تغيّر الزعامات وتحوّل مصائر الأمم!

 

السيد يسين

 

 

لو تأملنا التاريخ الإنساني الحديث والمعاصر لأدركنا حقيقة تكاد أن تعبر عن قانون عام مفاده أنه إذا تغيرت الزعامة السياسية في بلد ما، وكانت للزعيم الجديد الذي يخلف الزعيم القديم من خلال انقلاب أو بطريقة ديموقراطية، توجهات ايديولوجية مختلفة جذرياً، فقد يكون ذلك إيذاناً بتحول مسار الأمة! ولسنا بحاجة إلى أن نغوص في سجلات التاريخ القديم كي نتحقق من صدق هذا القانون العام بتطبيقاته المتنوعة، فيكفينا أن نضرب مثلاً بتغير جوهري في الزعامة السياسية حدث في كل من الاتحاد السوفياتي قبل انهياره، وفي الولايات المتحدة الأميركية بعد انقضاء ولاية الرئيس كلينتون وتولي جورج بوش الابن الرئاسة الأميركية.في الحالة الأولى انتقلت الزعامة السياسية السوفياتية - عبر مسارات بالغة التعقيد - إلى ميخائيل غورباتشوف.

جاء غورباتشوف ووراءه ميراث ثقيل من الاستبداد الشرقي الذي بدأ مع تولي جوزيف ستالين رئاسة روسيا بعد وفاة لينين مؤسس الدولة السوفياتية وزعيم الثورة البلشفية.

والواقع أنه - إذا درسنا التاريخ بعمق وفي ضوء الوثائق الرسمية السوفياتية - لأدركنا أن لينين كان هو المؤسس الحقيقي للنظام الشمولي السوفياتي، والذي عمّقه جوزيف ستالين وأضاف إليه إضافات بالغة الانحراف. وتشهد على ذلك مراجعة المراسم السوفياتية الأولى التي أتيح لي أن أقرأها وأحللها واستخلص عدداً من النتائج حول طبيعة النظام السوفياتي في ضوئها.كان المرسوم الأول هو مصادرة الملكية الخاصة، وإعلان ظهور الملكية الجماعية التي اتخذت شكل «الحذلكوزات» أو المزارع الجماعية في الريف. وكان المرسوم الثاني مباشرة هو إلغاء حرية الصحافة، على أساس أن عدداً من الصحف المعادية للثورة كان يلعب دوراً رجعياً في تزييف وعي الجماهير، فلذلك تم إلغاؤه، على أساس - كما أبرز ذلك المرسوم الخاص بذلك - أن يكون ذلك لفترة موقتة إلى أن تستقر الثورة، غير أن هذه الفترة الموقتة امتدت حتى سقوط الاتحاد السوفياتي نفسه في أواخر الثمانينات.

ورث جوزيف ستالين دولة شيوعية ناشئة، ووقع على عاتقه تحديث الإنتاج والدفع بالاتحاد السوفياتي في مجال الحداثة والتقدم غير أن الرجل - نتيجة انحرافات نفسية عميقة - سريعاً ما تحول إلى رفاقه من كبار قادة الحزب الشيوعي والجيش والمثقفين وحكم عليهم بالإعدام، في أكبر عملية تصفية جماعية للنخبة السياسية والثقافية في القرن العشرين. ومضى ستالين في طريق التصنيع الثقيل للاتحاد السوفياتي والعسكرة الثقيلة للقوات المسلحة، بحيث أصبح الاتحاد السوفياتي - خصوصاً بعد أن صنع القنبلة الذرية - قوة عسكرية كبرى مرهوبة الجانب. واستطاع ستالين ممارسة نوع من التحديث «التقشفي» إن صح التعبير للمجتمع السوفياتي، كي يضمن للملايين في ظل التشغيل الكامل للقوى العاملة السكن الرخيص في مساحات بالغة الضيق تقاس بالمتر حسب عدد أفراد الأسرة، والأكل الرخيص، والرعاية الصحية الشاملة حتى ولو كانت في غالبها بدائية تم هذا التحديث السلطوي في مناخ من القهر السياسي الشديد، إذ سيطرت أجهزة الأمن على مجمل الفضاء الاجتماعي، ومارس المواطنون أعمالهم في جو من الرعب والخوف، نظراً إلى شيوع المحاكمات الصورية، واعتقال الآلاف من البشر بتهم مزيفة ومما لا شك فيه أن الاتحاد السوفياتي، الذي خرج منتصراً في الحرب العالمية الثانية التي انتهت العام 1945 مع دول الحلفاء الأخرى على دول المحور (ألمانيا وايطاليا واليابان)، برز بعد الحرب باعتباره القوة العظمى الثانية بعد الولايات المتحدة الأميركية وسريعاً ما نشب النزاع بين الحليفين بحكم خشية الولايات المتحدة الأميركية من ازدياد نفوذ وتأثير الايديولوجية الماركسية، وامتدادها إلى مختلف قارات العالم. وهكذا ظهرت سياسة «الاحتواء» التي تعني احتواء الاتحاد السوفياتي ومحاصرته سياسياً وعسكرياً حتى لا يتمدد على حساب الولايات المتحدة الأميركية. وهكذا نشأت «الحرب الباردة» في ظل توازن الرعب النووي والتي كانت حرباً سياسية وإيديولوجية على السواء، في ضوء سباق خطير للتسلح بين الجانبين المتصارعين ولم يستطع الاتحاد السوفياتي الصمود في هذا السباق، ما أدى إلى تدهور مستوى معيشة الملايين من السوفيات. ولذلك فإن خلفاء جوزيف ستالين الذين انتقل اليهم الارث الثقيل للشمولية السوفياتية، فشلوا في إنقاذ النظام من مصيره المحتوم، خصوصاً بعد أن سيطر عليه ليونيد برجينف بجموده لمدة ثمانية عشر عاماً كاملة، وبدأت تنهار سيطرة النظام بعده الى ان جاء غورباتشوف الى الحكم.كان غورباتشوف مختلفاً في توجهاته عن الزعماء السوفيات القدامى، وأدرك أن النظام السياسي السوفياتي بات محكوماً عليه بالسقوط المدوي إن لم يقم بصياغة توجهات ايديولوجية جديدة تماماً حتى يتحول النظام السياسي المغلق إلى نظام سياسي مفتوح. وهكذا صاغ غورباتشوف ايديولوجية «الغلازنوست» التي كانت تدعو إلى «دمقرطة» النظام السياسي، وفتح الباب أمام الحوار والنقد في ضوء الشفافية الكاملة. وبدأت سياسة تصفية القطاع العام بالتدرج وفتح الباب أمام الاستثمارات الرأسمالية الأجنبية والمحلية ولم يستطع غورباتشوف - لأسباب شتى - السيطرة على توجيه الاتجاهات الجديدة، وسريعاً ما وقع الاتحاد السوفياتي في حال غير مسبوقة من الفوضى، وسيطرت المافيا على الاقتصاد، وظهرت فئة جديدة من أصحاب الملايين الذين راكموا ثروات خيالية، وازدادت معدلات الفقر في البلاد في ظل هذه الفوضى الواسعة الأبعاد قفز بوريس يلتسين وأصبح عهده عهد تقنين للفساد، وازدادت مكانة روسيا تدهوراً بين الأمم. وحدث أخطر تحول حين تولى زعامة روسيا فلاديمير بوتين وهو من جيل الوطنيين الروس الذي آلى على نفسه إنقاذ روسيا من الفساد والفوضى وسبق له أن عمل في جهاز الاستخبارات السوفياتي (كي جي بي) لمحاربة المنشقين السياسيين عن النظام كان لدى بوتين مخطط كامل لاستعادة روسيا مكانتها بين الأمم. ونجح في رفع المعدلات الاقتصادية إلى أرقام قياسية، وقام بتحديث القوات المسلحة الروسية، وصاغ مذهباً جديداً للأمن القومي الروسي في شكل مرسوم رئاسي وفي ضوء ذلك يمكن القول إن تأثير الفرد في التاريخ يمكن أن يكون حاسماً لو توافرت ظروف موضوعية مواتية وعلى الجانب الآخر، ونعني في الولايات المتحدة الأميركية، حدث تغير سياسي جوهري بنهاية ولاية الرئيس كلينتون وتولي جورج بوش الابن - بإمكاناته المحدودة وفقر خياله وضعف شخصيته - رئاسة الولايات المتحدة وتشاء الظروف التاريخية أن يتعرض هذا الرئيس الجديد الذي هبط على المسرح السياسي الأميركي على غير توقع وانتظار لامتحان بالغ الصعوبة بعد حدوث الهجمات الإرهابية في 11 أيلول (سبتمبر) 2001 وسريعاً ما اندفع - بنوع من رد الفعل غير المدروس - إلى إعلان الحرب ضد الإرهاب على مستوى العالم، تحت شعار «من ليس معنا فهو ضدنا!» وقام أولاً بغزو أفغانستان على أساس أن نظام «طالبان» كان يأوي أسامة بن لادن ورفض تسليمه وبعد ذلك بفترة وجيزة وفي مواصلة للسياسة الخرقاء التي وضع أسسها فريق «المحافظين الجدد» اندفع الى الغزو العسكري للعراق بحجة امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل. وصمم على ذلك على رغم اعتراض الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن على الغزو العسكري. وسريعاً ما وقع بوش في المستنقع العراقي الذي كلف الخزانة الأميركية بلايين الدولارات، إضافة إلى عشرات الألوف من القتلى والجرحى في صفوف القوات المسلحة الأميركية وأدت سياسة جورج بوش إلى انهيار مكانة الولايات المتحدة الأميركية حول العالم، وزيادة معدلات الكراهية لسياساتها في مختلف القارات، حتى بين شعوب الدول الحليفة تقليدياً لها مثل الدول الأوروبية ولو قارنّا بين الحالين الروسية والأميركية لأدركنا صدق القانون العام الذي صغناه في ضوء خبرة التاريخ من أن تغير الزعامات السياسية قد يؤدي إلى تحولات الأمم!

انتقال الزعامة إلى بوتين أدى إلى صعود روسيا مرة أخرى إلى قمة النظام العالمي بالاشتراك مع الولايات المتحدة الأميركية بعدما وصلت إلى الحضيض في عهد يلتسين. ليس ذلك فحسب، بل أثبت بوتين بسياسته الوطنية الروسية أنه قادر على صد امتداد النفوذ الأميركي إلى حدود بلاده. واستطاع بضربة عسكرية واحدة في جورجيا أن يردع كلاً من الولايات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي، ويثبت لها أنه لن يسمح - من خلال شبكة الصواريخ الأميركية - بالنفاذ إلى عمق دائرة الأمن القومي الروسي ليس ذلك فحسب بل أقام أخيراً تحالفاً أمنياً بين ست دول من التي كانت من قبل أجزاء من الاتحاد السوفياتي، رداً على محاولات الولايات المتحدة محاصرة روسيا عسكرياً وسياسياً ومن ناحية أخرى فإن انتقال الزعامة السياسية إلى باراك أوباما الذي ورث ميراثاً ثقيلاً من الهزائم غير المسبوقة في العراق وأفغانستان يؤدي إلى التساؤل كيف يستطيع أن يتخلص من إرث الماضي؟ وهل هو قادر على أن يحرر نفسه وبلاده من سياسات الهيمنة الأميركية التي تمرست على تطبيقها هذه القوة العظمى المنفلتة التي تريد في الواقع - وعن وهم - السيطرة الكاملة على العالم من خلال انفرادها بصوغ قرارات الحرب والسلم؟ تغير في الزعامات وتحولات في مصير الأمم. هذا هو القانون الذي يتحكم في مسار الأحداث في هذه اللحظة الفارقة من تاريخ العالم!

* كاتب مصري

وكل ذلك حسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً ودون تعليق .

المصدر:daralhayat.com