في العراق : آفة الفساد

 

 جابر حبيب جابر

 

 

آفتان نخرتا وتنخران جسد العراق، هما الإرهاب والفساد، وهما متلازمتان، فالإرهاب عاش ومول نفسه ولو جزئيا من موارد الفساد، بل وفي أحيان كثيرة مثل الباعث الغاطس وراء العنف، في حين أن الفساد وجد له البيئة المثلى في مناخات العنف، وإذا كان الإرهاب قد انخفضت معدلاته إلى حدود بات يمكن التعايش المضطر معها، ولا أقول المقبول لها، ولكون أن بعضا من الإخفاق في إنهائه يعود لسبب أن العوامل المنشطة والمفعلة له ليست كلها داخلية، لكن هذا ليس هو الحال مع الفساد الذي في غالبيته شأن داخلي، وبالتالي ليس من المقبول العجز أمامه، إذ هما الاثنان يشتركان في أن لا نهوض للعراق ولا تعافي له دون معالجتهما، وهاتان المشكلتان ليستا همّا نخبويا فحسب بل يقعان كأولوية لجميع العراقيين، حيث في استطلاع أجراه المركز الوطني للإعلام قبل انتخابات مجالس المحافظات مطلع هذا العام، وهو كان أكثر الاستطلاعات وثوقية ودقة في نتائجه، أظهر أن الأمنية المُجمع عليها بين العراقيين هي الرغبة في أن تتصدى الحكومة لمثلث أضلاعه الخدمات والإرهاب والفساد، وكون أن لا قيام للخدمات بوجود العنف والفساد فإن سلم الأولويات يعود واضح ولا جدال فيه.فهل التقط مجلس النواب سلم أولويات انشغال المواطن، وبات قريبا، كما يفترض، من شارعه بمباشرته بفتح ملفات استجواب عن فساد وعن سوء إدارة وضعف أداء، ولكن الذي يثار على ذلك أن مجلس النواب قد صحا قليلا متأخرا بعد مضي ثلاث سنوات، وعندما لم يبق من عمره إلا شهور، فضلا عن اكتناف ذلك شكوك من البعض تجاه الدوافع، بأنها تخفي مناكفة وكيدية سياسية، وهي ركوب لموجة السخط الشعبي، وتستبطن أغراض الكسب الانتخابي، وتستهدف إعاقة الحكومة وأضعافها، بغية إيصالها إلى الاستحقاق الانتخابي في نهاية العام وهي فاقدة لبريقها ومتجردة من منجزها، من جهة أخرى فإن أية ممارسة إذا أريد لها أن ترسخ حكم المؤسسات وتنشط أجهزة الرقابة الديمقراطية، عليها أن تكون شاملة وليس انتقائية، وأن تتجنب النزوع إلى الإثارة والكسب الإعلامي والتسقيط السياسي، وأن تتقيد بإجراءات التقاضي واحترام مهمة القضاء، وأن لا تهدر الكرامات وأن لا تكون جسرا للابتزاز السياسي أو المصلحي مع ذلك أيا كانت الشكوك بالدوافع، فإنه يجب أن يتقدم عليها الحفاظ على المال العام وصون الثروة العامة، وبذا تتقدم أولوية محاربة الفساد على أي حسابات انتخابية أو على الولاءات الحزبية، خصوصا في بلد كبلدنا لا يأكل الفساد من رفاهه أو من الفائض عن حاجته أو المدخر لأجياله بل هو يعيش على ضروريات الكفاف وعلى فاقة الأيتام والأرامل ودواء المرضى ويقلص من فرص العيش بإنتاجه المثبطات الطاردة لأي أفق تنموي ويزيد درجة عدم التيقن في الاقتصاد ويزيد من عدم فاعليته ويعيق إعادة الإصلاح الاجتماعي، كما يقوض في طريقه الشرعية الحكومية، وبالتالي فإنه باختصار يغلق المستقبل.

طالما ردد في تبرير أسباب الفساد بأنه تركة ثقيلة من النظام السابق، إن صفحة النظام السابق هي بلا شك من السوء بمكان، بحيث إنها ليست بحاجة إلى تهمة لكي تزيدها سوادا ولا أن من شأن إنقاصها أن ينصع صفحته، لذا فالإنصاف يقتضينا الاعتراف بأن هذه هي أخف تركات النظام السابق ثقلا، فالفساد كان منحصرا آنذاك بالأسرة الحاكمة ودائرة ضيقة من المنتفعين حولها، أما باقي حلقات الدولة التنفيذية فإنها كانت لا تعرف ذلك إما لكوابح ذاتية أو خوفا من العقوبات الصارمة التي توقع عليها، أما كظاهرة متفشية فهي لم تعرف إلا على المستويات الدنيا حيث إن الموظفين في الحكومة والمنتسبين في أجهزتها لم يكونوا يستطيعون العيش إلا بممارسة أعمال ثانية أو من خلال الرشوة، وهنا لسنا بالطبع بوارد المقارنة بل الإشارة إلى أن الفساد الأخطر ليس على مستوى المسؤولين الصغار، بل ذاك الذي في آلة الدولة الذي يلتهم مئات الملايين وملياراتها الضرورية لكي ينهض المجتمع في حين يمكن عزو الأسباب والمناخات المساعدة على الفساد، بأنها غالبا ما تتركز في تلك الدول التي انخرطت في حروب أهلية واضطرابات أو أعمال عنف بين المكونات المجتمعية، والتي خرجت من حربها ببنية تحتية مدمرة، كما أن الفساد عادة يتزامن مع تدفق الأموال والخدمات، حيث يبدأ الفساد بالتفشي في المراحل الأولى من إعادة البناء، ويصعب كبحه والسيطرة عليه عند الافتقار إلى وجود الأنظمة المتطورة والفعالة القادرة على إدارة الأموال الكبيرة الموظفة للإصلاح والتطوير، مع ضعف الأنظمة المصرفية وانعدامها وغياب الأدوات الإدارية والمالية، والخبرات التقنية اللازمة لإدارة مشاريع إصلاح بتكاليف عالية، لذا يلحظ عدم قدرة الدول الخارجة من النزاعات والدول النامية على حد سواء من تطوير اقتصاد سليم وحكومة فاعلة، إلا أن هناك من يذهب أبعد ويبعث على التيئيس عندما يعتبر أن الفساد مترسخ في الدول النامية بسبب جذوره الحضارية الضاربة وأيضا في البيئة الأخلاقية والمنظومة القيمية لها.

بالعودة ، فنجد أن اللافت هو التوظيف السياسي لفتح ملفات الفساد، حيث بدت وكأنها موجهة للحكومة بمسئوليتها التضامنية، في حين يتم التناسي أن الحكومة القائمة هي في غالبيتها ممثلة لأحزاب، والتي طالما كانت تحمي وزرائها، بجانب أن الأغلبية التي تستند عليها هذه الحكومة هي هشة وقلقة، وهذا مما لا يتيح لرأس الحكومة المجازفة بإعفاء أي من وزرائه لاتكائه على أغلبية كتلهم الضرورية لبقاء الحكومة من جهة، وإدراكه من جهة أخرى بأنه سيمر بجولة مساومات ومن المرجح في النهاية أن يفشل في تمرير البدلاء حتى وإن نجح في مسعاه في الإقالة، لذا فلا مناص له من أن يقضي ما تبقى من الدورة الحكومية بطاقم وزاري لم يكن له اليد في اختياره ابتداء، على أمل في تغير الخارطة السياسية وتبلور وعي سياسي أوسع عند ذاك.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب نصاً ودون تعليق.

المصدر: الشرق الاوسط اللندنية - 24-5-2009