الشاشة الإسفنجة

 

خيري منصور

 

 

هناك ثلاث حكايات على الأقل عن الإسفنجة قبل أن تتحول الى شاشة فضائية أو أرضية

الحكاية الأولى تعلمناها منذ بواكير الصبا عندما قيل لنا إن الحمار الذي كانت حمولته من إسفنج وكان يسخر من زميله المحمل بالملح، عوقب عندما قطع الاثنان نهراً صغيراً، فقد ذاب الملح وامتلأ الإسفنج بالماء، ومن كان يضحك أصبح يبكي بعد أن تبادل الاثنان الأدوار والحكاية الثانية اقتصادية من صلب السياسة، حيث لم يجد الخبير الاقتصادي السابق في البنك الدولي هانكوك مثلاً أفضل من الإسفنجة لوصف الوسطاء والعملاء والسماسرة الذين تمر عبرهم مساعدات الشمال للجنوب فقد امتص هذا الإسفنج ذات يوم خمسة وأربعين مليار دولار، تاركاً خمسة عشر دولاراً فقط لأكثر من ملياري جائع ومشرد والحكاية الثالثة عن الإسفنجة، لا يعرفها من يقل عمره عن الخمسين، خصوصاً في عواصم عربية تعج بالأندية الليلية والساهرين، ففي الهزيع الأخير من الليل لا يبقى على الموائد سوى ما يلطخها من البقايا، بحيث تدور الإسفنجة لامتصاص ما تبقّى من البقع وللإسفنجة الليلية زبائنها من المتشردين والأفاقين الذين تتحول أفواههم ذات الأسنان النخرة الى أوعية لنفايات الليل وَعُلبه السوداء كان علينا أن نتذكر هذه الحكايات عن الإسفنج ذي الأفواه التي لا تحصى والفاغرة على الدوام قبل أن ننتقل الى ما تمارسه بعض الشاشات من مهام امتصاصية لغضب الناس ومن تبديد مجاني لانفعالاتهم، فهي تقدم جرعات متعاقبة من التخدير الموضعي للجرح، لكنها تضاعف من حالة التهيج والتقيح التي تتفاقم في باطنه، وفلسفة الإسفنج هذه عرفتها وسائل إعلام في دول شمولية وأخرى ذات مزاعم بالشفافية، وكان الكاتب والفيلسوف هربرت ماركيوز أول من افتضح المصاهرة الإسفنجية بين النظامين الرأسمالي والشيوعي، عندما دان في معظم كتبه حالة الاغتراب التي يعيشها إنسان ذو بعد واحد في كلا النظامين وكان المفكر ويلهالم رايش قد فعل ذلك أيضاً لكنه عوقب مرتين، واتهم بالجنون لأنه زاوج في نقده بين عاصمة الشيوعية وعاصمة الرأسمالية في ذروة الحرب الباردة إن مهمة الإسفنجة المتلفزة تتلخص في ثلاث نقاط، الأولى أنها تبدو موضوعية ودقيقة وأمينة في نقل الواقع كما هو، والثانية أنها تعفي نفسها من أية مسؤولية وطنية أو قومية بحجة الحياد المطلق والنزاهة الإعلامية.

أما النقطة الثالثة، فهي وضع الإسفنجة على الجرح النازف بحيث تغطيه أولاً ثم تمتص ما ينزف من دمه ودموعه وبهذه الأقانيم الثلاثة تكون الإسفنجة عندما تتحول الى شاشة قد أدت دور البطولة في التمرير والتبرير وخلق حالة من الإشباع الكاذب. ولم تكن هذه الفلسفة الإعلامية مجرد صدفة أو تلبية سريعة لنزوة ديكتاتور أو جنرال، فهي وليدة تراكم طويل من البحوث السايكولوجية المكرسة ضد الإنسان رغم أنها تستخدم كل مصطلحات الإنسانية في قاموسها المسلح لقد لعبت الكوميديا المسيّسة من طرف واحد مثل هذا الدور في الامتصاص والتمويه لكنها انتهت الى البكاء بدلاً من الضحك.الشاشة الإسفنجة أخطر من الرصاص والقنابل الذكية، لأنها تبطل مفعول الغضب من خلال إطفائه المبرمج وامتصاصه بمهارة وطواط.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب نصاً ودون تعليق.

المصدر: alkhaleej.ae