دروس تركيا في إدارة الاختلاف

 

محمد السعيد ادري

 

 

للمرة الثانية تنجح تركيا في تقديم الدروس في كيفية إدارة العلاقات بين الحلفاء والشركاء. المرة الأولى عندما قررت إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش شن عدوان خارج الشرعية الدولية ضد العراق وطلبت من الحليف التركي الموافقة على استخدام الأراضي التركية لانتقال القوات الأمريكية إلى العراق. ورغم أن تركيا عضو مؤسس مع الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ورغم وجود قواعد عسكرية مهمة لأمريكا على الأراضي التركية، ورغم الحاجة التركية الشديدة للدعم الأمريكي لتيسير دخولها إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، وضخامة العلاقات التجارية والاقتصادية مع الولايات المتحدة، ووجود ملفات تركية ساخنة في يد الأمريكيين، إلا أن هذا كله لم يمنع تركيا من رفض الطلب الأمريكي، والتحمل، بجسارة وشجاعة، كل الضغوط الأمريكية، ورغم ذلك خرجت تركيا، وحكومتها أقوى داخلياً وأكثر احتراماً على المستويين الإقليمي والدولي، ولم تخسر علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.

المرة الثانية كانت في الإدانة التركية الشجاعة للحرب “الإسرائيلية” على قطاع غزة. لم تكتف تركيا بإدانة الحرب وإدانة الصمت الأمريكي لكنها أكدت وتحدّت الإعلام الأمريكي و”الإسرائيلي”، وأعلنت رفض التعامل مع هذه الحرب على أنها دفاع عن النفس، وخاطبت العالم كله بضرورة التعامل معها على أنها حرب غير عادلة وعدوانية، كما رفضت تحميل حركة “حماس” مسؤولية هذه الحرب، وأكدت المسؤولية “الإسرائيلية” الكاملة عن إشعال الحرب وعن الدمار الذي لحق بالشعب الفلسطيني، وقادت الحكومة التركية دبلوماسية نشطة من أجل التوصل السريع إلى قرار بوقف الحرب، وتركت للشعب التركي الحرية الكاملة في أن يعبر عن نفسه وعن وعيه وأن يتظاهر ويدين العدوان ومن يؤيدونه وجاءت المواجهة الأهم عندما انسحب رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان عقب انتهاء رئيس الدولة الصهيونية شيمون بيريز من إلقاء كلمته أمام مؤتمر دافوس، وعدم التمكن من أخذ حق الكلام للرد على أكاذيب بيريز التي حمّل فيها حركة “حماس” مسؤولية الحرب.انسحاب أردوغان أحدث صدمة هائلة لدى “إسرائيل” والولايات المتحدة وكل المنظمات وجماعات الضغط اليهودية في الداخل التركي وفي العالم، وانفجر الغضب والتهديد ضد تركيا والتحذير من أن نيران هذا الغضب سوف تحرق حكومة أردوغان، وأن واشنطن سوف تخرجه من واسع رحمتها، وبدأت عملية فتح الملفات سريعة: ملف الأرض وحقوقهم، ملف عضوية الاتحاد الأوروبي، ملف حزب العمال الكردستاني، ملف الوساطة التركية في صراع الشرق الأوسط، والأخطر هو ملف العداء للسامية رغم هذا كله لم تهتز قناعات أردوغان بصحة ما فعله خصوصاً بعد أن استقبلته المظاهرات الشعبية الضخمة لدى عودته من دافوس حاملة الأعلام التركية والفلسطينية وهي تردد “تركيا فخورة بك”. كان تعليق أردوغان على رد الفعل الشعبي التركي هذا قوله “شعبنا ينتظر رداً من أي رئيس لوزراء تركيا، القضية قضية تقدير لبلادي ومكانتها، لذلك من الواجب أن يكون رد فعلي واضحاً، لم أكن لأسمح لأحد بتسميم هذه المكانة خاصة كرامة بلادي”.قراءة واعية للملف الشائك لدى العرب: المكانة والمصلحة. فالبعض يروج الآن إلى مقولة أن السياسة الدولية تقوم على المصالح، وأنه إذا تعارضت الكرامة الوطنية مع المصلحة فالأولوية للمصلحة، ولتذهب الكرامة إلى الجحيم لأنها مجرد “شعار أجوف”. هكذا نحن نتعامل أو بعضنا يتعامل مع الكرامة الوطنية والعزة والمكانة على أنها شعارات جوفاء، ويتعامل أردوغان والشعب التركي مع الكرامة والعزة الوطنية والمكانة باعتبارها ذروة المصالح الوطنية.أردوغان لم يتوقف عند حدود الدفاع عن المكانة والكرامة التركية بل انه كان واعياً بأن الدفاع عن مكانة وكرامة بلاده يجب ألا يدخلها في صراعات ومشكلات غير مطلوبة، وأنه واع بكيفية إدارة ملف العلاقات مع اللقاء من دون أن يضحي أو يهين كرامة بلاده ومكانتها. كان مدركاً أنه قادر على أن يستوعب كل ما يمكن أن يثار من خلافات وأن “إسرائيل” وأمريكا لن تضحيا بالعلاقة مع تركيا. وهذا هو إعادة تأكيد للدرس الذي لم يستوعبه العرب بعد.

وكل ذلك حسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً ودون تعليق .

المصدر: دار الخليج