هل تُحقق السعودية حلمها النووي؟

 

* سركيس أبوزيد

 

 

كان امتلاك إسرائيل للقنبلة النووية، الحافز الأول للعرب للتفكير في امتلاك السلاح النووي. فمن «النووي العربي الأول» في مصر، إلى الجزائر في المركز الثاني، إلى «النووي الأردني السلمي»، سلسلة محاولات عربية لامتلاك الحلم النووي. غير أن الكلمة الإسرائيلية - الأميركية كانت دائما حاضرة لتعرقل هذه المحاولات، وتجهض الآمال النووية العربية. فهل جاء دور المملكة العربية السعودية لتجرب حظها، وما دوافعها، وهل تنجح في امتلاك برنامج نووي وتصبح أول قوة نووية عربية بعد سقوط النووي العراقي بالضربة الإسرائيلية القاضية؟ منذ منتصف تسعينيات القرن المنصرم، تتحدث التقارير الإعلامية عن سعي المملكة العربية السعودية نحو تطوير برنامج لصنع الأسلحة النووية، وقد تعزز هذا الأمر مع اندلاع أزمة البرنامج النووي الإيراني، حيث رأى كثيرٌ من المحللين أن نجاح إيران في امتلاك السلاح النووي سوف يدفع دولاً عربية عديدة، ومن بينها المملكة العربية السعودية، إلى السعي نحو امتلاك أسلحة دمار شامل لموازنة القوة الإيرانية. وقد ظهرت بوادر هذا الأمر مع تعبير السعودية في الآونة الأخيرة عن رغبتها في تطوير برنامج سلمي للطاقة النووية، وقيامها، بالتعاون مع باقي دول مجلس التعاون الخليجي، بإطلاق مبادرة لتطوير برنامجا مشتركا للطاقة النووية، فضلاً عن توقيع المسؤولين السعوديين مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة الأميركية، في مايو 2008، بخصوص التعاون في مجال الطاقة النووية ويذهب بعض المحللين إلى أن السعودية ستقوم بتطوير أسلحة نووية إذا نجحت إيران في امتلاك مثل هذه الأسلحة، فالدولتان يجمعهما تاريخٌ من العداء، ازدادت حدته مع قيام الثورة الإسلامية في إيران العام 1979، ومنذ ذلك الحين تراقب السعودية تصاعد النفوذ الإيراني بقلق وإلى جانب هذا العداء التاريخي، فإن البلدين يُعتبران خصمين إقليميين، حيث لكل منهما مشورع مختلف وحلفاء مختلفين إلى حد التناقض. كما أن تصاعد النفوذ الإيراني في لبنان والعراق وأفغانستان، قد شكل حافزا إضافيا لخوف المملكة من طهران وسعيها إلى تأمين الردع معها.

السعودية تسير إلى «النووي»؟

تفتقر السعودية للموارد الطبيعية، والقدرات التكنولوجية والخبرة العلمية اللازمة لتطوير برنامج متقدم لصنع السلاح النووي، فعلى سبيل المثال لا يمتلك العلماء السعوديون الخبرة الكافية في عديد من المجالات من قبيل تخصيب اليورانيوم، أو عملية تحويل الوقود النووي، أو في تشغيل المفاعلات النووية ونظرًا لذلك، قد تلجأ السعودية إلى امتلاك سلاح نووي عبر شرائه من دول أخرى، وتُطرح باكستان بقوة في هذا الإطار. فقد تقوم باكستان بمساعدة السعودية في تطوير السلاح النووي عن طريق إمدادها بالمواد الانشطارية اللازمة لصنع الأسلحة النووية، فضلاً عن تدريب الكوادر السعودية في مجال تطوير الأسلحة النووية، أو حتى تقوم السعودية بتطوير أسلحة نووية بالاشتراك مع باكستان وذهب البعض إلى أن قيام السعودية بعقد صفقة مع الصين العام 1986، تشتري بموجبها السعودية حوالي 36 صاروخا متوسط المدى من نوع «سي إس إس 2» CSS-2، دليل على رغبة السعودية في الحصول على نظم إيصال الرؤوس النووية، ومن ثم رغبتها في امتلاك السلاح النووي وبخلاف الاعتبارات الأمنية، يعتبر موقع السعودية أيضا في منطقة الشرق الأوسط محفزا محتملاً للمملكة لامتلاك الأسلحة النووية، فالسعودية ضعيفة نسبيّا من الناحية العسكرية، فضلاً عن أنها تقع بالقرب من إيران التي تسير على الدرب النووي. كما أن السعودية منذ اجتياح العراق للكويت، تعيش هاجسا مخيفا من تعرضها لذات النكبة على أيدي القوات الأميركية الطامعة في النفط كما في العراق، والتي تعج منطقة الخليج العربي بها، بالإضافة إلى قوات إقليمية أخرى محتملة.

عقبات أمام «النووي السعودي»

لكن على الجهة المقابلة، هناك عدد من العقبات التي تقف أمام سعي السعودية لامتلاك سلاح نووي، وأول هذه العقبات علاقات السعودية الإستراتيجية مع الولايات المتحدة. فالسعودية، في ظل البيئة الأمنية الحالية، قد لا ترغب في امتلاك أسلحة نووية، لأن ذلك سيؤدي إلى إيجاد عوامل قلق بعلاقاتها مع الولايات المتحدة، المورد الرئيس للأسلحة التقليدية للملكة، وإلى الدرجة القصوى. وتتمثل العقبة الثانية في الإدانة الدولية التي ستواجهها السعودية في حالة تطويرها لأسلحة نووية، والتي قد تثني السعودية عن هذا الأمر، حيث ترغب السعودية في مزيد من حرية الدخول إلى الأسواق العالمية، وجذب الاستثمارات الأجنبية نظرا للزيادة السكانية الحالية التي أضعفت الاقتصاد السعودي، وأدت إلى ارتفاع معدلات البطالة، وانخفاض نصيب الفرد من الدخل القومي، على الرغم من الارتفاع الكبير في أسعار النفط. وبالتالي فقد تميل للامتناع عن تطوير أسلحة نووية، نتيجة القلق من أن يحدث هذا الأمر ضررا كبيرا بعلاقاتها السياسية والاقتصادية مع الدول الأخرى، وقدرتها على جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى داخل البلاد وتكمن العقبة الثالثة في أن السعودية عضو في معاهدة منع الانتشار النووي منذ العام 1988، كما أنها وقعت العديد من الاتفاقيات الإضافية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في العام 2005، ما يعني أن السعودية مطلعة بشكل كبير على التقاليد الدولية الخاصة بمنع الانتشار النووي. وتعتبر الدوافع الشخصية لدى أعضاء الأسرة المالكة السعودية للمحافظة على بقاء النظام.

الخشية من الارهاب النووي

فالقادة السعوديون منخرطون في الفترة الحالية في حملة عنيفة ضد الجماعات الإرهابية المحلية التي لا تدعم النظام السعودي، وبالتالي فإن القيادة في السعودية قلقة من استهداف هذه الجماعات للمنشآت النفطية، ما يجعل القادة السعوديين حذرين من تطوير أسلحة نووية قد تستخدم ضد مواطنيهم، أو تقع في أيدي الإرهابيين والواقع أنه حتى اليوم، يتبين أن المملكة تفتقر إلى الموارد المحلية والقدرات التقنية المطلوبة لبناء ترسانة نووية متقدمة، وبالإضافة إلى ذلك لا يوجد دليل على أن السعودية حاولت شراء أسلحة نووية من الموردين في الماضي لكن هناك بعض العوامل التي قد تغير في المستقبل من الموقف السعودي الحالي: في احتمالية التوتر في العلاقات السعودية الأميركية، ولن يتحقق مثل هذا السيناريو إلا في حالة فقدان القادة السعوديين للثقة في قيام الولايات المتحدة بالدفاع عنهم في حالة حدوث أية أزمات مستقبلية، ما سيدفع السعودية إلى السعي نحو تطوير أسلحة نووية لردع أي عدوان خارجي أما العامل الثاني فيتعلق بنجاح طهران في امتلاك ترسانة نووية، ما قد يدفع لاتخاذ القرار بتطوير ترسانتها النووية، بخاصة إذا صَاحَبَ هذا النجاح الإيراني تدهورا في العلاقات السعودية الأميركية ويكمن العامل الثالث في إدراك القيادة السعودية للمكاسب الناجمة عن تطوير أسلحة نووية، خاصة أن الأمير سلطان يُشاعُ أنه كان العقل الموجه إلى برنامج الأسلحة النووية السعودي المزعوم في السبعينيات، الذي كشف عنه الدبلوماسي السعودي السابق محمد الخليوي الذي فرَّ إلى الولايات المتحدة العام 1994، وبالتالي فإنه في حالة توليه الحكم، سيجعل السعودية أكثر ميلاً لتطوير السلاح النووي فهل يدخل أحد هذه العوامل على الخط ليصبح النووي السعودي واقعا؟ وماذا ستدفع المملكة مقابل تحولها الى قوة نووية؟ وماذا يكون الموقف الأميركي والإسرائيلي والإيراني في هذه الحالة؟ أسئلة لا تجيب عنها...إلا المملكة نفسها.

* كاتب من لبنان

وكل ذلك حسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً ودون تعليق .

المصدر: أوان - 30يناير 2009