما يؤكد ضرورة سير المفاوضات معها على أرضية إبقاء العقوبات التصعيدية وتكريسها والتلويح الدائم بعملية عسكرية محتملة ضدها، فضلاً عن الحديث الإسرائيلي عن إعطاء مدة زمنية محددة لإدارة أوباما للانتهاء من الملف النووي الإيراني... أمام هذه التجاذبات كلها هل سيكون بمقدور أوباما أن ينجز ومن خلال الدبلوماسية الجديدة فرصاً للتواصل وبالتالي السلام؟ وخاصة أنه في خطابه للمسلمين استذكر كلمات «توماس جيفرسون» الذي قال: (إنني أتمنى أن تنمو حكمتنا بقدر ما تنمو قوتنا، وأن تعلمنا هذه الحكمة درساً أن القوة ستزداد عظمةً كلما قل استخدامها).

هذه الرؤية التي يتبناها أوباما تتضارب مع المصالح الإسرائيلية التي تحاول استدراج أميركا لحرب مبهمة النتائج باستثناء واحدة هي إيقاع أميركا في مستنقع جديد في المنطقة! إذاً أمام هذه التشابكات في رؤية الإدارة لملفاتها الساخنة وأمام التضارب في الاتجاهات والرؤى لحلها، هل يستطيع باراك حسين أوباما أن يُقنع الإيراني ويطمئن الآخرين؟.. وقبل هذا أو ذاك هل سيثق أصلاً اللوبي اليهودي الذي بدأ يشهر في وجه أوباما التهمة التقليدية العداء للسامية- بأن الحكم مازال مبكراً، أما المؤكد فهو أن أوباما إن لم يستطع إنجاز هذه الملفات الساخنة خلال العامين الأولين فإنه لن يستطيع لاحقاً وخاصة أن أميركا على أعتاب العام القادم من انتخابات مجلس النواب بأجمعه إضافة لثلث مجلس الشيوخ، وهنا تكون نيّة أوباما بتغيير الواقع الاستراتيجي وإعطاء الدبلوماسية الأميركية وجهاً حضارياً بعدما أدْمَتْها الإدارة السابقة بالحروب والويلات والانهيارات الاقتصادية وخيبات الأمل، تكون هذه النية مرتبطة بالعمل على إيجاد «مؤسسة أوبامية» وبدئ العمل عليها وهذا ما سيضطره إلى دفعه لولاية رئاسية ثانية إذا تحققت، وذلك لإحراز تقدم ملموس بأي المشاريع الطامحة ولإضفاء سياسة جديدة تعوِّض للعالم مسار الأمن والاستقرار، فما يتطلع إليه العرب هو تحقيق دولة فلسطين، فالشعب الفلسطيني تحمّل آلام وويلات الاحتلال على مدى أكثر من ستين سنة وربما هنا يسجل لأوباما أنه أول رئيس يتبنى فكرة المقاومة الفلسطينية لحق مشروع حتى لو كانت على طريقة مارتن لوثركينغ أو مالكاماكس، وعلى مستوى سورية التي لم يتطرق إليها أوباما فإن حق الشعب السوري بإعادة الأرض هو من الثوابت التي لا يمكن أن يتخلى عنها أصحاب الحق والمؤتمنون على القضية.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب نصاً ودون تعليق.

المصدر: الوطن السورية - 1-7-2009