حدود التغيير الأوباميّ!؟

 

حازم صاغيّة

 

 

حديث باراك أوباما الأخير الى «نيويورك تايمز» يوحي بوجهة غالبة في التفكير الرسميّ الأميركيّ تغاير كليّاً المنحى الثوريّ والتعميميّ الذي طغى على لغة الإدارة البوشيّة وعملها فقد اختفت مصطلحات «محور الشرّ» و «نشر الديموقراطيّة» وتراجع تعبير «الإرهاب» (وهي المعادل العكسيّ لـ «الإمبرياليّة» و «الشياطين» و «قوى الخير»...، عند خصوم أميركا الراديكاليّين). كذلك تقدّمت معانٍ أخرى، تماماً كما تراجعت النبرة الظافريّة والانتصاريّة مفسحةً المجال لتعيين الأمور على نحو أشدّ دقّة بلا قياس فأوباما اعترف بأن الحرب لا تسير، في أفغانستان، على ما يُرام. وحين أراد أن يضرب مثلاً أدقّ على تحويل وجهة الحرب في مصلحة بلاده، قال بالحرف: «إذا تحدّثنا الى (رئيس القيادة المركزيّة) الجنرال ديفيد بترايوس، فسيقول إن جزءاً من النجاح في العراق تخلّله مدّ اليد الى أشخاص نعتبرهم إسلاميّين أصوليّين مستعدّين للعمل معنا، لأنّهم كانوا مبعَدين تماماً عن تكتيكات تنظيم القاعدة في العراق» وما يلفت في فقرة كهذه إسناد الكلام الى «معلومات» عسكريّة على الأرض، لا الى الله أو القدر أو التاريخ. لكن أيضاً ثمّة تخفيف يطال المعاني كلّها ويدقّق فيها: فهناك «جزء من النجاح»، بدل النجاح أو الانتصار، و «مدّ اليد»، بدل التحالف، و «نعتبرهم إسلاميّين أصوليّين»، بدل إسلاميّين أصوليّين أو إرهابيّين الخ...

هذا التعديل يكاد يكون الانسحاب اللغويّ والمفهوميّ الذي يواكب اقتراب الانسحاب من العراق، فيما توازيه إيحاءات بالحوار مع «المعتدلين في طالبان» وإعلان بريطانيا، وربّما غداً الولايات المتّحدة، الحوار مع «الجناح السياسيّ لحزب الله»، وسط تكهّنات عن حوار ما قد يبدأ مع «حماس» طلبته الأخيرة في الرسالة التي حمّلتها الى جون كيري وحاولت أن تنفي حصولها فالوجهة، إذاً، تقوم على تمييز بين «معتدلين» و «غير معتدلين» في «طالبان»، وبين الأخيرة و «القاعدة»، فضلاً عن محاولة تطبيق تجربة «الجيش الجمهوريّ الإيرلنديّ» وجناحه السياسيّ على «حزب الله» وقد يتبيّن ان تمييزات دقيقة كهذه قد لا تعفيها دقّتها من الغلط، وقد تعتريها أوهام كثيرة لدى التطبيق الواقعيّ، إلا أن شيئاً واحداً يبقى هو أن الولايات المتّحدة، تحت وطأة الحروب والأزمة الاقتصاديّة، تستقيل من مهمة تغيير العالم ثوريّاً فالتعاون مع «الآخر» هو جسر الانتقال المأمول حتّى لو كان «الآخر» حركة طالبان أو «معتدليها» وهو ما يمكن أن نسمّيه، بشيء من السخاء، ديموقراطيّة الأمر الواقع. فما دام ان هذا «الآخر» شعبيّ وجماهيريّ، آثرت كتل ضخمة أن تجد تمثيلها فيه، فليست مهمّة أميركا، على ما تراءى لبوش، تغييره بل سيكون من «الديموقراطيّ»، بمعنى شعبويّ جدّاً للكلمة، إشراكه واحتواؤه طبعاً يبقى الأمر الواقع، في هذه المعادلة، أقوى من الديموقراطيّة وأقدر على كبحها منها على تحريكه. لكنْ ما العمل ما دامت مئات الآلاف مستعدّة أن ترقص مع عمر البشير وأن تؤخذ بالتهريج كما بالعنف الأعمى وأفكار التعصّب؟ وهذه ليست مسؤوليّة أوباما ولا مسؤوليّة أيّ أميركيّ أو غربيّ. صحيح أن الأخير سيسعى الى حماية بلده ومصالحه، وسيدعم التغيير الذي يبدو شعبيّاً وقويّاً وقادراً على حماية نفسه. لكن ما هو أكثر من ذلك مسؤوليّة أصحابه. إذا شاؤوا هذا فليكن لهم هذا شريطة ألاّ يبلغ عدد قتلاهم 300 ألف نسمة في غضون سنوات قليلة، على ما حصل في دارفور...

وكل ذلك حسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً ودون تعليق .

المصدر: daralhayat.com