موسوي يتطور أو ينزوي  وإيران تتجه لأزمة شخصية بين خامنئي ورفسنجاني 

 

 د. سليم الحسني

 

 

ثلاثة تطورات مهمة شهدتها الأزمة الإيرانية في أقل من أربع وعشرين ساعة، تطورات لها دلالتها على مجريات الحدث، وربما تمكن الاستعانة بها لتوقع ما قد يحدث في الأيام المقبلة.أول هذه التطورات تمثل في تصعيد دبلوماسي بين طهران وعواصم غربية، كان أبرز مظاهره تبادل طرد الدبلوماسيين بين إيران وبريطانيا، وهجوم عنيف ضد تصريحات الأمين العام بان كي مون ومواقف الرئيس الأميركي باراك أوباما، ثم إعلان وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي عدم حضوره مؤتمر دعم افغانستان المقرر عقده في ايطاليا، وهي إشارة لا تحتاج تفسيرا بأنها بداية مقاطعة إيرانية مع الدول الغربية، تنذر بتصعيد أكبر ثم الاتهامات الشديدة التي وجهها وزير الداخلية الإيراني صادق محصولي للولايات المتحدة بانها تدعم من سماهم بمثيري الشغب عبر وكالة المخابرات المركزية، وبذلك تكون طهران قد أحرقت رسائل البيت الأبيض الودية بفتح صفحة جديدة من العلاقات بين البلدين.هذه المواقف مجتمعة تشير الى أن المحافظين سيمضون في التصعيد الخارجي، ليتعامل معها الجمهور على أن الأزمة قد اتسعت بشكل كبير، وانها تحولت الى معركة ضد الجمهورية الإسلامية.

- بين خامنئي ورفسنجاني:

التطور الثاني تمثل في موقف المرشح الخاسر محسن رضائي، حيث سحب شكواه بخصوص نتائج الانتخابات، مؤكدا ان ما يجري لم يعد قضية انتخابات رئاسية، إنما هو أبعد من ذلك بكثير، في إشارة مباشرة الى أن المقصود هو موقع «الولي الفقيه» وأن نتائج الانتخابات ما هي إلا واجهة لمعركة أكبر يحركها الإصلاحيون ضد التيار المحافظ وقد صاغ رضائي عبارته بدقة الخبير السياسي الذي يعرف كيف يتعامل مع أزمة حساسة، كالتي تمر بها البلاد، فهو أراد أن يزيل الغطاء الضبابي عن حقيقة التوجهات، ليجعل قادتها في مواجهة مكشوفة بعضهم مع بعض. والمقصود بخطوته هذه هو الشيخ هاشمي رفسنجاني، الرابح الأكبر حتى الآن من الحدث المتفجر بمعنى أن المحافظين يهمهم الآن جعل المواجهة مباشرة مع رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام، ولو تم ذلك فإن قادة المعارضة سيتراجعون الى الوراء، وستنحصر الأزمة بين الرمزين الكبيرين: خامنئي ورفسنجاني وهذا هو أفضل وضع يخدم المرشد الأعلى، لكن القضية هي: هل يمكّنهم رفسنجاني من تحقيق هذه الرغبة، فينجر الى مواجهة معلنة ذات طابع شخصي؟ أمر يصعب الركون اليه لمن يعرف مقدرة رفسنجاني على التعامل مع الأزمات، فهو يعرف أين يضع قدمه، وكيف يخرج من الحصار بحركات رشيقة تميز بها طوال تجربته السياسية الطويلة.

ثالث التطورات التي شهدتها إيران، خروج الولي الفقيه عن صمت الأيام القليلة الماضية، وإعلانه أمام حشد من اعضاء مجلس الشورى أنه لن يرضخ للضغوط، حيث قال: «لقد أكدت وسأظل أؤكد تنفيذ القانون في المسألة الانتخابية.. لن ترضخ المؤسسة ولا الأمة للضغوط مهما كان الثمن». عبارات قوية لا تقبل التأويل بأنه متمسك بالرئيس أحمدي نجاد حتى النهاية، وأن على المعارضة أن تتعامل مع هذه الحقيقة مهما كانت النتائج. وليس مستبعدا أن المرشد قد أقدم على هذه الخطوة المتشددة بعد أن اطمأن الى تماسك قوات الحرس الثوري، وقدرة الأجهزة الأمنية على ضبط الشارع، وهي نقطة جوهرية تحدد مواقفه تجاه الحدث.

- موسوي على حافة التراجع :

السياق العام لهذه التطورات الثلاثة، يشير الى أن الأزمة تتجه نحو تجاوز مشكلة الانتخابات، لتصل الى مديات أبعد وأكثر أهمية، حيث ستكون مواجهة بين أهداف الإصلاحيين وبين ثوابت المحافظين. وهنا ستكون صلاحيات «الولي الفقيه» هي محور الحراك السياسي الإيراني في الفترة المقبلة الى جانب ذلك، ليس أمام مير حسين موسوي سوى شهر واحد على أقصى تقدير، ثم تدفع به التطورات بعيدا عن الواجهة، فعندما يؤدي المرشح الفائز احمدي نجاد اليمين الدستورية أواخر الشهر المقبل، تكون معركته قد بلغت النهاية، بحكم الدستور والأمر الواقع، ولو تم ذلك، فان أفضل ما يمكن أن يحصل عليه أن يكون شخصية ثانوية تحتمي بحركة الشيخ رفسنجاني الرجل الذي لا يتسرب اليأس الى قلبه ومما يعزز هذا الاتجاه أن موسوي لم يستطع في أيام الأزمة الأولى ان يكون صاحب مبادرات متجددة، إنما اكتفى بالاستجابة لردة الفعل وانتظار ما يمكن أن يفعله رفسنجاني. وهذا يعني أن تجربته السابقة كرئيس وزراء وما تلاها من انتظار طويل، لم تغير من الرجل شيئا، ولم تصنع منه رجل مناورات بحجم التعقيد الإيراني. ولعل لجوءه الى تقديم تقرير يتحدث عن المخالفات التي رافقت عملية فرز الأصوات، دليل على هذا الرأي، فأزمة بهذا الحجم لا تحسم بتقرير من ثلاث صفحات، وكأن الرجل لم يستطع ان يعرف معنى أن يكون رمزاً للمعارضة.هذه النقطة تقود الى طرح توقع كبير، بأن موسوي سيكون أول ضحايا هذه الأزمة، وخاسرها الأكبر، ما لم يبادر الى خطوة عاجلة يوظف بها الشعبية التي اكتسبها في أوساط المعارضة، ليصل الى مستوى المواجهة مع المرشد الروحي.في ضوء ذلك، هل يمكن القول إن رفسنجاني استطاع أن يدفع بالمرشحين الخاسرين (موسوي وكروبي) الى معركته الشخصية، فيصنع منهما واجهة تحرك الاحداث، ليظهر بعد ذلك كصانع للحدث الإيراني، وكزعيم إصلاحي يرسم مستقبل البلاد؟ حتى اللحظة، كل المؤشرات تدل على ذلك. فتحركات رفسنجاني في قم ولقاءاته المستمرة مع كبار العلماء، واحتجابه عن الظهور الإعلامي، تشير الى أنه بصدد مشروع ضخم، والمعروف أنه يمتلك صبرا طويلا، وانه ميال الى كسب الوقت عندما يريد أن يصمم أمرا كبيرا.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب نصاً ودون تعليق.

المصدر: القبس - 26-6-2009