الكولونيل البريطاني (لبنس هوبت)والعزاء على الامام الحسين عليه السلام

 

 

قبل نحو خمسة وأربعين عاما؛ شد الكولونيل البريطاني (لبنس هوبت) رحاله متوجها وفرقته العسكرية إلى العراق - الذي كان آنئذ تحت الانتداب الإنجليزي - للقيام بمهامه التي أوكلت إليه. لكن (هوبت) لم يكن يخطر بباله أثناء رحلته تلك أنها ستغير مجرى حياته كليا، وأنه على موعد لركوب سفينة النجاة! لقد وجد الكولونيل نفسه في عالم جديد لم يعهد مثيلا له من قبل، ليس لأن العادات والتقاليد والسمات الاجتماعية تختلف عن مجتمعه الذي كان يعيش فيه، حيث إنه كان مستوعبا لذلك بالطبع، بل لأنه عايش أجواء هزّته من الأعماق طوال خمس سنوات كانت فترة مقامه في تلك البلاد إنها صور ومشاهدات رأتها عيناه فانطبعت في ذهنه وساورته في نفسه، وبقي يفكر ويتأمل فيها متسائلا: لماذا يفعل هؤلاء ما يفعلونه؟ لمَ كل هذا البكاء؟ لمَ كل هذه الدماء؟ وفي ليلة مهيبة جللها الحزن والسواد؛ وقف على مقربة مما يريد فهمه واستيعابه، فشاهد الآلاف المؤلفة من كل حدب وصوب، تنتحب وتندب وتلطم وهي تتوجه في مواكب منظومة منتظمة إلى حيث شُيِّدت قبة ذهبية على ضريح بات محورا تجتمع حوله الخلائق بشتى أصنافها.لم يدرِ (هوبت) لماذا لم يستطع كبح جماح نفسه عندما رأى تلك المناظر فدمعت عيناه لا إراديا، بيد أنه أحس بأن ثمة أمرا فطريا يحرّك كل هذه الجماهير، ذلك الأمر الذي لم يستطع هو بنفسه مقاومته حينما تقاطر الدمع من عينيه وكانت الخطوة الأولى! عندما سأل أحدَ من كان هناك عن الذي يجري، فأجابه قائلا: (إنه الحسين)!!وهكذا استطلع (هوبت) الأمر وبحث فيه، ليجد نفسه غارقا في عشق الحسين عليه الصلاة والسلام. وبعدما علم بقصة ثورته العظيمة، وبالمُثُل والمبادئ، والقيم والسجايا، التي استشهد صلوات الله عليه من أجلها، لم يجد (هوبت) مفرا من أن يعتنق عقيدة الإسلام قائلا: (أشهد أن لا إله إلا الله.. أشهد أن محمدا رسول الله.. أشهد أن عليا ولي الله) وبهذا أصبح اسمه (عبد الله هوبت) بدلا من (لبنس هوبت) ليصوغ بذلك حياة جديدة لنفسه، فهو كأنما قد وُلِد من جديد في عالم جديد مفعم بروح الإيمان وعبق الولاية وبينما كان (عبد الله) يستعد - للمرة الأولى - لدخول حرم الحسين عليه الصلاة والسلام، استعادت ذاكرته وقائع ما جرى في ذلك المكان قبل ما ينيف على 1300 عام، فانتابته مشاعر لا يمكن وصفها. لقد تملكته العبرة، وفي كل خطوة كان يخطوها كان قلبه يزداد خفقانا، ودموعه تسيل على خديه. وعندما اخترق تلك الجموع، ووصل إلى ذلك الضريح المقدس، التصق به بما يشبه الالتحام، حيث كان يشعر وكأن الإمام قد استقبله بذراعيه، فارتمى بين يديه!

في تلك الأثناء؛ حيث كان يقبّل الضريح مناجيا باكيا.. عاهد (عبد الله) إمامه صلوات الله عليه بأن يبقى على ولائه له مدى الحياة، وأن يبذل كل ما يستطيع بذله من أجل أن يعرف الناس قضيته ومظلوميته ورسالته وظلَّ الرجل وفيا لعهده. فحينما عاد إلى لندن في عام 1962 للميلاد، جمع معارفه وأصدقاءه وكل من استطاع جمعه، وشرع بقراءة مقتل الحسين عليه الصلاة والسلام. وسرعان ما انتشر حديثه بين الناس وذاع صيته، فبدؤوا يلتفون حوله ويزدادون يوما بعد يوم وبذلك حاز الكولونيل (عبد الله (لبنس) هوبت) شرف كونه أول من أقام مجلسا حسينيا في العاصمة البريطانية. فرحمة الله تعالى ورضوانه عليه وهنيئا له الجنة ربما كان (عبد الله هوبت) موقنا بأن ذكر إمامه الحسين عليه الصلاة والسلام سينتشر في كل أرجاء الأرض، وأنه بدلا من أن يكون في بلاده مجلس واحد كان يقيمه بنفسه، فستكون هناك عشرات بل مئات من المجالس. ربما كان يدرك بأن القضية الحسينية ستظل خالدة في الضمائر الحية، وأن ذلك كفيل بتوسع نطاقها لتعم العالم أجمع فلا تكاد تخلو بقعة واحدة منه من مجلس يرثي الحسين صلوات الله وسلامه عليه وينقل أقواله وتعاليمه ووصاياه إلا أنه ربما لم يكن عالما بأن زمنا ما سيأتي، ستُقصَف فيه كربلاء وتُدمَّر القبة الحسينية المقدسة على مرأى من البشرية التي لم تحرك ساكنا ربما لم يكن عالما بأن زمنا ما سيأتي، ستُمنع فيه شعائر أبي عبد الله صلوات الله عليه ويُنَّكل بمن يقيمها في مهدها ومنبعها؛ أرض العراق ..ربما لم يكن عالما بأن زمنا ما سيأتي، ستُوجَّه فيه أصابع الاتهام إلى من يتمسك بالتراث الحسيني العظيم بدعوى أنه (متشبث بالأساطير والخرافات والممارسات البالية) ربما لم يكن عالما بأن زمنا ما سيأتي، سيُعتبر فيه البكاء على الحسين (حالة غير حضارية)! واللطم لأجله (ممارسة رجعية)! تُرى.. كيف ستكون حال (عبد الله هوبت) لو أنه عمّر إلى حين أن يرى كل ذلك بعينيه؟! لا شك أن قلبه كان سيعتصر ألما! (ماذا يريد هؤلاء)؟! لعل هذا هو السؤال الذي سيراود الكولونيل البريطاني المتشيّع إذا ما كان حيا بيننا الآن. إنه السؤال ذاته الذي دار في أذهان عشاق الحسين عليه السلام قبل سنوات، لكنهم اليوم ما عادوا يشغلون أنفسهم بالإجابة، فهم أيقنوا أن تلك المحاربات لم تزدهم إلا عزيمة وإصرارا، وأن الجماهير التي تحيي شعائر سيد الأحرار والشهداء صلوات الله عليه في ازدياد ونماء يوما بعد يوم لعل الاسى سيتملك الكولونيل البريطاني (عبد الله (لبنس) هوبت) لو أنه علم بأن الشعائر التي هزت ضميره وأحيت وجدانه قد تعرضت إلى القمع والاضطهاد في بلدان يفترض أن تكون حامية لها غير أن من المؤكد أنه سيشعر بالفخر والاعتزاز إذا ما علم بأن هذه الشعيرة وصلت إلى أقصى الأرض، في بلدان ككندا وأستراليا وجزر الكاريبي، وأنها يوما بعد يوم في توسع وتمدد، وأن أتباع ديانات أخرى، كالمسيحية والهندوسية والزرادشتية وغيرها، يقيمونها أسى وحزنا على الحسين عليه السلام واستذكارا لثورته العظيمة، ثورة الحق والحرية والعدالة والإنسانية حقا.. كم هو عظيم هذا الإمام!!

وكل ذلك حسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً ودون تعليق .

المصدر: malkiya.net5