الأمن الفكري وإنتاج الحياة

 

علي حسين عبيد

 

 

عنوان هذا الموضوع عند قراءته قد ينطوي على تحرّز فكري يشي بنوع من الانغلاق على الذات، وربما يكون مبررا للشعوب أن تسعى لتحقيق أمنها الوطني مثلا، عبر سعيها لصنع جدار أمني فكري عازل يجعلها بعيدة عن التواصل مع الثقافات الأخرى، ويقودها إلى التقوقع والانحسار والابتعاد عن الآخرين غير أن ما نعنيه هنا بالامن الفكري، ليس له أية صلة بالعزلة الفكرية أو الابتعاد عن جدل الحياة، بل ما نعنيه هو كيفية صناعة حراك وتلاقح متواصل تتمخض عنه منظومة فكرية سياسية اجتماعية تعليمية واسعة تحفظ وتحقق للشعب أو الامة نوعا من الحياة الايجابية القابلة للتعدد والتطور والتجدد الدائم.

الامن الفكري يعني وجود منظومة فكرية سليمة وصحية تنمو بشكل صحيح بعيدا عن امراض التطرف والتشدد وقمع الآخر، ولو تأملنا مختلف الحروب والنزاعات المسلحة العنيفة لوجدناها تنتج في مجتمعات تفتقد للامن الفكري، ولحرية وتنوع الآراء، وسلمية التداول والبحث والحوار ولعل هذا يعني في ما يعنيه فتح ساحة الجدل المتنوع أمام الجميع، والشروع بعملية حوار انساني قائم على القبول بالآخر حتى لو كانت الأفكار والتوجهات متقاطعة مع بعضها، بمعنى أن الامة أو الشعب القائم على التعدد الفكري وحرية الرأي والانطلاق بمناقشة جميع المحاور والمجالات الانسانية الهادفة إلى صالح الانسان، هو النموذج الأمثل في صناعة جدل الحياة لذلك فإن ما نعنيه بالأمن الفكري هو أن يعمل المعنيون (مثقفون وعلماء وسياسيون وغيرهم) على صناعة وترسيخ مثل هذه المبادئ والاجواء الفكرية التي تساعد على خلق حراك قائم على الحوار والتعدد والقبول بجميع الاطراف وإن كان التقاطع والاختلاف احد الروابط المشتركة بينها لذا فإن الامن الفكري يتيح للجميع دخول ساحة الجدل والإدلاء برأيه والسعي لإثبات صحته استنادا إلى قاعدة (الاقناع والمصلحة البشرية)، وان الاختلاف بين الآراء والطروحات سمة إنسانية ينبغي أن تتوفر على حرية الرأي وقبول الآخر واحترامه، فليس بالضرورة أن يكون رأيك هو الأصح من بين الجميع وليس بالضرورة إن يكون رأيي أنسب الآراء وأكثرها دقة، بل الصحيح هو أن تدلي بدلوك وتسعى لإثبات رأيك وفق صيغ الحوار والقبول أو الرفض السلمي وأنا أفعل الشيء نفسه، بمعنى إن الامن الفكري سيكون هنا بمثابة الحاجز الذي يمنع من تحول صراع الأفكار وجدلها إلى حالة صدام أو اقتتال، مما يؤدي الى انتاج حالة التطرف الفكري التي تهدف الى الغاء الغير عبر اللجوء إلى استخدام القوة.

لذلك فإن سعي الامة أو الشعب إلى تحقيق أمنها الفكري سيجنبها بالدرجة الاولى حالة الاصطراع الفكري (المسلح) ونشوء حالات التطرف، حيث جميع أشكال الحوار متاحة في ظل التعدد والتنوع والتلاقح والتقاطع والرفض والقبول السلمي لهذا الفكر أو ذاك، على أن يبقى التقاطع والاختلاف (المسلح) بين الأفكار خطا أحمر لا يجوز الوصول إليه مطلقا وهنا تستوقفنا ظاهرة التكفير التي تظهر هنا أو هناك أو بين هذه الفئة أو تلك ولعل الحاضنة الأنسب لها هي مجتمعات الكبت السياسي والفكري والتعليمي في آن، لذلك تنهض هذه الظاهرة وتنمو وتتقاطع مع الأفكار الأخرى إلى درجة الالغاء (والقتل) المبرر وفقا لما تطرحه تلك الأفكار، فالشعوب الأحادية الفكر والتوجه (لاسيما في الفكري السياسي) ربما تكون المنشأ الأوحد لمثل هذه الأفكار المقصية لغيرها ولو باستخدام العنف المسلح، كما إن الغياب الكلي لتعددية الآراء واعتماد القمع السياسي والتطرف الفكري والانغلاق التعليمي وغيره، كلها عوامل مساعدة لنمو هذه الظاهرة القائمة على نبذ الحوار ونبذ التلاقح الفكري والاعتداد القاطع بالذات، من هنا تبدو الحاجة إلى الأمن الفكري غاية لامناص من الوصول إليها وستبقى التعددية والقبول بالآخر هي الركيزة الاساس التي تؤمّن فرص الوصول إلى بناء الامن الفكري الذي يقي من تحول حالة الجدل الفكري إلى صراع مسلح، بكلمة اخرى إن السعي لبناء تعددية سياسية وفكرية بل وفي عموم مجالات الحياة ينبغي إن تكون الهدف الاول مع مراعاة الحذر من خطر الذوبان الثقافي الذي يصل إلى حد إلغاء الهوية، حيث ينشط الجدل الفكري إلى أقصاه ليتمخض عن منظومة فكرية سلوكية تضع الجميع في ساحة عمل واحدة وعودا على بدء، فإننا لا نعني بالأمن الفكري، بناء الحاجز الذي  يمنعنا من التلاقح مع الثقافات الانسانية الأخرى بل هو ما يتيح لنا تعددية ضامنة تدرأ عنا خطر الأحادية الشاملة التي غالبا ما تقود إلى صناعة الطغاة وانتاج التطرف والعنف سواء في المجال السياسي أو غيره، لذا نعتقد بأن تحقيق ركيزة الامن الفكري تعتمد على خطوات عدة يكون من بينها ما يلي:

- المساعدة على ترسيخ مبدأ التعدد وحرية الرأي والقبول بالآخر.

- رفض الكبت السياسي أو الفكري أو غيرهما لتجنب نتائجه التي ستطول شتى مجالات الحياة.

- انتهاج مبدأ التعدد في مجالات الحياة كافة وفسح المجال امام التشارك الفكري بما يتيح ويمهد لانتاج منظومة سلوك اجتماعية متحضرة.

- رصد بؤر انتاج الأفكار المتطرفة والمنحرفة والضالة (كالتكفير) وغيره والعمل على التدخل السلمي في تغيير قناعاتها من خلال سحبها إلى ساحة الجدل والحراك الانساني الواسع.

- أن يكون العمل وفقا لهذه الطروحات بمنأى عن حالة التذويب الثقافي الذي يهدف إلى مسخ الهوية.

- أن يقوم المعنيون بصياغة خطط فكرية عملية تهدف إلى تحويل الكلمات والافكار إلى برامج عمل ملموسة وإن حدث أو يحدث ذلك وفقا لمبدأ التدرج المرحلي في تحقيق الاهداف المبتغاة.

- ترسيخ صناعة وبناء الافكار بالاعتماد على الافكار الايجابية ورؤى الحياة،كعملية انتاجية مستمرة من خلال المدارس والمؤسسات ووسائل الاعلام والدورات التدريبية والتأهيلية، خصوصا عند الشباب الذي يبحث عن قناعات وافكار تملأ روحه ونفسه الجائعة للحياة.

- عقد المؤتمرات والملتقيات التي تناقش اسباب فقدان الامن الفكري ونشوء التطرف والتشدد.

- اجراء الاستبيانات الميدانية التي تستكشف انواع الافكار الموجودة في المجتمع وطرق واساليب التفكير، مما يمهد لمعرفة مستوى الامن الفكري المنشود في المجتمع وهكذا نستطيع إن نقول بأن الامن الفكري هو صمام الامان الذي يدرأ خطر الوقوع في فخ الاحادية السياسية أو غيرها، فكلما توسعت ساحة الجدل واستوعبت العدد الاكبر من الأضداد كلما كانت أكثر قربا من الثبات والتطور والنجاح، واكثر بعدا عن التطرف والعنف والمليشيات المسلحة والطغيان، وهي مفاهيم تنتج الموت والدمار والبؤس وتكرس الكراهية والحقد والانتقام والثأر ان توفير الامن الفكري في مجتمعاتنا سيساهم في احتواء التطرف وسيؤدي الى انتاج الحياة الايجابية القائمة على الابداع والتطور والتعايش والشراكة، وازدهار الاقتصاد والمعرفة والتطور الحضاري.

المصدر: annabaa