نعاسنا أمام المخاضات الدولية

 

علي محمد فخرو

 

هناك صور متقابلة بين ما يجري في العالم وبين ما نراه في دول مجلس التعاون، مع أن الأمر ينطبق على كثير من دول الوطن العربي، وعند إجراء التقابل بين الصورتين تطرح بعض الأسئلة نفسها علينا وعلى كل من يعنيهم الأمر، ولنركز اليوم على مختلف ردود الفعل عبر العالم كله تجاه الأزمة المالية والاقتصادية الحالية والمرشحة للاستفحال في القريب إن العديد من كبار المسؤولين في الصين قد عبروا عن ضرورة مراجعتهم للسياسة الاقتصادية السابقة التي تبنت الاعتماد الكبير على الصادرات لتحريك وإنماء الاقتصاد الصيني، ولقد أدركوا النتيجة الكارثية لمثل ذلك التوجه عندما ضعفت القدرة المالية لدى المستهلكين للبضاعة الصينية الرخيصة فوجدت الصين نفسها أمام الشلل الكبير الذي أصاب مؤسسات الإنتاج والتصدير عندها وأدى إلى بطالة هائلة مرشحة لكي تصبح اضطراباً اجتماعياً قد يتهدد أمن واستقرار الدولة، من هنا فإن الصين ستتوجه مستقبلاً نحو اقتصاد يعتمد في قسم كبير منه على السوق الصينية الداخلية حتى لا يبقى أسير الاضطرابات في السوق العولمية، فهل سينظر المسؤولون الاقتصاديون في دول مجلس التعاون في اتخاذ الكثير من الخطوات للتقليل من اعتماد دولنا، في الجوانب المالية والاستشارية على الأخص، على أسواق الآخرين؟ إن رئيسة حكومة ألمانيا قد طالبت بإلحاح ببناء مؤسسات دولية لمراقبة الأسواق العولمية ووضع ضوابط ومعايير تحكم تلك الأسواق التي اختفت الحدود فيما بينها وقالت بأنه لا يجوز أن تطالب الدول بفتح أسواقها لكي تصبح جزءاً من السوق العولمي الكبير دون أن تكون لها كلمة في ضبط هذا السوق حتى لا تجد الدول نفسها ضحية أخطاء أو مغامرات ترتكب في أحد الأسواق كما حدث في السوق الأمريكية المالية والعقارية التي بانحدارها المفاجئ جرت معها كل أسواق العالم، فهل نستطيع الحصول على موقف واضح مشترك من قبل كتلة دول مجلس التعاون المترابطة اقتصادياً بشأن هذا الاقتراح، خصوصاً وأن كل دول المجلس قد أصابها الضرر من جراء أخطاء ارتكبها الآخرون؟ إن عالماً اقتصادياً حصل على جائزة نوبل لتميزه في حقل الاقتصاد واستلم سابقاً مسؤوليات قيادية في مؤسسات العالم الدولية، وهو جوزيف ستجلتز، قد أعلن مؤخراً في مقابلة صحافية بأنه لا يثق في قدرة وأخلاقية البنوك الدولية للخروج من أزماتها وذلك من خلال ضخ أموال دافعي الضرائب في جيوب أصحاب ومديري تلك البنوك. وهو يفضل تأميم تلك البنوك، نعم ذكر كلمة التأميم التي اعتقد الناس أنها اختفت من القواميس للأبد.

فإذا كان مفكرو الاقتصاد الرأسمالي يراجعون أنفسهم فهل نطمع في أن تقوم دولنا بتكوين جماعات استشارات فكرية في الاقتصاد من أجل مراجعة تصورات دولنا الاقتصادية في الداخل والخارج والتي حكمت تصرفاتنا الاقتصادية عبر السنوات العشر الماضية والتي أثبتت الكارثة الحالية خطأ بعض منها على الأقل؟ إن مراجعة الممارسات الاقتصادية العولمية قد طالت العديد من دول أمريكا الجنوبية التي عادت لدور الدولة في قيادة الاقتصاد، بل ووصلت إلى دولة رأسمالية مثل فرنسا حيث أعلن عن تكوين حزب لمقاومة الرأسمالية، وهي خطوة رمزية بالغة الدلالة. والأكثر دلالة هو محاولة قلعة الرأسمالية، وأكبر داعية لحرية الأسواق المنفلتة، أمريكا، لأخذ خطوات حمائية مؤخراً تحمي صناعاتها وعمالها ومع أن امريكا تراجعت عن ذلك . 

تحت تأثير الصيحات التي أطلقتها

الدول الرأسمالية الأخرى إلا أن مجرد التفكير في فرض خطوات حمائية دليل على أن فكراً اقتصادياً جديداً وتراجعاً عن جنون حرية السوق العولمية قد بدآ يطلان برأسيهما نحن أمام أحداث ومخاضات كبرى، ويومياً يطل علينا مسؤولو ومفكرو العالم، لإخبارنا عما سيفعلون، فهل نطمع في الاستماع إلى ما يدور في خلد مسؤولينا بالنسبة لآثار تلك المخاضات على حاضرنا ومستقبلنا، أم أننا سنستمر، بالرغم من خسائرنا المالية والاقتصادية الكبرى في الاعتقاد بأن ما يجري في العالم هو زكام خفيف سيزول، وأننا نستطيع مواصلة النعاس والعيش في الأوهام؟

وكل ذلك حسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً ودون تعليق .

المصدر: دار الخليج