مقالات و محاضرات

 

 

مخاطر مقاطعة السلطة الفلسطينية

 

ويليام فاف   

 

لا يمنح القرب الجغرافي للسواحل الفرنسية والإيطالية من الضفة الشرقية والجنوبية للبحر الأبيض المتوسط أية فرصة للأوروبيين لإبداء اللامبالاة وعدم الاكتراث حيال الأزمة الطاحنة التي تتعمق أكثر فأكثر في العلاقات بين أوروبا والغرب عموما وبين العالم الإسلامي المتاخم لحدوده. وفي هذا الإطار تتبوأ قضية الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي مكانة مهمة، خاصة وأنها بلغت ذروة سنامها في الأسابيع القليلة الماضية. ورغم أن الأوروبيين حاولوا بذل جهود الوساطة بين الطرفين، فإن مساعيهم ظلت مكبلة بتاريخ أوروبا قبل الحرب العالمية الثانية وخلالها بشأن الدمار الذي لحق باليهود الأوروبيين. ومع الأسف تحول الأوروبيون اليوم إلى شهود خرس على النتائج الكارثية التي يعاني منها الشعب الفلسطيني بعدما أصبح ضحية الأخطاء التي ارتكبها الأوروبيون في حق اليهود. الفلسطينيون من جانبهم أدلوا بأصواتهم في الانتخابات التشريعية الأخيرة لصالح حركة "حماس" وفضلوها على غيرها، لكن يجب التذكير بأن السلطة الفلسطينية لا تمتلك وضعا دولياً محدداً، لأنها جاءت نتيجة لاتفاق بين "منظمة التحرير الفلسطينية" وإسرائيل سنة 1993، وهي بهذا ليست أكثر من أداة مؤقتة للحكم في يد الفلسطينيين.

أما "حماس"، فهي حركة دينية مرتبطة بتنظيم "الإخوان المسلمين" الذي ظهر في مصر عام 1928 لمقاومة التأثير العلماني الغربي على الديانة الإسلامية. ولا ننسى أن الحكومة الإسرائيلية هي من بادرت بتسهيل دخول "حماس" إلى الأراضي الفلسطينية على أمل أن تتحول إلى تيار مضاد لـ"منظمة التحرير الفلسطينية" ذات الميول العلمانية. ومع أن المنظمة ناضلت من أجل حقوق الفلسطينيين، إلا أنها فقدت الكثير من ديناميتها بعدما اعترفت بها إسرائيل خلال التسعينيات كممثل للشعب الفلسطيني. ومنذ ذلك الحين فشلت المنظمة، أو منعت من تحقيق حلم الدولة الفلسطينية المستقلة الذي كان مفترضا أن يتبلور على أرض الواقع عبر سلسلة متتالية من مبادرات السلام التي لم تفض سوى إلى المزيد من خيبة الأمل والإحباط. لذا جاء تصويت الفلسطينيين لصالح "حماس" رفضا لهذا الفشل، واحتجاجا على الفساد المستشري في "منظمة التحرير".

وليس غريباً أن تستنكف "حماس" عن الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، وكيف لها ذلك وهي شكلت منذ البداية للحفاظ على "وحدة الأمة الإسلامية"؟ ولأن "حماس" مدرجة على قائمة المنظمات الإرهابية رفضت كل من الولايات المتحدة وإسرائيل والاتحاد الأوروبي التفاوض معها. غير أنه لو كان عدم التفاوض مع المنظمات "الإرهابية" هو فعلا مبدأ راسخ لما تفاوضت إسرائيل مع "منظمة التحرير الفلسطينية"، ولما قامت إسرائيل نفسها ما دام أن العصابات الصهيونية مثل "إرجون زفي لومي" و"شتيرن جانج" مارست الإرهاب ضد الحماية البريطانية في فلسطين قبل 1948.

وبالرجوع إلى موضوع فوز "حماس" كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" عن وجود سياسة أميركية إسرائيلية مشتركة تهدف إلى قطع الدعم المالي عن السلطة الفلسطينية لإيجاد حالة من الفوضى العارمة داخل الأراضي الفلسطينية. ورغم نفي المسؤولين لهذه السياسية، فإن إسرائيل مازالت ترفض الإفراج عن مستحقات الضرائب الفلسطينية، كما أن وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس دعت علانية باقي الدول إلى مقاطعة السلطة الفلسطينية التي تسيطر عليها "حماس". غير أن اللجوء إلى عقاب جماعي ضد الشعب الفلسطيني لإجباره على تغيير موقفه يعد قراراً غبياً بكل المقاييس. فالأطراف الوحيدة المستفيدة من معاقبة الفلسطينيين هي المتشددون الإسرائيليون الذين يودون السيطرة على فلسطين ما قبل 1967، بالإضافة إلى الجماعات الإسلامية المتطرفة التي تأكدت كل مزاعمها حول النفاق الأميركي والإسرائيلي.

وعن مدى خطورة وقف الدعم المالي للسلطة الفلسطينية صرح جيمس ولفنسون، المدير السابق للبنك الدولي والمبعوث الحالي لـ"الجنة الرباعية" إلى الشرق الأوسط بأنه من شأن تطبيق ما توعدت به الولايات المتحدة وإسرائيل والاتحاد الأوروبي أن يؤدي إلى الانهيار المالي للسلطة الفلسطينية في أقل من أسبوعين. ومع أن الاتحاد الأوروبي انصاع في البداية للسياسة الأميركية دون مساءلة، إلا أنه بدأ يتراجع عندما قرر مؤخرا تزويد السلطة الفلسطينية بمبلغ 120 مليون يورو شريطة أن تنفق قبل تشكيل "حماس" للحكومة الجديدة. والواقع أن الدعوة إلى مقاطعة السلطة ليست سوى ضرب من العبثية السياسية التي لن تسفر عن أي عمل بناء، بل تنذر بتأزم الأوضاع أكثر في الشرق الأوسط وتضاعف مشكلاته السياسية والاجتماعية المتراكمة. وبدلا من الضغط على السلطة الفلسطينية يحسن بالحكومات الغربية أن تحترم إرادة الناخب الفلسطيني وتترك للسلطة الجديدة فرصة تكييف مبادئها السياسية والأيديولوجية مع الحقائق والإكراهات التي يفرضها واقع الحكم وإدارة شؤون الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، فضلا عن التفاوض مع إسرائيل، إذا كانت هذه الأخيرة مستعدة فعلا لذلك.

وفي حال مواصلة المقاطعة المالية للسلطة الفلسطينية فإنه من غير المرجح أن تعمر السلطة طويلاً في الحكم، ما سيؤدي إلى سقوطها وتلاشي هدف قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، بحيث يتوقع أن تعود إسرائيل إلى اجتياح المناطق الفلسطينية وبسط سيطرتها عليها. لكن حينها سيكون على الدولة العبرية أن توضح موقفها وتختار بين ثلاثة بدائل: سلوك طريق الديمقراطية الذي يعني السماح لكافة الفلسطينيين بالتصويت، وهو ما سينزع عن إسرائيل طابعها اليهودي في ظل التفوق العددي الفلسطيني المرتقب على اليهود، وبالطبع ترفض إسرائيل هذا الخيار رفضا تاما. البديل الثاني أن تطبق نظاما شبيها بنظام الأبرتايد يعيش الفلسطينيون بموجبه في كانتونات معزولة دون أية حقوق سياسية. أما ثالثة الأثافي فهي سياسية التهجير، وهي السياسة التي دأبت إسرائيل على تبنيها منذ 1967 بتغطية أميركية مكشوفة.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر : الشرق الأوسط اللندنية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "تريبيون ميديا سيرفيس"-13-3-2006