حدود خلاف أمريكا وإسرائيل حول استخدام القوة ضد إيران

 

أحمد زكريا الباسوسي

 

 

أثارت المناورات العسكرية التي بدأتها القوات المسلحة الإسرائيلية ظهيرة يوم الأحد الموافق 31 من مايو الماضي تحت اسم "نقطة تحول3"، والتي تُعتبر من أضخم المناورات التي قام بها الجيش الإسرائيلي في السنوات الأخيرة، مخاوف عدة قوى دولية سواء أكانت ذات مواقف مناوئة لإسرائيل كإيران وسوريا وحزب الله، على اعتبار أنها تُمثل جرس إنذار لها أو أحد السيناريوهات القابلة للتطبيق معهم في حالة عدم استجابتهم للمطالب الإسرائيلية، ذلك على الرغم من تأكيد المسئولين الرسميين الإسرائيليين لاسيما رئيس الوزراء المتشدد "بنيامين نيتنياهو" ووزير الخارجية "أفيجدور ليبرمان" أن الغرض منها هو اختبار مدى جاهزية الجبهة الداخلية وليس لشن هجوم على أي دولة من دول المنطقة ويضيف المسئولون الإسرائيليون أنها تأتي في إطار النشاطات الاعتيادية الرامية لإعداد قوات الجبهة الداخلية لمواجهة أي حالة من حالات الطوارئ، ولا علاقة لها بأي معلومات استختبارتية متوافرة لدى الحكومة الإسرائيلية. كما أنها أثارت حفيظة الولايات المتحدة على اعتبار أنها قد تجعلها في موقف حرج حالة خوض إسرائيل حرب مع أحد دول المنطقة مما قد يُورطها في حرب جديدة دفاعًا عن إسرائيل، لاسيما مع تزايد التهديدات الإسرائيلية بشن حرب إحهاضية على المنشآت النووية الإيرانية، والذي سيتبعه رد إيراني قاسٍ على الهجمات العسكرية الإسرائيلية فمقاربة إدارة أمريكية جديدة تجاه عدد من قضايا منطقة الشرق الأوسط تختلف عن مقاربة الحكومة الإسرائيلية الجديدة اليمينية برئاسة "نيتنياهو" لها، لاسيما قضيتي الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، والمقاربة الأوبامية تجاه البرنامج النووي الإيراني القائمة على إعطاء أولية للقوة الناعمة والحوار على القوة العسكرية التي تفضلها الحكومة الإسرائيلية الجديدة، وهذا الاختلاف جلي في تصريحات مسئولي الطرفين وفي لقاء باراك أوباما مع نيتنياهو في البيت الأبيض منتصف الشهر المنصرم.

مقاربة جديدة أساسها القوة الناعمة :

منذ بزوغ الإرهاصات الأولى للحديث حول البرنامج النووي الإيراني في عام 2003 بعد إرسال جماعة "مجاهدي خلق" المعارضة للنظام الإيراني صورًا لبعض المواقع والأنشطة النووية غير الخاضعة للمراقبة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بدأت الولايات المتحدة التشكيك في النوايا الإيرانية واتهمت طهران بأن برنامجها ليس لأغراض سلمية كما تدعي، إنما ذات أغراض عسكرية تهدف لإنتاج وتطوير الأسلحة النووية. وعليه قامت الولايات المتحدة بقيادة هجمة شرسة على النظام الإيراني تمثلت في وصفه بأنه أحد أقطاب دول محور الشر ومن أكبر داعمي الإرهاب وفى هذا الإطار، شهدت العلاقات الأمريكية - الإيرانية توترًا بالغ الخطورة وصل إلى تهديد الولايات المتحدة بقيادة الرئيس السابق جورج بوش وإدارته إيران باستخدام القوة العسكرية وأن جميع الخيارات قائمة في مواجهة الخطر النووي الإيراني في حالة عدم انصياعها لمطالب المجتمع الدولي بالتخلي عن برنامجها النووي العسكري.

في سياق ليس ببعيد، حاولت الولايات المتحدة حشد القوى الدولية المختلفة لاسيما الأوروبية منها للضغط بهدف إحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي لاتخاذ التدابير اللازمة للحد من الخطر الإيراني، وبالفعل استطاعت الولايات المتحدة ذلك، إلا أن النظام الإيراني قد ضرب عرض الحائط بكافة القرارات الدولية في هذا الشأن. وأعلنت أنها سوف تمضي قدمًا في برنامجها النووي على اعتبار أنه ذات طبيعة سلمية وأن من حقها امتلاك التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية المتمثلة في توليد الطاقة الكهربائية، مستبعدة أن يكون له أي أغراض عسكرية كما اعتمدت الولايات المتحدة أيضًا على سياسة الترهيب تجاه دول الخليج حيث استطاعت إقناعهم أن إيران تسعى لامتلاك أسلحة نووية مما سيؤثر على أمن المنطقة بأثرها مستغلة في ذلك العلاقات التاريخية المتوترة بين نظام طهران والنظم الخليجية وبوصول أوباما إلى البيت الأبيض في أوائل العام الجاري، أعلنت الإدارة الأمريكية إمكانية القيام بحوار مباشر هي وأطراف دولية أخرى وهي الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا، مع إيران بدون شروط مسبقة ـ على خلاف إدارة بوش والتي طالبت طهران بضرورة وقف برنامجها النووي قبل خوض أي مفاوضات معها ـ يقوم على تبادل وجهات النظر حول الملف النووي الإيراني.

فضلاً عن تقديم حوافز ومساعدات ذات طبيعة اقتصادية لنظام طهران في حالة تخليه عن الأبعاد العسكرية لبرنامجها النووي، والالتزام بكافة القرارات الدولية وقيام بخطوات ملموسة على هذا الدرب. وبالتالي يكون أوباما وإدارته قد اعترفوا بحق طهران في تطوير تكنولوجيا نووية سلمية كما أكد وود روبرت المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، أن قبول طهران لتلك المفاوضات وتسوية المسألة النووية بشكل يقوم على التعاون وليس الصدام سوف يمثل فرصة سانحة لإعادة إدماج إيران في المجتمع الدولي، كما سيكون له أثر كبير على حدوث انفراج للعلاقات المتشابكة بين إيران والمجتمع الدولي. وفى السياق ذاته أكدت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون ضرورة خوض مفاوضات جماعية مع طهران في القضايا التي تخص مصالح الولايات المتحدة والعالم بأثره مع إيران على المنوال ذاته، أكدت كلينتون في خطاب لها أمام لجنة الاعتمادات بمجلس الشيوخ الأمريكي على أن إدارة أوباما تعارض بشدة امتلاك طهران قدرات نووية عسكرية وأنها تسعى لتحقيق هذا الهدف عبر الأساليب الدبلوماسية السلمية ذلك لأنه سيمثل خطرًا محدقًا وأن النظام الإيراني لابد أن يتخلى عن برنامجه النووي العسكري حتى يشعر بالأمان. كما أكدت على أن توقيت تلك المباحثات لم يُحدد بعد ولكنه لن يكون بأي حال من الأحوال أثناء فترة الانتخابات الرئاسية الإيرانية المقرر لها في الثاني عشر من يونيو الجاري.

المخاوف الإسرائيلية من البرنامج النووي الإيراني :

لم يختلف الموقف الإسرائيلي كثيرًا- من حيث الهدف - عن نظيره الأمريكي خلال فترتي حكم الرئيس السابق جورج بوش، حيث أكدت إسرائيل مرارًا أن البرنامج النووي الإيراني يهدف لإنتاج الأسلحة النووية وأنه يمثل خطرًا داهمًا ليس فقط على إسرائيل وإنما على كافة دول المنطقة، وقد بلغ ذلك التصعيد ذروته بعد وصول الرئيس الإيراني "محمود أحمد نجاد" إلى رئاسة إيران، وإدلائه بتصريحات عدائية تجاه كل من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية وصلت لحد التهديد بتدمير إسرائيل كلية. وتأسيسًا على ذلك، حاولت إسرائيل إقناع الولايات المتحدة بضرورة استخدام الحلول العسكرية تجاه إيران نظرًا لما تمثله من تهديد لأمنهما القومي إلا أنها لازالت غير قادرة على ذلك. وفى هذا السياق، أكد وزير الخارجية الإسرائيلي "أفيجدور ليبرمان" في معرض جولته الأوروبية الأخيرة على أن إيران هي المشكلة الأولى الآن في منطقة الشرق الأوسط وأن سعيها لامتلاك الأسلحة النووية سيكون عاملاً سلبيًّا على السلام والاستقرار في المنطقة. هذا أيضًا ما أكد عليه الرئيس الإسرائيلي "شيمون بيريز" في خطابه أمام لجنة العلاقات العامة الأمريكية - الإسرائيلية (إيباك) في واشنطن حيث قال: إن إسرائيل لن ترضخ للطموحات النووية العسكرية الإيرانية.

- اتفاق في الهدف واختلاف في المقاربة :

مخطئ من أن يظن العلاقات الاستراتيجية الأمريكية - الإسرائيلية الطويلة والوطيدة يمكن أن تتأثر بالاختلاف في أسلوب كل منهما في التعامل مع طهران وبرنامجها النووي، ولهذا يمكن أن نصف ما حدث من اختلاف في وجهات النظر بين الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي في لقائهما في البيت الأبيض في منتصف الشهر المنصرم على أنه" اختلاف يُولد من رحم الاتفاق"، فكل منهما متفق على ضرورة أن تجمد طهران برنامجها النووي ذي الأبعاد العسكرية باعتباره يمثل خطرًا داهمًا لأمن منطقة الشرق الأوسط بأكملها وليس لإسرائيل وحدها، هذا ما قد أكد عليه رئيس الوزراء الإسرائيلي "نيتنياهو" في مستهل زيارته لواشنطن ولقائه "أوباما".تجدر الإشارة هنا إلى أن الخلاف جاء في لهجة الحوار فقط وليس المضمون، فالرئيس أوباما وجد أن الحلول الدبلوماسية قد تكون بمثابة العصا السحرية لحل الأزمة ولهذا أكد على أنه على الولايات المتحدة وحلفائها في المجتمع الدولي التركيز على المساعي الدبلوماسية التي تأخذ شكل مفاوضات جماعية ومباشرة مع طهران والتي قد تسفر عن أحد أمرين؛ الأول: تقديم حوافز لها في حالة الاتفاق على تفكيك البرنامج العسكري، والثاني: فرض مزيدٍ من العقوبات في حالة المضي قدمًا فيه. أما على الصعيد الإسرائيلي أكد نيتنياهو على نفس المضمون الأمريكي ولكن بصورة أخرى وهي أن إسرائيل لن تقف مكبلة بالأغلال أمام مساعي طهران في تطوير الأسلحة النووية، وهو ما يصب في الاتجاه الأمريكي ذاته حول ضرورة تجميد طهران لبرنامجها النووي ذي الأغراض العسكرية لكن ما يحسب للرئيس أوباما هنا ليس الدعوة لاستخدام السبل الدبلوماسية مع إيران لأنها هي التي فرضت نفسها نتيجة لعدة أحوال أبرزها؛ القوة العسكرية الإيرانية سواء على المستوى التقني أو البشرى، ورد الفعل الإيراني المتوقع في حالة تعرضها لأي اعتداءا ت عسكرية، ولكن الأهم من ذلك هو رفضه لفكرة نيتنياهو حول الربط بين تحقيق السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين وبين انتهاء أزمة البرنامج النووي الإيراني. وفى هذا السياق أكد أوباما على أن السلام الفلسطيني - الإسرائيلي يقع في إطار تحقيق الأمن لكل من الشعبين حتى لو لم تسع طهران لتطوير أسلحة نووية.

ملاحظات ختامية :

ومن هذا الاختلاف في المقاربة الأمريكية والإسرائيلية تُثار خمس ملاحظات أساسية، نجملها في:

أولاً: إن الرفض الأمريكي لاستخدام القوة العسكرية ضد إيران ونهج السبل الدبلوماسية من جانب آخر ينبعان بالأساس من عدم رغبة الولايات المتحدة من خوض حروب جديد في هذا التوقيت تحديدًا خاصة مع زيادات الخسائر التي تكبدتها سواء في الأرواح أو الأموال في كل أفغانستان والعراق. فضلاً عن قناعتها أن استخدام القوة لم ولن يحل أي مشكلة على الساحة الدولية وهذا يتفق مع ما صرح به الرئيس أوباما في خطابه للعالم الإسلامي من القاهرة في الرابع من الشهر الجاري.

ثانيًا: إن سياسة الولايات المتحدة تجاه طهران لم تتغير بتغير الإدارة من بوش إلى أوباما، فكل من الإدارتين يسعى للهدف ذاته وهو تفكيك والقضاء على البرنامج النووي الإيراني لكن كل منهما يتبع أدوات مختلفة، فإدارة بوش كانت تعتمد على التهديد ولم تستبعد استخدام القوة العسكرية، أما أوباما وإدارته فقد اعتمدت على سبل حوار والضغوط الدبلوماسية والسياسية. والحقيقة أن هذا الأمر كان متوقعًا قبل وصول أوباما لسدة الحكم على اعتبار أنه ينتمي إلى الحزب الديمقراطي بمبادئه المعروفة التي تقوم على الحوار والسبل الدبلوماسية وليس القوة العسكرية.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب نصاً ودون تعليق.

المصدر:  taqrir.org