مقالات و محاضرات

 

 

هل تساعد أميركا الهند على "المروق النووي"؟!

 

توماس فريدمان

 

لقد حظيت الهند بمكانة خاصة في نفسي, ولك أن تصفني بالتحيز إن شئت, غير أني أجد نفسي شديد الضعف إزاء دولة, يبلغ تعداد سكانها مليار نسمة, وتتحدث بمئة لسان مختلف, ويدين أهلها بديانات شتى, بينما أصبحت قيم الديمقراطية وتنظيم الانتخابات الدورية المنتظمة فيها, جزءاً لا يتجزأ من نمط الحياة هناك. ورغم الفقر المدقع والمتفشي بين سكان الهند, فها نحن نراهم يرفدون العالم كله بأجيال لا تنقطع من الأطباء والمهندسين, مما يساعد في جعل عالمنا أكثر إنتاجاً وسلامة. ولا أحد يستطيع أن يكابر أو ينكر التأثير السلبي الذي خلفته التفجيرات التي وقعت في الهند يوم الثلاثاء الماضي, إلا أن الحقيقة تظل كما هي, من ناحية أن الهند ليست العراق بأية حال, وأنها بلد التسامح والاستقرار. ولكل هذه القناعات مجتمعة, فإنني أثني على هذا الحماس الذي يبديه الرئيس بوش لتعميق علاقة الشراكة بين بلاده والهند. على أن هناك شيئاً وحيداً سأمتنع عن تأييد فعله في مساعي تعميق هذه الشراكة: المصادقة على صفقة الأسلحة النووية التي أبرمت مؤخرا بين واشنطن ونيودلهي– بصورتها التي تم اعتمادها. فرغم حماسي وتأييدي لابتكار كافة السبل والوسائل التي تذلل انضمام الهند إلى النادي النووي الدولي, انطلاقاً من قناعتي بضرورة معاملة الهند في هذا الأمر على نحو مختلف عما هو عليه الحال مع إيران, فإن هذا الانضمام يجب ألا يتم على نحو يعصف بمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية, ويطلق مجددا عنان سباق نووي محموم في منطقة جنوب آسيا.

فما المشكلة ولمَ التحفظ والاعتراض؟ الإجابة أنه لم يسبق مطلقاً للهند أن وقعت على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية, مع العلم بأنها تشكل الإطار الدولي القانوني, الذي حصر العضوية في النادي النووي الدولي على كل من الولايات المتحدة الأميركية والصين وروسيا وبريطانيا وفرنسا. وعلى امتداد عدة عقود متتالية, ظلت السياسات النووية الأميركية ثابتة إزاء امتناعها عن بيع أية تكنولوجيا نووية سلمية لأي دولة لم توقع على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية. وطالما أن هذه السياسة تشمل الهند بين دول أخرى عديدة, فإن ذلك يعني أنه لا يجوز للهند شراء أية مفاعلات نووية من أميركا, حتى وإن اقتصر ذلك حرفياً على تلبية حاجاتها المدنية السلمية للطاقة النووية.

ولكن الذي حدث عملياً, مع حاجة الهند الماسة لشراء التكنولوجيا النووية الأميركية من جهة, ومع حاجة واشنطن الماسة لتطوير وبناء علاقة شراكة اقتصادية استراتيجية مع الهند, بما يضمن تحولها إلى ثقل اقتصادي جغرافي- سياسي مكافئ ومواز للصين في المنطقة الآسيوية من الجهة الأخرى, فالذي حدث هو انكباب فريق بوش واستعجاله لإيجاد مخرج ما للهند, من المأزق الذي زجت نفسها فيه, لحظة إجرائها لأول اختباراتها النووية عام 1974. ووفقاً لصفقة بوش- الهند التي أبرمت مؤخراً, فستخصص الهند 14 مفاعلا من بين مفاعلاتها الـ22 للأغراض السلمية, شريطة خضوعها لإجراءات السلامة والرقابة الدوليتين, تاركة بذلك الثمانية مفاعلات الأخرى المتبقية, خارج الرقابة وعمليات التفتيش الدولي, مما يعني إمكانية إنتاجها لأية كميات تريدها نيودلهي من البلوتونيوم القادر على تعبئة القنابل والأسلحة النووية. وفي المقابل فقد أصبح في مقدور الشركات الأميركية, بيع الهند المفاعلات والتكنولوجيا النووية التي تريدها للأغراض السلمية.

وعليه فلابد من القول إن هذه الصفقة مثيرة للقلق لسببين رئيسيين. أولهما أنها تقوض معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية. فرغم علمنا بعدم إيمان إدارة بوش بالمعاهدات الدولية الشبيهة, وأنها تصف هذه المعاهدة تحديدا بالعجز عن لجم جماح الدول المارقة, إلا أن الذي لا يمكن تجاهله, هو أن معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية بالذات, هي التي شكلت الإطار الدولي القانوني الذي تمكنت الولايات المتحدة بموجبه من بناء التحالفات التي شلت "المارقين النوويين", وحالت بينهم وبين نشر الأسلحة النووية. وفي المنحى ذاته, فقد كان أهم عامل وراء عزل صدام حسين وغزو بلاده وإسقاطه, هو ما نسب إليه من انتهاك للمعاهدة ذاتها التي وقع عليها العراق! وبموجب المعاهدة يحق لنا إيقاف وتفتيش السفن المشتبه في أنها تحمل أسلحة نووية. وبموجبها أيضاً اختارت كل من اليابان والبرازيل والأرجنتين التخلي عن أسلحتها النووية, مقابل حصولها على تكنولوجيا الطاقة النووية العالمية, التزاماً منها بنصوص المعاهدة التي وقعت عليها.

أما السبب الثاني الذي يثير القلق إزاء الصفقة المذكورة, فيتلخص في أنها تعطي الهند جواز مرور مجاني للنادي النووي, دون أدنى التزام منها تجاهه! تعليقاً منه على الصفقة الأميركية- الهندية, قال "بوب آينهورن" -الذي عمل مسؤولاً في مجال حظر انتشار الأسلحة النووية على امتداد كافة الإدارات المتعاقبة, منذ عهد الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون- إن من شأنها أن تحرض الجارة باكستان ناهيك عن بقية الدول الآسيوية المجاورة، على المضي في الطريق ذاته. ورغم أن الهند تتعلل بحاجتها لإنتاج المزيد من المواد النووية, كي تكون لها قوة رادعة يعول عليها في المنطقة, إلا أنه ليست ثمة ضمانات لمصداقية هذا القول, في ظل خروج الهند الحالي عن معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية. لذا فإن الصحيح هو الامتناع عن إكمال هذه الصفقة وتنفيذها, حتى تستعد الهند لوقف إنتاج المواد النووية الانشطارية القادرة على صنع السلاح النووي.

وكل ذلك بحسب رأي توماس فريد مان في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز" -9-3-2006