عولمة الهند المعتدلة  

 

أرفيند سوبرامانيان*

 

 

البلدان التي حصلت عــلى الكثير من رؤوس الأمــوال الأجنبية أو اعتمدت بشكل مفرط على الصادرات كانت الأكثر تضررا وقــد تجنبت الهند هــذين الخيارين المتطرفين

الفوز الكبير الذي حققه حزب المؤتمر الوطني في الانتخابات الهندية الأخيرة شكل مفاجأة مزدوجة فالسياسة الهندية الحديثة تتميز بنزعة قوية مناهضة للنظام القائم، والأزمة المالية العالمية تسببت بمتاعب للكثير من الحكومات الأخرى في الانتخابات في كل أنحاء العالم. صحيح أنه قبل حدوث الأزمة، نعمت الهند بخمس سنوات من النمو الاقتصادي الأسرع في تاريخها، الذي وصلت نسبته إلى 9 بالمائة, أي بقدر الصين تقريبا لكن كان يمكن للأزمة العالمية أن تمحو كل الذكريات الجميلة بسهولة غير أن ذلك لم يحدث، لسبب أساسي واحد: وهو أن الهند لم تكن مفرطة الحماسة للعولمة.

الأزمة التي بدأت في الولايات المتحدة انتشرت عبر مسارين: المسار المالي والمسار التجاري. فالبلدان التي حصلت على الكثير من رؤوس الأموال الأجنبية ــ مثل بلدان أوروبا الشرقية ــ شهدت اضطرابات كبيرة في سعر صرف عملاتها وقيمة أصولها وأنظمتها المالية عندما سُحبت رؤوس الأموال هذه إلى أمكنة أكثر أمانا. والبلدان التي كانت تعتمد إلى حد كبير على الصادرات ــ مثل سنغافورة وتايوان والصين ــ عانت أيضا عندما انهار الطلب الأجنبي وقد تمكنت الهند من تفادي هذين الخيارين المتطرفين، لأنها اتبعت استراتيجية يمكن تسميتها بـ"العولمة المعتدلة" لم تعتمد بإفراط على رؤوس الأموال الأجنبية أو على الصادرات. من الناحية المالية، وعلى عكس بلدان أوروبا الشرقية التي كان عجز ميزانيتها يفوق نسبة 10 بالمائة من ناتجها المحلي الإجمالي، لم يتجاوز عجز الهند 2 إلى 3 بالمائة من ناتجها المحلي الإجمالي. كما أن الهند حمت نفسها بدهاء من الاضطرابات من خلال زيادة حجم احتياطيها من العملات الأجنبية ليصل إلى نحو 315 مليار دولار، وهو من بين الأعلى في العالم. نتيجة لذلك، عندما حصلت الأزمة، تمكنت الهند من توفير الدولارات للمستثمرين الذين كانوا يبيعون الأصول المسعرة بالروبية ويطالبون بأن يدفع ثمنها بالدولار. هذا طمأن المستثمرين، ودفع الكثيرين منهم إلى إبقاء أموالهم في الهند.من الناحية التجارية، لم تبلغ قيمة صادرات الهند من السلع والخدمات أكثر من نحو 20 بالمائة من قيمة اقتصادها، مقارنة بنحو 45 بالمائة في الصين و100 بالمائة في بلدان أخرى من آسيا. لذا عندما انهار الطلب الأجنبي على المنتجات، كانت الهند أقل تضررا بكثير. في الواقع، بين مارس 2008 ومارس 2009، تمكن اقتصاد الهند من النمو بنسبة 6.7 بالمائة، وهي أعلى بكثير من نسبة نمو معظم البلدان الصناعية.

هنا يجدر التساؤل هل كان كل هذا نتيجة لاستراتيجية متعمدة, وهل كان رئيس الوزراء مانموهان سينغ يستحق الثناء لاتباعه هذا المسار الوسطي فيما يتعلق بالعولمة. فتحديد النوايا أو الأهداف شديد الصعوبة دائما عندما يتعلق الأمر بنظام سياسي ضعيف وغير مركزي كالنظام الموجود في الهند. لكن لا شك في أن نيودلهي اختارت عمدا اتباع مقاربة ثابتة وتدريجية فيما يتعلق بالإصلاحات بشكل عام والعولمة بشكل خاص. وعلى حد قول مونتيك أهلواليا، أحد كبار صانعي السياسات الاقتصادية في الهند: في السياسة الهندية، هناك إجماع قوي على إصلاحات ضعيفة.هذه المقاربة تنطوي على بعض المساوئ أيضا. فهي تعني أن الهند لم تستمتع قط بالمنافع ــ مثل ازدياد الفعالية والإنتاجية اللتين تؤديان إلى معدل نمو أعلى ــ التي يمكن أن توفرها الإصلاحات الشاملة. لكن كان لها أفضلية كبيرة لأنها وفرت الاستقرار عندما ساءت الأمور. لعل أفضل مثال على كيفية حدوث ذلك يتجلى في النظام المصرفي الهندي، الذي لاتزال الحكومة تملك ثلاثة أرباعه. خلال الأزمة، البنك الوحيد الذي كان معرضا لخطر جدي بسبب امتلاكه أصولا خاسرة كان بنكا خاصا. والبنوك الحذرة التي تملكها الحكومة الهندية لم تشتر أيا من هذه الأصول الخطرة، لذا تمكنت من توفير ملاذ آمن للمودعين الهاربين من النظام الخاص.الآن وقد حقق سينغ فوزا ساحقا في الانتخابات، يتوقع الكثير من المراقبين أن يتخلى عن حذره ويمضي قدما في إحداث تغييرات جذرية. في الواقع، قد يحاول إجراء إصلاحات أكثر جرأة، مثل تطوير البنى التحتية وزيادة الاستثمارات الأجنبية في القطاعات الرئيسية لكن النظام السياسي الهندي يشتمل على عوائق كثيرة، مما يجعل التقدم السريع غير محتمل. غالبا ما يقال إن النظام السياسي في البلد يملك عجلات عربة يجرها ثور ومكابح سيارة رولز رويس. مهما نجح سينغ في إحداث تغييرات، فلن يتمكن أبدا من جعل العربة بكاملها تشبه الرولز رويس. لكن البلد سيرضى بكل سرور بسيارة نانو: وهي السيارة الهندية الثورية التي يبلغ ثمنها 2.000 دولار والبعيدة كل البعد عن الفخامة لكنها تجسد مقاربة البلد المتواضعة والناجحة.

* أحد كبار الأعضاء في معهد بيترسون للشؤون الاقتصادية الدولية

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب نصاً ودون تعليق.

المصدر: Newsweek