باحث سعودي يرصد أسباب سقوط النخبة العصرانية 

 

عبدالله السمطي

 

العصرانيون عمقوا التخلف وأورثوا الأمة حالة من الفوضى

باحث سعودي يرصد أسباب سقوط النخبة العصرانية وتعملق الصحوة الإسلامية

* النخبة العصرانية تتوالى انكساراتها، ويعلن كثير من روادها إفلاسها تحت عناوين: السقوط، والأزمة، والفشل.

* الباحث يرى أن غالب وزارات الثقافة، ومجالسها، وجمعياتها أبعد المؤسسات عن الدين.  

* الانتلجنسيا بحثت عن كل الوسائل التي تجعلها في قمة السلطة، ففي الحياة البرلمانية لجأت إلى القوى التقليدية – القبلية والدينية- وفي حالة الدكتاتورية قدست الحكام.

* النخبة الإسلامية تعاني من  اعتماد المطلقات والشعارات التعبوية، والرفض للوافد الغربي.

عبدالله السمطي من الرياض:  قليلة هي الكتب التي تصدر عن المكتبة الفكرية السعودية التي تناقش ظواهر معرفية وثقافية تترى في مجال الفكر العربي، وربما ذلك يعزى إلى انشغال المثقفين والأكاديميين السعوديين بقراءة الظواهر الاجتماعية المحلية، أو قراءة الأدب المحلي أكثر من اقترابهم من الإشكاليات الثقافية العربية العامة، كما أن إسهامهم الثقافي في مجال الفكر العربي غير ملموس تماما حين تجري المقارنة بينهم وبين نظرائهم في الشام أو مصر أو بلاد المغرب العربي وفي السنوات الأخيرة تلك التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر على الأقل، استهلت بوادر المشاركة الفكرية السعودية في قراءة الظاهرة الثقافية العربية، أعني أن ثمة مجموعة من الكتاب والأكاديميين بدأت تقرأ هذه الظاهرة متأثرة بتداعيات الأحداث العربية والعالمية، فأسماء مثل: تركي الحمد، وعبدالله الغذامي، ومجاهد عبدالمتعالي، ويحيى الأمير، وعلي العميم، وزكي الميلاد، وإبراهيم البليهي، فضلا عن بعض الكتاب الذين شهدوا تحولات فكرية عميقة في توجهاتهم الأيديو- ثقافية  مثل: مشاري الزايدي، منصور النقيدان، خالد الغنامي، الذين بدأوا في مساءلة مختلف التوجهات الفكرية العربية بوعي جديد، انعكس على ما يطرحونه من آراء في الصحف اليومية.

في هذا السياق الذي يسائل الثقافة العربية الراهنة، من وجهة أكاديمية، يأتي كتاب الدكتور عبدالرحمن بن زيد الزنيدي، أستاذ الثقافة الإسلامية بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية:" المثقف العربي بين العصرانية والإسلامية" الصادر عن دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، الرياض 1430هـ - 2009م وهو كتاب يثير عددا من الأفكار والآراء الجديرة بالتأمل.يتناول الكتاب بشكل جوهري حالة ما يسميه بالنخبتين: النخبة العصرانية والنخبة الإسلامية، وهو يطرح بداءة صورة هاتين النخبتين الآن، بعد أن يقدم مهادا تاريخيا موجزا حول بروزهما وتطورهما عبر العقود الماضية منذ بدايات القرن العشرين الميلادي حتى اليوم. ويرى المؤلف - في معرض مقارنته بين النخبتين- أن النخبة العصرانية في العالم العربي بتعدد أيديولوجياتها، وعلى مستوياتها الفكرية والتطبيقية تتوالى انكساراتها، ويعلن كثير من روادها إفلاسها تحت عناوين: السقوط، والأزمة، والفشل أما النخبة الإسلامية - وحسب المؤلف - وبفعل هذا الانهيار، وتعملق الصحوة الإسلامية- عودة إلى الدين، وتطلعا لنهوض حضاري مرتكز على الإسلام - تكثَّف حضورها، وانفتحت أمامها مجالات الحراك الثقافي بأوسع من قدرتها الاستيعابية، ما حفزها نحو محاولة إفراز رواد في قيادة النهوض الحضاري للأمة ويستدرك الكاتب على توصيفه النخبة العصرانية ب" الانكسار" قائلا: لكن إفلاس النخبة العصرانية لا يعني نهاية وجودهم في الساحة، ولا التوقف عن الأداء الثقافي، وإن كان في مسارات أخرى، خاصة محاولات اختراق الصحوة، ومواصلة التفكيك الثقافي للمجتمع العربي، واستثمار هيمنة الليبرالية.

تساؤلات ملحة:

يتشكل الكتاب من فصلين يحتويان على سبعة مباحث، ويدور حول العناوين التالية: الثقافة، المثقف، النخبة المثقفة، الصنعة الفكرية، مرجعية القرآن والسنة، فقه الدين، فقه الواقع. وينطلق المؤلف في كتابه - من وجهة منهجية - من بعدين:

البعد النظري، حول الثقافة في موقعها الأساس في المجتمع، و" المثقف" من حيث هو لقب لشخصية لها مقامها الريادي في المجتمع، نظرا في مفاهيمه، وفي العناصر التي لا يكون الشخص مثقفا بدونها، صنعة فكرية، وواقعية اجتماعية، ونزعة نقدية، ثم " المثقف المسلم" الذي يفترض بالمنتمي للإسلام شخصيا، وهو ذو صنعة فكرية، وواقعية اجتماعية أن يكتسبه، ولاء ثقافيا للإسلام، وقناعة بمنهجه، وفقها فيه، وتنزيل قيمه على الواقع الذي هو ميدان حركته بصفته مثقفا أما البعد التطبيقي فهو- حسب المؤلف- تأمل في النخبتين: العصرانية والإسلامية، في عالمنا العربي من حيث تحققها بمواصفات النخبة المثقفة المستحقة لريادة الأمة في نهوضها الذي تتطلع إليه.يطرح الكتاب مجموعة من الأسئلة الراهنة الملحة، وهو وإن كان ينطلق من نظرة مؤلفه التي تنحاز إلى ما يسميه ب" المثقف المسلم"، والتي لا يتسنى الوثوق بها منهجيا، على اعتبار أن الثقافة الغسلامية تعد واحدة من المكونات الثقافية المهمة، لدى ما يسميه الكاتب ب" المثقف العصراني"، لكن هذه الأسئلة تطال النخبتين معا وهو يستهل بتعريف للثقافة، التي تستند بالأساس على تعريف إدوارد تايلر:" ذلك المركب الذي يضم المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والتقاليد والعادات، والقدرات الي يكتسبها الإنسان من حيث هو عضو في المجتمع" وينتقل في موازة ذلك إلى تعريف الثقافة الإسلامية التي تستند على تفسير الوجود والقيم والنظم بصورة شمولية مستمدة من تعاليم الغسلام في القرآن الكريم والسنة النبوية ويطلق الكاتب سؤال الثقافة الإسلامية في مواجهة الثقافة العصرانية، وهو يرى أن العلاقة منفصمة بين الثقافة العربية وبين الدين، وأورث ذلك " أن أصبحت غالب وزارات الثقافة، ومجالسها، وجمعياتها أبعد المؤسسات عن الدين، والفاعلون فيها من أشد الناس انفصاما عن دينهم" - ص 22ويطالب الكاتب بالاستفادة من الثقافة العالمية بما يتفق ومقتضيات معايير الثقافة الإسلامية، مع تجديد شامل للثقافة الإسلامية بحيث تستوعب أيضا معطيات العلم التجريبي.

وعي النخبة المثقفة:

في تعريفه للمثقف يتكىء الكاتب على جمل من التعريفات في الثقافتين العربية والغربية، ويستشهد بتعريفات من شيلر، وماكس فيبر، ولويس فوير، وبارسونز، وإدوارد سعيد، وإيليا حريق، وشهيدة الباز، وبرهان غليون، وهشام شرابي، وهي تعريفات تؤكد على التميز المعرفي، وعلى العلاقة بين المثقف والمجتمع، فالمثقفون حسب ماكس فيبر،: هم مجموعة من الأشخاص الذين تمكنهم قدراتهم ومواهبهم الخاصة من النفاذ إلى منجزات ذات قيمة ثقافية، فيما يعرف إدوارد سعيد المثقف بأنه فرد يتمتع بموهبة خاصة تمكنه من حمل رسالة، أو تمثيل وجهة نظر، أو موقف، أو فلسفة، أو رأي وتجسيد ذلك والإفصاح عنه إلى مجتمع وتمثيل ذلك باسم هذا المجتمع" وبناء على ذلك يحدد المؤلف جملة من العناصر الأساسية لشخصية المثقف تتمثل في: الصنعة الفكرية، والتكيف الشخصي وفق المستوى المعرفي الذي يحمله، وامتلاك رؤية تشتمل على منظومة مفاهيم في تفسير الوجود والكون والإنسان، والواقعية الاجتماعية، والنزعة النقدية ويطرح الكاتب سؤالين على درجة من الأهمية على الرغم من تكرارهما في أدبيات الكتابة العربية حول المثقف، وهما هل يكون المثقف مسلما وليبراليا أو اشتراكيا أو وجوديا في الوقت نفسه؟ وما الفرق إذن بين المثقف المسلم والمثقف الإسلامي؟ وفي معرض إجابته عن هذين السؤالين يربط الكاتب بين عقيدة المثقف، على اعتبار أن المثقف المسلم هو المستجيب لله قولا وفعلا، استجابة قائمة على قناعة عقلية ووجدانية، وما عدا ذلك فهو " كافر" إذا أنكر ما جاء من عند الله وهو يطالب أن تصاغ كل المناهج مثل الليبرالية والديمقراطية وغيرهما في ضوء قيم الإسلام وحاجات المجتمع. / ص.ص 44- 45

وعلى الرغم من اعتراف الكاتب بدور النخبة العصرانية في بعث جوانب من التراث العربي المدفون، وإحياء اللغة العربية، وتأسيس المدارس الحديثة والجامعات، وتكوين الأحزاب المناهضة للاستعمار، فإنه يتهم هذه النخبة اتهاما خطيرا يتمثل في أنها أورثت الأمة " ما تعانيه من فوضى، وتخبط، وتيه، وسرعة انحدار، إن النخبة العصرانية لم يتحقق فيها أي من سمات المثقف الإيجابية، ولم تتقدم بأمتها في المسيرة النهضوية خطوة إلى الأمام" / ص 74 ويدلل المؤلف على هذا بأمرين، الأول: أن واقع الأمة العربية والإسلامية في كل شؤون حياتها حاضر مشهود للجميع، هذا الواقع الذي انتهت تلك النخية إليه بعد قرن من إمساكها بأزمّة قيادتهاالثقافية والاجتماعية، في أغلب مجتمعاتها، حيث السقوط الحضاري الشامل، وتعميق التخلف، ويعدد الكاتب مظاهر هذا السقوط الشامل في السقوط الحضاري، والاجتماعي، والثقافي الذي لم يستطع أن " يؤسس هوية تمثل الأمة بين الأمم، مما جعل الأتباع تائهين في عالم التمايز الأممية والتكتلات، وأحال النخبة نفسها سلعة تباع وتشترى للتجار من كل صنف" وهو سقوط سياسي، وعسكري، وسقوط معنوي " حطم آمال النهوض لدى الأمة".

هذه الرؤية السوداوية جدا، تسببت فيها النخبة العصرانية!!

والدليل الثاني الذي يسوقه المؤلف يتمثل في الاعترافات الصريحة من قبل عامة رواد هذه النخبة بالفشل الشامل، وبانتقادهم المقومات الأساسية للشخصية الثقافية الريادية لديهم، وبعدم تحقيق أي رسالة نهضوية لمجتمعاتهم، وبوقوعهم أسرى للنواقص الفكرية، والسلوكية تقليدا، واجترارا، وانتهازية، وشللية مقيتة، واحتقارا لمجتمعاتهم " / ص 80 ويستند المؤلف على عدد من المراجع التي تؤكد ذلك في كتابات لسعد الدين إبراهيم، وبرهان غليون، وتركي الحمد، وعلي حرب، وتركي الربيعو، وأحمد موصلي، وهشام شرابي، وجابر عصفور، والطاهر لبيب، وعبدالإله بلقزيز، وينقل عن حيدر إبراهيم علي قوله:" إن الانتلجنسيا بحثت عن كل الوسائل التي تجعلها في قمة السلطة، ففي الحياة البرلمانية لجأت إلى القوى التقليدية – القبلية والدينية- وفي حالة الدكتاتورية قدست الحكام" فضلا عن اتسامهم بالتذبذب الذي يجعل بعض أفرادها يغيرون مواقعهم الفكرية كما يغيرون أحذيتهم " / ص 86 .

عشيرة المثقفين الرّحّل:

ينقل المؤلف آراء ناقدة لللنخبة العصرانية، منها على سبيل المثال ما يذكره عبدالإله بلقزيز عن أخلاق المثقفين العرب حيث يرى " أن قسما من هؤلاء المثقفين لم تكن تحصيناته ودفاعاته الأخلاقية من القوة بحيث تزوده بأسبا الحماية من إغراءات المال، والنفوذ، وإغراءات التسلق، والوصول السهل، لقد تبين أن كثيرا منهم لا يجد حرجابأن يشتغل مع علي ومعاوية، وأن ينتقل بحرية من موقع سياسي وفكري إلى موقع، كما ينتقل من رصيف إلى رصيف... هي الأخلاق إذن، لقد انهارت أخلاق الالتزام لدى عشيرة المثقفين الرحل". ويتحدث علي حرب عن العمالة والسمسرة التي ينتقدها المثقفون ولكنهم والغون فيها، فالساحة الثقافية مليئة بالوسطاء والسماسرة، كما ينقل عن سعد الدين إبراهيم قوله:" لقد خنا الأمانة المعلقة في أعناقنا كطلائع وكضمائر لشعوب الأمة" أما عن النخبة الإسلامية فالكاتب لا يعني بها الحركات السلفية، ولا الحركات التحريرية التي أصبحت تاريخا، بل يعني بها " النخبة الحاضرة اليوم البارزة إثر سقوط النخبة العصرانية". وهو يرى أن هذه النخبة الإسلامية هي الآن في مرحلة الإقبال على تجربتها الثقافية الحضارية، فهي نخبة ما تزال في طور النشوء والتشكل ويؤكد المؤلف على أن مما يشهد به لهذه النخبة: الإخلاص للأمة، وطلب الخير لها، والرغبة في بذل الجهد لإعلائها يمثل المنطلق المشترك للمثقفين الإسلاميين على اختلاف نظراتهم، ومواقعهم. كما يشتركون في القناعة الكاملة بالإسلام، بصفته المبدأ الأسمى لتحقيق الرشاد في حياة الأمة، كما خلقت هذه النخبة " ثقافة شرعية" استطاعت أن تحرر كثيرا من من المسلمين من الخرافات وصنوف الجهل، وقاومت " الغزو الثقافي" وتهيئة الأمة نفسيا للنهوض، وبعث حركة الاجتهاد الديني، والتدرج المتوازن بين المثالية والواقعية، ورد الاعتبار العلمي للنص الديني الأساسي: القرآن والسنة لكن ما تعانيه النخبة الإسلامية – حسب الكاتب – يتجلى في اعتماد المطلقات والشعارات التعبوية، والرفض للوافد الغربي، وفكرية الإصلاح ونتيجة للإقصاء الذي مورس ضد الخطاب الإسلامي فقد انحصر هذا الخطاب في فئة الأتباع أي بشريحة محدودة، وبطريقة تدريسية، وليست مواجهة مباشرة مع أطياف المجتمع المختلفة ويرى الكاتب أن مقتضى التجديد المطلوب لخطاب النخبة الإسلامية يتمثل في تجاوز المطلقات والشعارات العامة لأنظمة الإسلام والحلول الجاهزة التي وضعت للحياة البسيطة السابقة نحو الإجابات التفصيلية المبرمجة على مطالب الواقع الراهن بتجدده المتسارع، وقبول الوافد الحضاري وصياغته في صور إسلامية، وتسريع حركة الخروج من زاوية الإصلاح الفكري فقط نحو ترقية الحياة البشرية بمختلف جوانبها إسلاميا ومصلحيا.

آفاق الخصام

ينتقد الكاتب التأويلات الي جاء بها كل من الطيب تيزيني وونصر حامد أبو زيد، وحسن حنفي ومحمد أركون من جهة تعدد التأويلات لأحكام النص القرىني، وهو يرى أن هذه القراءات والتأويلات " تفسر القرآن وشريعة الغسلام بما يخرجها عن أن تكون الغسلام الذي يعرفه المسلمون حيث تصوغه صياغة ماركسية، أو استشراقية، أو غيرها مما هو نشاز ظاهر، أثار بعضه ضجة انتهت بالحكم بالردة على بعض رواده، وهو نصر حامد ابو زيد في مصر، ومثل ذلك محمد شحرور في كتابه:" القرآن والكتاب: قراءة معاصرة" وخليل أحمد خليل، ومحمد عيتناني، ومحمد سعيد العشماوي وينحاز المؤلف للرؤية السلفية التي تنطلق من القرآن والسنة، في تلقي العقائد والقيم، وهو حين ينتقد " النخبة العصرانية" لا يتمثل بعض الجوانب المضيئة لدى هذه النخبة إنما يعمم السقوط والفشل الحضاري على مختلف عناصرها، كما أنه لا يقف عند الخلفيات الاجتماعية والعناصر السياسية والدولية التي أسهمت في عدم تجلي مشروع نهضوي واضح لدى الأمتين العربية والإسلامية كما أن الكاتب يتمثل قدرا كبيرا من المثالية  والتعميم والنظر للأمور من معايير خارج إطا ر المنهج العلمي الفلسفي، وهي أمور نراها لدى ما يسميهم ب" النخبة الإسلامية" التي تنطلق من خطاب أو لنقل من أفق فكري يتماهي مع ما تجيء به التيارات الإسلامية المختلفة وعلى رأسها التيارات السلفية.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب نصاً ودون تعليق.

المصدر: إيلاف - 23-5-2009