هل التغليف يمثل حلاً مؤقتاً فقط ؟

 

عبد الرحمن حلاق

 

ديالكتيك التغليف:

عرف الإنسان منذ نشأته، أن ثمة الكثير من الأشياء لا يمكن إرسالها، أو تقديمها، أو الحفاظ عليها، إلا إذا غلفت بطريقة مناسبة، وعرف أيضاً أن الكثير من الأهداف لا يمكن تحقيقها، إلا إذا غلفت بطريقة تحقق الغرض منها، أليس حصان طروادة أحد أشكال التغليف هذا؟ بقليل من التأمل يكتشف أيّ منا الانزياحات الدلالية لمعنى التغليف، ولا حاجة بنا للعودة إلى المعجم لمعرفة المعنى اللغوي للمفردة، فهو متاح وبدهي، كذلك لن أذهب باحثاً عن التغليف من حيث كونه ضرورة، لكني سأتوقف عنده من حيث كونه وسيلة، أحياناً تصب في الصالح العام، وتكون غير مؤذية، وأحياناً تصب في الجانب الشخصي، وتحمل بذلك معنى الخديعة، فالمجاملة أثناء الحديث تعد أحد أشكال التغليف الذي يسعى جميع الأطراف للحفاظ على التواصل فيما بينهم، في حين تشكل النعومة واللسان المعسول شكلاً آخر للتغليف عندما لا يكون هناك مجال لاستخدام القوة، ويندرج ضمن هذا الإطار مفهوم الاحتيال بكل تشعباته وتبدياته، أما أعقد حالات التغليف فتتمظهر فيما يسمى بلاغياً بالتورية، وهي أن تأتي بمفردة، لها معنيان، قريب غير مراد، وبعيد هو المراد: أقول وقد شنّوا إلى الحرب غارة: دعوني فإني آكل الخبز بالجبن فالتورية في كلمة (الجبن)، ومعناها القريب الطعام المعروف وهو غير مراد، أما معناها البعيد فهو الخوف وهو مراد الشاعر.بعد انتقال مفهوم التغليف من المادي إلى اللغوي في لغتنا الجميلة، وقد احتاج إلى عدد من القرون ليؤكد حضوره الجمالي في اللغة، وقد بلغ ذروته في القرنين السابع والثامن للهجرة، فانتشر بشكل كبير جداً على ألسنة الشعراء والعامة، وبالتالي استطاع أن يتمركز في صلب النسق الفكري للمجتمعات العربية والإسلامية، ليغدو بعد ذلك واحداً من أهم المحركات الفاعلة في توجيه الثقافة العامة، وهنا بدأ يلعب أحد أخطر أدواره التاريخية، لقد غدا حصان طروادة الشرق. ينطبق هذا على الكثير من التنويريين الجدد ممن يستعرضون عضلاتهم أمام الكاميرات، ثم ينزوون في ظلمة بيوتهم عندما لا يحقق لهم الظهور مصلحة خاصة، كما بات تغليف الأهداف الخاصة للطامعين في السلطة، أمراً بدهياً ومسلماً به، والأذكى هو الذي يختار التورية الأفضل، والغلاف الأنعم والأخطر، من أجل التسلل إلى ما خلف الخطوط، فقد وصل الأمر حدّ تغليف المدنس بالمقدس، لتحقيق هذه الأهداف، وهذه وسيلة مضمونة الجوانب دائماً، طالما لا أحد يستطيع الاعتراض على ما هو مقدس (دينياً أو وطنياً أو قومياً)، وفي الوقت ذاته لا أحد يستطيع إثبات وجود المدنس (المطامع الشخصية والسلطوية) داخل هذا الغلاف، وهذا ما أفرز تاريخاً عريضاً يعج بالشعارات البراقة والأهداف السامية، ثم بعد الانتصارات المجيدة بفترة وجيزة عندما تبدأ السلطة الجديدة بنزع أغلفتها تبدأ بسماع عبارات الإحباط والخديعة (لقد انحرفت الثورة عن الطريق.. الثورة تأكل أبناءها.. )، وتستمر الخديعة الغلافية بما يسمى تصحيح المسار، أو قطار التصحيح، أو الحفاظ على روح ومبادئ الثورة، إلى أن تتكشف الخديعة كاملة، وتبدأ مرحلة جديدة بشعارات جديدة وانهيارات جديدة. إنه ديالكتيك التغليف المستمر، طالما أن النسق الفكري هو الحاكم الأساس.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب نصاً ودون تعليق.

المصدر: awan.com