أوباما والقنبلة الموقوتة

 

* منصور مبارك

 

 

منذ شن الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش حربه المقدسة ضد الإرهاب، وانتصاب معتقل أكس راي في غوانتانامو وسجني أبو غريب وباغرام وسجون وكالة الاستخبارات السرية، شواهد على عدم اكتراث استراتيجيات هذه الحرب وتكتيكاتها بالقوانين والأعراف المتداولة دولياً وإنسانياً، طفق المهتمون بالسياسة وأفكارها بالحديث عن المأزق الذي يولده التعامل مع خصم لا يأبه أساساً في عقيدته وممارساته بتلك القوانين والأعراف، ما دعاهم إلى تطوير ذلك المأزق وإعادة صياغته، حتى اكتسب مثلما هو معلوم مسمى «القنبلة الموقوتة»، الذي هو في جوهره يقدم تسويغاً منطقياً لرفع المحظورات الأخلاقية عن محاربة الإرهاب .تنهض فكرة القنبلة الموقوتة على فكرة بسيطة، بوسعنا من خلالها أن نجعل مخيلتنا تتصور مخططاً نمطياً لعملية إرهابية، حيث تودع - على سبيل المثال - قنبلة ضخمة في أحد الأماكن الحيوية التي تضج بالعديد من المدنيين كأماكن التسوق أو اللهو، وغير ذلك، وتلقي أجهزة الأمن القبض على الإرهابي المزعوم الذي قام بزرع القنبلة، ونتيجة لاقتناعه بما يقوم به فإنه يرفض الإفصاح عن مكان القنبلة، آنذاك ربما سيكون مبرراً أخلاقياً اللجوء إلى استخدام التعذيب لانتزاع اعترافه، فالقيام بحسبة بسيطة سيجعل المرء على بينة من أن حرمان شخص مفرد من حقوقه الأخلاقية، سينقذ أرواح المئات، إن لم يكن الآلاف من المدنيين الأبرياء. ولئن كان ذلك على المستوى النظري، فإنه أثبت فعاليته عملياً حيث تم انتزاع المعلومات من بعض الإرهابيين. وقد أسهمت بالفعل في إنقاذ حياة كثيرين من الأبرياء. غير أنه كائناً ما كان الأمر، فإن اختراق القانون وحقوق الإنسان لا يمكن لأية غايات أن تبرره، لأنه سيفضي إلى حالة من الفوضى والدمار، لعلها في فداحتها تفوق الإرهاب ونتائجه، وذلك تحديداً، ما كان العصب الحساس الذي تعمّد الرئيس باراك أوباما الضغط عليه كاشفاً الانحراف الكبير في سياسات سلفه التي رآها، بالأساس، مدمرة لمصالح أميركا.

كان الرئيس أوباما أعلنها صراحة أنه سيفكك حقل الألغام الذي تركه سلفه فيما يتعلق بأساليب الحرب ضد الإرهاب، وذلك بالفعل ما قام به في بداية عهده، وعمّد رئاسته بذلك النهج والسياسات، وعلى الرغم من ذلك، فإن التحدي الكبير الذي يواجهه أوباما سيكون في خوض حرب ضروس ضد خصم، وهو هنا تنظيم القاعدة، لا يكترث بالقوانين أو القيم الإنسانية، فأوباما سيعيد اكتشاف عدو توجهه الكراهية ضد ثقافة سياسات وثقافة ودين أميركا، وبعبارة أخرى، ضد أميركا على إطلاقيتها، وهو عدو لا يدخر جهداً في التفنن في ابتداع وسائل وأدوات تتسم بالسادية المفرطة. آية ذلك العداء والكراهية، ما أعلنه قادة تنظيم القاعدة لحظة انتخاب أوباما، فهؤلاء لم يروا فيه تحولاً عن سلفه فيما يتعلق بالأفكار والسياسات، ولم تحركهم حقيقة كونه يتحدر من طبقة ذاقت صفوف التهميش والاسترقاق في المجتمع الأميركي، ولم يعيدوا التفكير في تعليقهم في ضوء حقائق كانتماء والده إلى الإسلام، أو جريان دماء العالم الثالث في عروقه. أوليس تماهي الظواهري مع جماعات الكوكلس كلان الأميركية في وصفه الرئيس الأميركي «بالعبد» أمارة على كراهية تروم تدمير الآخر وفنائه؟ حراجة ذلك المأزق الذي سيجد الرئيس الأميركي نفسه محشوراً فيه، تتفاقم مع حقيقة تشدق سلفه بنجاعة هذه السياسات وفعاليتها من جهة، وبقدرتها على أن تجلب الأمن لأميركا، وأن تحول دون تكرار حدث كالحادي عشر من سبتمبر. وهو ما يشكل في الوقت عينه اختباراً حقيقياً لإدعاء أوباما بأن أميركا بوسعها خوض المعركة ضد الإرهاب دون أن تتخلى عن قيمها ومثلها التي جعلتها أمة عظيمة، وأبعد من ذلك، فإن تنظيمات للكراهية قد تبصر بخرافتها التي تهرف بها دوماً أن تلك إشارة على اندحار أميركا وهزيمتها.يتبدى ذلك المأزق وخياراته في جوانب عدة وكأنه أشبه بمغامرة كبرى، سوى أن أكلافها ستكون باهظة، وليس من قبيل المبالغة القول، بأنها ستحدث تحولاً في مسار العالم ومستقبله. وكائناً ما كان الأمر، فإن خوض معركة تحفّها القيم الإنسانية والمواثيق القانونية ضد تنظيمات إرهابية، لهو أمر لن يكتب له النجاح، أقلها ذلك ما تفصح عنه كتب التاريخ وأحداثه، فهل سيكون الرئيس أوباما قادراً على تغيير حركة التاريخ؟

ذلك السؤال سيظل معلقاً طوال فترة رئاسته.

* كاتب كويتي