مقالات و محاضرات

 

      القوات الخاصة والاستخبارات:

 

              تصادم أم تكامل بين البنتاغون والـ سي آي إيه ؟

 

 

توم شانكار وسكوت شين

 

قام الجيش الأميركي مؤخراً بنشر فرق صغيرة من "قوات العمليات الخاصة" في عدد من السفارات الأميركية بهدف جمع المعلومات الاستخباراتية حول الإرهابيين في المناطق المضطربة من العالم، والتحضير لمهمات محتملة من قبيل توقيفهم أو قتلهم. وحسب مسؤولي البنتاغون، فإن هذه الجهود تندرج في إطار سعي وزير الدفاع دونالد رامسفيلد إلى منح الجيش دوراً استخباراتياً أكبر في الحرب على الإرهاب. إلا أنها لقيت في الوقت نفسه معارضة وكالات الاستخبارات التقليدية مثل وكالة الاستخبارات المركزية، CIA، والتي يرى بعض مسؤوليها في هذه الخطوة اقتحاما استفزازيا لمجال نشاطهم.

وحسب عدد من المسؤولين، فقد تم إرسال مجموعات صغيرة من أفراد "العمليات الخاصة" إلى أكثر من اثنتي عشرة سفارة في إفريقيا وجنوب شرق آسيا وأميركا الجنوبية، وهي مناطق يعتقد المسؤولون الأميركيون أنها تأوي إرهابيين. أما مهمة هذه المجموعات فتتمثل في جمع المعلومات الاستخباراتية والاستناد إليها في التخطيط لعمليات محاربة الإرهاب، أو مساعدة الجيوش المحلية على القيام بذلك بنفسها.

والواقع أن هذه المهمة الجديدة قد تصبح مسؤولية كبيرة على عاتق "قيادة العمليات الخاصة" التابعة للجيش، والتي أذن لها الرئيس بوش في مارس 2004 بتنفيذ عمليات عسكرية ضد الإرهابيين، كما من شأنها أن تمنح دفعة قوية لتنظيم الجهود الاستخباراتية في البلاد. وتجدر الإشارة إلى أن "قيادة العمليات الخاصة" تخضع لمراقبة رامسفيلد، وبالتالي فهي تقع خارج المدار الذي يتحكم فيه مدير الاستخبارات القومية الجديد جون نيغروبونتي، الذي يشرف على جميع الوكالات الاستخباراتية في البلاد. ومما يذكر في هذا السياق أن حادثاً وقع في المراحل الأولى لهذا البرنامج يؤكد على المخاطر والحساسية التي ينطوي عليها هذا العمل، حتى بالنسبة لجنود مدربين على القيام بمهمات عسكرية سرية.

فمنذ عام ونصف العام تم سحب أعضاء واحدة من فرق "عناصر الربط العسكري" الأولى التي تم نشرها في الباراغواي، وذلك بعد أن قتلوا لصاً مسلحاً هاجمهم بعد نزولهم من سيارة أجرة. ورغم أن إطلاق النار لم تكن له أي علاقة بالمهمة التي أرسلوا من أجلها إلى هناك، فإن الحادث أحرج كثيراً مسؤولي السفارة الأميركية الذين لم يكونوا على علم بأن الفريق كان في مهمة بالبلاد. وعلى خلفية هذا الحادث، يقول مسؤولو "قيادة العمليات الخاصة"، لم يعد من الممكن اليوم إرسال أية فرقة إلى إحدى السفارات الأميركية في الخارج من دون موافقة السفير المحلي، كما أن الجنود يمكثون بمقر السفارة، ويتلقون تدريباً خاصاً بهدف عدم إثارة الانتباه في الشارع العام.

ووفق قواعد وضعها نيغروبونتي، فإن مدير مكتب "سي آي إيه" في السفارات الأميركية هو المسؤول عن تنسيق الاستخبارات في تلك الدول. هذا ويوجد في معظم السفارات ملحقون وموظفون عسكريون يعملون مع القوات المسلحة الأجنبية، خاضعون لمراقبة "وكالة الاستخبارات العسكرية" التابعة للبنتاغون. أما موظفو العمليات الخاصة الجدد فيضطلعون بدور عسكري مباشر أكبر يتمثل في خدمة مسؤوليات محاربة الإرهاب الجديدة المنوطة بالجيش.

هذا وتتألف قوات العمليات الخاصة من أفراد "القبعات الخضر" و"الرينجرز" و"النيفي سيلز" وقوات "المارينز" وأطقم القوات الجوية الخاصة، الذين ينفذون العمليات العسكرية الخاصة أو السرية. أما مهاراتهم فتتراوح ما بين الضربات الخاطفة وعمليات الاستطلاع البعيدة في أماكن معادية والتدريب العسكري والعناية الطبية.

إلا أن إنشاء "عناصر الربط العسكري" ولعبة شد الحبل بخصوص الدور الجديد المسند إلى "قيادة العمليات الخاصة" يبدو أنه قد كرس حالة سوء التنظيم، بل وعدم الثقة التي يقول عنها عدد من المنتقدين في الكونغرس والعالم الأكاديمي إنها تعتري الجهود الحكومية الرامية إلى محاربة الإرهاب. وفي غضون ذلك، يرى عدد من المسؤولين أن الوضعية تتطلب تدخل الرئيس بوش وكبار مستشاريه في شؤون الأمن والدفاع كحكم في هذا النقاش، من أجل ترسيم الحدود بين مختلف الأجهزة وتوضيح المهمات المسندة إلى الوكالات العسكرية والاستخباراتية.

والواقع أن العديد من مسؤولي "سي آي إيه" الحاليين والسابقين ينظرون إلى مخططات "قيادة العمليات الخاصة"، أو "سوكوم" اختصارا، باعتبارها غير رشيدة. وفي هذا السياق يقول جون أو. برينان، الضابط بـ"سي آي إيه" الذي ترأس "المركز القومي لمحاربة الإرهاب" قبل أن يتقاعد العام الماضي، "إن وزارة الدفاع حريصة على تكثيف مشاركتها في أنشطة مكافحة الإرهاب، وتسعى إلى أن تحصل على بعض مسؤوليات "سي آي إيه" وسلطاتها".

ويرى برينان أنه في حال تم تنسيق عمليات "السوكوم" مع الدول المضيفة والسفارات الأميركية، فإن ذلك "سيخدم جيدا المصالح الأميركية"، ولكنه يضيف محذرا: "إذا كان حضور "السوكوم" في السفارات الأميركية في الخارج يروم تعبيد الطريق لعمليات عسكرية أميركية أحادية الجانب أو تمكين عناصر من الدفاع من القيام بنشاطات سرية بمنأى عن "سي آي إيه"، فالأكيد أن مشاكل الولايات المتحدة في الخارج ستتفاقم".

وإلى ذلك، يقول المسؤولون عن برنامج "قوات العمليات الخاصة" إنه يركز على المعلومات الاستخباراتية والتخطيط وليس على تنفيذ عمليات حربية. وفي هذا الإطار قال أحد المسؤولين خارج المؤسسة العسكرية، والذي اطلع على الموضوع ولكن لم يؤذن له بالحديث عنه مع وسائل الإعلام، إن أزيد من 20 فريقا تم نشرها، مضيفا بأن المخططات الموضوعة تدعو إلى توسيع هذه الجهود.

وفيما يبدو تحولا كبيرا في المؤسسة العسكرية، ينص "مخطط القيادة الموحدة" الذي وقعه الرئيس بوش في 2004 على أن تقوم "قيادة العمليات الخاصة" بـ"قيادة وتخطيط وتنسيق العمليات ضد الشبكات الإرهابية وتنفيذها كما هو مطلوب"، إضافة إلى مهمتها التقليدية المتمثلة في تدريب وتنظيم قوات "العمليات الخاصة" وإعدادها لمهمات يقودها القادة الجهويون.

ومن جهة ثانية، وضع الجنرال برايان دي. براون، قائد "السوكوم"، مؤخرا استراتيجية لمحاربة الإرهاب تقع في أكثر من 600 صفحة، من المرتقب أن تقدم لرامسفيلد خلال الأسابيع القليلة المقبلة من أجل اعتمادها. وحسب مسؤولين مدنيين وعسكريين اطلعوا على الوثيقة، فإنها تحدد أهدافا ومهمات وآجالاً محددة، على المديين القريب والبعيد. أما هدف الوثيقة فهو توفير الظروف المواتية لقيام الجيش بأنشطته مستقبلا، وطرد الإرهابيين وجمع المعلومات التي تحتاجها "قيادة العمليات الخاصة" لعملها.

وكل ذلك بحسب رأي توم شانكار وسكوت شين في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية -ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"-13-3-2006