صفقة الإمارات: ثمن السياسة!

 

 

علي ابراهيم

 

 

محافظ البنك المركزي الإماراتي محق في انتقاده للأسلوب الذي جرى به التعامل في الولايات المتحدة مع صفقة موانئ دبي، التي كانت تتضمن 6 موانئ أميركية، باعتبار أن الصفقة خلطت فيها التجارة بالسياسة، بما يضر بحركة التجارة والاستثمار ورؤوس الأموال في الاسواق العالمية.

فقد أخذت هذه الصفقة أبعادا تتعدى حدود الطموح التجاري لشركة موانئ دبي التي اشترت شركة «بي اند او» البريطانية بحوالي 7 مليارات دولار في اطار خطة توسع عالمية، وحولها أعضاء مجلس النواب والكونغرس الى كرة في حلبة السياسة الداخلية الأميركية.

والحقيقة أن الصفقة صادفها سوء حظ أكثر من أي شىء آخر، فهي كانت يمكن أن تمر بهدوء كصفقة تجارية عادية لا تسترعي انتباه غير المستثمرين والاسواق، لو كانت قد جاءت في وقت آخر، ولكن يبدو ان سوء الحظ هذا، جاء نتيجة عدة ظروف تجمعت في وقت واحد، وجعلت الصفقة تقع في مهب رياح السياسة الداخلية الاميركية. فمن جهة هناك المخاوف الأمنية للرأي العام الأميركي بعد 11 سبتمبر من أي شىء عربي أو إسلامي، بينما يستعد أعضاء مجلس النواب لانتخابات التجديد النصفي، ويريدون الظهور بمظهر المدافع عن الأمن الأميركي، حتى لو أدى ذلك الى تصادم بين الجمهوريين وادارة الرئيس بوش المؤيدة للصفقة، والتي اعتبرت أن موقف النواب يرسل اشارة خاطئة الى العالم العربي والاسلامي والمستثمرين.

وقد كان موقف موانئ دبي حكيما منذ بداية إثارة الأزمة، عندما عرضت اولا مهلة اضافية للقيام بمراجعة أمنية، بهدف طمأنة النواب الاميركيين ثم أخيرا بعدما ظهر أن الضجة لا تريد أن تنتهي من خلال بيانها بالتخلي عن عمليات الموانئ الستة الاميركية، وعرض بيعها إلى شركة أميركية.

ومن المتوقع أن يؤدي الاجراء، الذي اعلنته الشركة المشترية الى تهدئة الازمة، لكن لا يخفى ان هناك مرارة في الحلوق تظهر من خلال تصريحات هنا أو هناك، فالسبب الرئيسي في الضجة التي أثيرت حول الصفقة، هو جنسية الشركة اكثر من أي شىء آخر، والمخاوف التي أثيرت ليس لها أي مبررات عاقلة في ضوء أن أية شركة ستخضع في النهاية الى اجراءات الأمن الأميركية، ومسألة التملك هي قضية استثمارية في المقام الأول قبل أن تكون إدارية.

وبتخلي موانئ دبي عن الموانئ الأميركية الستة في الصفقة، فإنها تكون قد دفعت ثمنا سياسيا لشيء لم يكن في بالها أو يدخل ضمن حسابها، وهي الصورة التي كونت عن العرب والمسلمين بعد 11 سبتمبر، والتي تكرّسها كل يوم التفجيرات وقطع الرؤوس، والبيانات الملتهبة في الفضائيات إلى آخر القائمة، التي لا تعبر سوى عن أقلية ضئيلة للغاية، لكنها نجحت بشكل أو آخر في تصدر المشهد وإعطاء الانطباع بأنها تيار عريض.

لقد ارسلت الضجة التي أثيرت حول صفقة موانئ دبي في أميركا رسالة مزعجة وخاطئة، خاصة أن متلقي الرسالة هي دبي نموذج النجاح الاقتصادي العربي، والذي يعد الرد الحقيقي على تيارات الظلامية والتطرف.

لكن الرسالة يجب أن تدق جرسا ايضا في العالم العربي، بأن عدم محاصرة تيار الظلاميين، الذي يشوه صورة المنطقة، سيجر الكثير من المشاكل والخسائر للمنطقة.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-14-3-2006