الإفراط في ذم الاتفاق النووي الأميركي ـ الهندي أو مدحه...حماقة

 

راجان مينون وأناتال ليفين

 

ظهر بجلاء أن هناك موقفين متباينين إزاء الاتفاق النووي الأخير الذي وقعته الولايات المتحدة مع الهند ، ويمكن القول بأن أحد التوجهين يشوبه قدر من الحماقة في حين أن الآخر قد يبدو أكثر اتزانا. والأول يقوم في أساسه على إعتبارات تتعلق بإتفاقية منع الإنتشار النووي،في حين أن الموقف الثاني الذي يستحق التوقف عنده يرتبط بالحديث عن طبيعة الشراكة الاستراتيجية الجديدة بين الولايات المتحدة والهند وكذا مجمل الاستراتيجيات الأميركية في المنطقة.

والاقتراح الأول الذي ينادي بأن الهند يجب ألا تكافأ على تطويرها أسلحة نووية يتسم بالغباء وعدم القدرة على قراءة الموقف. فالواقع يقول أنه لا يوجد ادنى إحتمال أن تتخلى الهند عن برنامجها النووي،مثلها في ذلك مثل الولايات المتحدة أو روسيا أو الصين ومن ثم فهناك دوافع قوية تقف وراء بذل الولايات المتحدة مساعدة نوية للهند لمساعدة الاخيرة في تطوير صناعاتها النووية بأكبر قدر ممكن من الأمان والحداثة.

وعلى النقيض من ذلك فالحديث عن معاقبة الهند يعني ببساطة تفكيك عرى العلاقة بين نيودلهي وواشنطن لغير سبب جيد ، فآجلا او عاجلا ستمد إحدى القوى النووية مثل فرنسا او الصين يدها وتبيع للهند وقود وتقنية نووية. والقول بأن الاتفاق الاميركي الهندي من شأنه أن يشجع إيران وكوريا الشمالية مردود عليه،فكلتا الدولتين قد أخذت قرارها النووي منذ وقت طويل مضى في حين ان قراراتهما المستقبلية سوف تقوم على أساس حسابات داخلية واستراتيجية منفصلة. والقرارات القادمة التي ستتخذها كوريا الجنوبية واليابان سوف تكون بالمثل نتيجة لسلوك كوريا الشمالية مع الصين وليس الهند.بيد أن هناك بالفعل ما يبعث شعورا بالقلق العميق إزاء الإتفاق الاخير. والملاحظ ان عدد هائل من الأميركيين قد بنوا توجهاتهم نحو هذا الإتفاق على أساس من التصور الخاطئ فيما يتعلق بتحقيق التوازن أمام الصين وعزل إيران. والأخطر من ذلك فالاتفاق يعكس حالة من اللامبلاة لدى الولايات المتحدة إزاء المخاوف الأمنية لباكستان وما قد يستتبع ذلك من آثار على المدى البعيد للبرنامج النووي الهندي على سلوك باكستان.وبالطبع فإن الولايات المتحدة تسعى لجعل الهند حليفة لها أمام كلا من الصين وأجزاء من العالم الإسلامي لم يفهم طبيعة المصالح الحيوية الهندية ومدى تصميم الهند على المضي قدما للدفاع عن تلك المصالح. وبدلا من أن تؤدي تلك المحاولات التي تبذلها اميركا لقيادة علاقة قوية وممتدة مع الهند يمكن ان ينتهي بها الحال إلى السقوط في مستنقع الوعود التي لم تحقق والاتهامات المتبادلة. فالولايات المتحدة يجب ألا تتوقع استجابة فورية من الهند لجهودها الرامية إلى فرض العزلة على إيران. فالهند تقف في أمس الحاجة إلى الطاقة الإيرانية ، والدولتان تربطهما علاقات جيدة ، والمؤكد أن الهند لن تضحي بذلك لإرضاء الطرف الأميركي.وعلى صعيد آخر فالعلاقات بين الولايات المتحدة والهند قد تشهد تأزما من الناحية الإقتصادية. ففي الوقت الذي ينظر فيه بعض الأميركيين بعين الإنبهار إلى السوق الضخم في الهند يخشى آخرون من المنافسة الهندية بنفس القدر من التوجس الذي كانوا ينظرون به في السابق إلى العلاقات مع الصين ، ويعتقدون مثلا أن مراكز الإتصالات الهاتفية الهندية التي يديرها هنود في الولايات المتحدة نذير بخطر كارثي يتهدد واحدة من أهم الصناعات الخدمية في الولايات المتحدة. وإذا ما حدث أن تعرضت الأسواق الاميركية إلى هبوط إقتصادي حاد فسوف ترتفع الأصوات المطالبة بتشديد قيود الحماية ضد الهند كما هو الحال مع الصين.وبالنسبة للقول بأن الهند تمثل توازنا امام الصين فهو إدعاء يتجاهل الطبيعة الجغرافية وما تمثله جبال الهيمالايا. فالحقيقة أن الصين والهند منعزلتان كل في ناحية جغرافية ولا يبدو أن حساسيات دبلوماسية بسيطة يمكن ان تهدد أي منهما. وقد يبدو ذلك أكثر قبولا بعد أن شهدت العلاقات الصينية الباكستانية نوعا من الفتور لخشية الصين من التشدد الإسلامي. لذا فالهند ليس لديها كثيرا مما قد تجنيه بانضمامها إلى استراتيجية مشتركة مع الولايات المتحدة تقوم على أساس احتواء الصين.كما أن الاتفاق الموقع بين الهند والولايات المتحدة يبعث بإشارات خطيرة مفادها انه ما لم يصاحب ذلك الاتفاق آخر مشابه بين واشنطن واسلام اباد - وهو ما يبدو بعيدا عن مخططات الكونغرس - فسوف تشعر الحكومة الباكستانية بتلك النظرة الدونية وعندها تتعرض علاقات أخرى حيوية للولايات المتحدة للخطر، كما أن موقف القوى المتشددة في المجتمع الباكستاني سوف يكتسب صلابة وفعالية.لذا عندما يناقش الكونغرس الأميركي الإتفاق الأخير مع الهند عليه ان يصر على ان يلحق به استراتيجية اميركية أكثر اتساعا نحو جنوب آسيا تتضمن تحركات أميركية واسعة للمساعدة في إنهاء الصراع بين الهند وباكستان حول كشمير، وتقديم مساعدة أميركية لكلا من الهند وباكستان في مجالات الأمن والقيادة والسيطرة النووية إلى جانب إجراءات بناء الثقة المتبادلة. وعلى الكونغرس أن ينتهز الفرصة للتفكير الجاد في الاستراتيجيات الاميركية في باقي آسيا.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر : ايلاف نقلاً عن مؤسسة نيو أمريكا-11-3-2006