ميزان القوى لم تعد تحكمه القوة وحدها

 

عاطف الغمري

 

 

أمريكا حسب طبيعة نظامها السياسي، دولة لا تتوقف عن التفكير، وهو تفكير يدور معظمه في فئات من مراكز البحوث السياسية والاستراتيجية Think Tanks والتي هي في الحقيقة مصانع للسياسة الخارجية ولا يقتصر التفكير الذي يدار يوميا على مشاكل وقضايا الحاضر، لكنه يرمي ببصره إلى بعيد، حيث التحديات والأحداث التي قد تقع في المستقبل، حتى ولو بدت احتمالاً مستبعداً وإن ما يسمح به النظام السياسي لهذه المراكز وغيرها من المؤسسات والمعاهد المماثلة، حق دور مؤثر في صناعة السياسة الخارجية، راجع إلى أن هذه المراكز تضم النخبة المتفوقة علمياً، من المفكرين النابغين وأصحاب الخبرة، سواء الأكاديمية أو من شغلوا مناصب مهمة من قبل في الأجهزة السياسية والعسكرية والأمنية في الدولة وهؤلاء يلقون أقصى تقدير، وأخذ ما يصدر عنهم بكل الاهتمام والمتابعة، فهم عنصر توازن الدولة، قد لا يتمتع فيها المواطن العادي، أو من يسمى رجل الشارع، بالعلم والمعرفة والوعي السياسي بالعالم الخارجي، بينما هؤلاء هم من كرسوا يومهم لمتابعة ما يجري في العالم لحظة بلحظة، ومارسوا دورهم كأنهم مفوضون بتوكيل غير مكتوب عن الرأي العام، في مشاركة صانع القرار قراره، وإن كانت الاستطلاعات قد كشفت عن استياء الرأي العام من بعض ما يسمح به النظام السياسي، من دور يتجاوز الحدود المقبولة لقوى الضغط (اللوبي)، وجماعات المصالح، والتي وصفوها في هذه الاستطلاعات بأنها تفرض مصالح الجهات التي تمثلها على حساب المصالح الوطنية للأمريكيين.وسط هذا العالم المملوء بالحيوية وصناعة الأفكار يومياً، صدر كتاب جذب إليه اهتماماً واسعاً، وصفه عدد كبير من هؤلاء الخبراء بأنه يعتبر خطاباً مطولاً إلى أوباما ووصفوا مؤلفه “ليسلي جلب” بأنه واحد من أهم وأكثر العارفين في أمريكا بالسياسة الخارجية. وهو حالياً الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية، الذي يرأسه حاليا ومنذ 4 سنوات ريتشارد هاس، وكان جلب قد عمل كاتباً صحافياً في صحيفة “نيويورك تايمز”، ومساعداً لوزير الدفاع، ومساعداً لوزير الخارجية في إدارة كارتر، واستعانت هيلاري كلينتون بمشورته في حملتها الانتخابية.

الكتاب اسمه “Power rules” قواعد القوة، واستوقفني فيه تعريفه لمعنى القوة في السنوات التي نعيشها اليوم، وهو موضوع يهمنا أيضاً في مصر، وفي المنطقة العربية، في وقت تزيد فيه التحديات من قوى متربصة أو منافسة.يرى جلب أن طبيعة القوة تغيرت، وأن ديناميكية سياسة القوة كانت قد بدأت بالتغير عبر السنوات الأخيرة من القرن العشرين، وزادت بسرعة قدرة الأضعف على مقاومة الأقوى. ويقول إن أمريكا ستفقد دماء الحياة لأمنها القومي، إذا لم يقم قادتها بإعادة تعلم كيفية استخدام القوة. ويذكر أن أوباما لحسن الحظ لديه حس استراتيجي بالعالم وما يحدث فيه. ويعدد جلب مظاهر التغير في طبيعة القوة على النحو التالي:

* إن القوة العسكرية وحدها لن تحقق سوى القليل، وإن القوة في عالم اليوم لها مكونات عسكرية ودبلوماسية واقتصادية ومعنوية، وهي التي تمنح الدولة القدرة على شق طريقها في العالم، وبالتالي لم تعد القوة العسكرية وحدها هي التي تتحكم في ميزان القوى بين الدول وبعضها بعضاً. 

* إن جوهر القوة هو ضغط سياسي ونفسي، وإن هذه المكونات للقوة هي أدوات الضغط.

* إن القوة العسكرية تتضاءل أهميتها في وقت تأخذ فيه القوة الاقتصادية المركز المحوري في تشكيل الدولة، وإن كان هذا لايعني التقليل من شأن القوة العسكرية.

هذه ثلاثة مظاهر مهمة يراها جلب رئيسية في إبراز تغير طبيعة القوة. ومن ناحية أخرى فإن هناك اتفاقاً عاماً في العالم على أن القدرة الاقتصادية صارت هي المكون الفاعل في قدرة الدولة على تحقيق الاستقرار والسلام الاجتماعي داخلياً، وتمتعها خارجياً بمكانة ونفوذ على المستويين المحلي والدولي، ولقد أصبحت معايير الاعتراف بهذه المكانة لأية دولة، تستند إلى ما تنجزه من تقدم اقتصادي، عبر مسارين هما: التنمية الاقتصادية، والديمقراطية، اعترافاً بأن كليهما صار في عصرنا قريناً للآخر وقد سبق استخلاص هذه الحقيقة من التجارب العملية، وإن كان قد استقر في الفكر السياسي العالمي في السنوات العشر الأخيرة من القرن العشرين، أن القدرة الاقتصادية التنافسية للدولة قد صعدت إلى قمة مكونات الأمن القومي، ولم تعد تنتمي فقط الى السياسات الاقتصادية. وأثبتت ذلك تجارب دول آسيا التي صعدت بتنمية اقتصادية وفق مشروع قومي متكامل من جانبيه السياسي والاقتصادي، وتجربة البرازيل في أمريكا اللاتينية، بل إن “إسرائيل” وضعت أخيراً استراتيجية جديدة تدور حول القدرة الاقتصادية والخلاصة، أن طبيعة القوة التي تغيرت تحتاج منا إعادة النظر في مسألة التنمية، في إطار مشروع قومي يستوعب آراء أهل العلم والمعرفة والخبرة، كخطوة أولى يعقبها التنفيذ، وأن يكون مشروع التنمية شاملاً الاقتصاد والأبعاد السياسية والاجتماعية والأمن القومي.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب نصاً ودون تعليق.

المصدر: alkhaleej.ae