لا يريد العرب من أوباما سوى أن يكون أميركياً حقاً!

 

صلاح سالم

 

 

لعل أولئك الذين أبدوا تفاؤلاً مفرطاً حيال ظاهرة أوباما هم أول المنقلبين الساخطين عليه مع أول سلوك لم يتوافق مع توقعاتهم. غير أن أكبر خطأ يمكن للعرب أن يرتكبوه في التعامل مع ظاهرة أوباما هو النظر إليها من زاوية التفاؤل أو التشاؤم ومحاولة تصور المستقبل في فنجان بعض الأحداث من قبيل تعيين يهودي كبيراً لموظفي البيت الأبيض، أو إسناد مسؤولية السياسة الخارجية إلى السيدة كلينتون، أو نمط تفاعله غير الإيجابي ـ حتى الآن ـ مع العدوان على غزة ولعلي أتصور أن هذا العدوان بكل همجيته، يجب ألا يكون دافعا إلى الإحباط من الإدارة الجديدة، بل حافزا قويا إلى حتمية نزع الغطاء الأميركي عن السياسة الإسرائيلية أو على الأقل تحييده. ولن تكون هناك فرصة متاحة أفضل من الآن في ظل إدارة أميركية جديدة، وأزمة كبرى تدعوها إلى المراجعة، وأنهار دماء متفجرة تدعوها إلى التقزز من دعمها للعدوانية الإسرائيلية. هذا الهدف ليس سهلاً بالتأكيد، ولكن إنجازه ولو جزئيا يبقى ممكنا في حال وجود إرادة عربية تسعى إلى إحداث مثل هذا التغيير بدلاً من انتظاره الخجول وعلى سبيل الاجتهاد، ربما كان المقترب العربي الأمثل للتعامل مع «أميركا أوباما» الآن هو الطموح إلى إعادة تأسيس العلاقات العربية الأميركية، والإصرار على مراجعة شاملة لكل ما جرى، إن سلباً أو إيجاباً، طيلة القرن المنصرم من التورط الأميركي في القضايا العربية. هذه الرغبة يمكن أن تتقولب في دعوة إلى صياغة «عقد إستراتيجي جديد» مع الإدارة الأميركية لا يطالبها بتبني القضايا العربية، أو بمعاداة إسرائيل، أو بمنح العرب أو بعضهم موقع الأمة/ الدولة الأولى بالرعاية بل فقط بتبني المصلحة الوطنية الأميركية، فلا نطلب من أوباما سوى أن يكون وأن يظل أميركياً، يصوغ علاقة بلاده بنا في ضوء تقييم واقعي لما تمثله من موارد وأعباء، كما يصوغ مواقفها منا في إطار تصور موضوعي لحجم التناقضات التي تحكم رؤية الطرفين للعالم، من دون قيد إسرائيلي يمثل عائقا على امتداد هذه الرؤية، أو خيالات يمينية موهومة تمثل غطاء كثيفا يعوق نصاعتها. وعندما يكون أوباما هو ذلك المواطن الأميركي المخلص «للحلم الأميركي» لن تكون هناك أزمات تذكر في العلاقات العربية ـ الأميركية، بل تصير هناك إمكانية حقيقية لعقد هذا التحالف على قاعدة القانون الدولي الذي جاء أوباما ليستعيد له حضوره في بنية المجتمعين العالمي والأميركي على السواء، كجوهر للتغيير المنشود ولعلنا نذكّر هنا بوجود محاولات سابقة «مجهضة» على طريق تأسيس هذا العقد، إذ واجهت على الدوام قيودا من مراكز الضغط الصهيونية، وفي الأغلب قصورا في الرغبة الأميركية، وفي العادة تدهورا في الإرادة العربية. وعلى سبيل المثال لا الحصر ثمة ارتباط بين الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وبين الحصار الدولي المفروض على العراق والذي شكّل جوهر الصياغة الاستراتيجية الحاكمة لتفاعلات المنطقة كلها في تسعينات القرن العشرين‏، إذ تأسس هذا الارتباط تحديدا‏ بين الدور العربي الداعم للولايات المتحدة في حرب «عاصفة الصحراء» لتحرير الكويت‏، وبين الدور الأميركي الوسيط بين العرب وإسرائيل في عملية السلام حسب صيغة مدريد الجماعية.

غير أن هذا الارتباط أخذ بالتآكل التدريجي طيلة النصف الثاني للتسعينات بعد أن كانت الولايات المتحدة نجحت في تحقيق أهدافها منه سواء بتحكمها أكثر من عقد من الزمان في مصير العراق على نحو تمكنت معه من عزله تماما عن أي إرادة أخرى عربية أو دولية‏‏. وفي المقابل كان العرب فشلوا في تحقيق أهدافهم منه، إذ انتهت عملية التسوية بعد عشر سنوات من المفاوضات والاتفاقيات إلى نقطة قريبة جداً من تلك التي بدأت منها في ما يتعلق بالخرائط والحقائق على الأرض،‏ وربما أسوأ كثيراً من تلك التي بدأت منها في ما يتعلق بمعيار الشرعية، إذ نالت إسرائيل في هذا العقد صك الاعتراف التاريخي من العرب بوجودها على أهمية ذلك الاعتراف لإسرائيل رمزيا ونفسيا،‏ إذ تمكنت بفضله ‏من تفكيك الحصار العربي/ الإسلامي/ العالم ثالثي الذي كان قد ضُرب حولها بفضل جهود عربية وفي ظل ملابسات تاريخية معقدة لا سبيل الآن لمعاودة بذلها‏ أو لإمكان استعادتها‏ ويمكن الادعاء هنا بأن السبب الرئيس لتآكل هذا الارتباط، وفشل العرب في إنجاز هدفهم منه هو ‏خواء الأساس النظري الذي قام عليه‏ وهو أن التحالفات السياسية يمكن لها أن تحل بديلا كاملا عن القانون الدولي كأساس راسخ لصياغة عقود دائمة. وأيضا لاستثنائية الموقف الاستراتيجي الذي نشأ فيه، إذ ظهر العراق وكأنه خارج إطار العالم العربي على نحو يبرر التحالف ضده، في ما أصبحت إسرائيل وكأنها داخله بفعل التحالف العربي مع أميركا، وبحكم عملية التسوية الجارية آنذاك. ومع زوال طبيعي لذلك الموقف الاستثنائي كان طبيعياً أن يرتبك مثل هذا التحالف، ومن ثم فإن نجاح طبعة جديدة لهذا التحالف الإستراتيجي بين العرب وأميركا يقتضـــــي أمرين:

أولهما أن يرسو هذا العقد على قاعدة الشرعية والقانون الدوليين، وأن يكون هدفه المباشر هو مساعدة أميركا للعرب في تطبيقهما على الصراع العربي ـ الإسرائيلي باتجاه حل الدولتين كاملتي السيادة، بغض النظر عن أي ارتباطات سياسية لطرفيه في ما يبقى هدفه الرئيس أن يصبح العالم العربي، بما يملكه، وفي كل القضايا الأخرى شريكاً أساسيا في رؤية أميركية للعالم تنهض على أساس العدالة الدولية، والعالمية الإنسانية لا بما يجعل العرب ترسا في الآلة الأميركية الضخمة، بل بما يجعلهم قوة أخلاقية وحضارية في العالم المعاصر تتسق مواقفهم مع قضاياهم وأهدافهم الإنسانية، وهو أمر غاب كثيراً عن الرؤية العربية للعالم على نحو أضعف من حضور العرب وتأثيرهم فيه وثانيهما أن يتجاوز العرب مأزق الانقسام الدائم، والذي تشكلت طبعته الأخيرة في قالبي المعتدلين والممانعين، إذ قبل الحديث عن مدى التعاطي الأميركي مع المطالب العربية، ينبغي أولا تحديد ما هي هذه المطالب، ومن وما الذي يملك الحق «القومي» في الادعاء بحيازتها لتلك المواصفات التي تجعلها حقا مطالب عربية. ونظن أن أميركا الجديدة ربما كانت قابلة وقادرة على التعاطي مع تلك المطالب العربية المشروعة والجامعة، وألا انتفت شرعية جدتها بما أنها أميركا، وبما أن احترام الشرعية الدولية بمثابة مكون قديم في الحلم الأميركي، لابد أن يتجدد في خضم البحث عن المصلحة الأميركية «الحقيقية» لا «المتوهمة». 

* كاتب مصري

وكل ذلك حسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً ودون تعليق .

المصدر: daralhayat.com