نبذ ثقافة العسكرة وتحقيق الأمن الوطني

 

لطيف القصاب

 

 

شهد العراق بعيد الحرب العراقية الايرانية مطلع الثمانينات من القرن الماضي عسكرة للدولة  بكل ماتعنيه هذه الكلمة من صور وظلال، فابتداء برئيس واعضاء الحكومة كان الزي الكاكي او الخاكي زيا رسميا لايمكن التجاوز عليه بزي مدني اللهم الا لرجال السلك الدبلوماسي  في الخارج وبعض مسؤولي النظام في الداخل لاسباب وظروف سياسية استثنائية...,  اما المجتمع بشكل عام  فكان ابناؤه رهن اشارة الموت في اية لحظة، والمفارقة انه بمجرد انتهاء المعارك التي دامت ثماني سنوات مع ايران استدعت وزارة الدفاع العراقية انذاك وبشكل مريب  وجبة كبيرة من جنود الاحتياط بدلا من تسريح الوجبات القديمة كما هو المعتاد في مناسبات وقف اطلاق النار بين الدول المتحاربة, الامر الذي فسره البعض حينها بتفسيرات شتى  كان من جملتها الاستعداد لحرب جديدة، اية حرب لا على التعيين فقد نما في اللاشعور الجمعي لعامة المواطنين ان سياسة النظام كانت تعتمد في وجودها على وجود عدو..,  أي عدو..، والمجتمع بهذه الافكار والمشاعر كان يعيش حالة طوارئ عسكرية استمرت لسنين طوال ثقال.., ولم يطل الامر اكثر من عام واحد حتى صدقت التوقعات بقدوم حرب جديدة دارت رحاها في مدن الجهراء والعبدلي والسالمية والشقايا والمناقيش الكويتية هذه المرة..وبالرغم من ان ظروف الحرب العراقية الايرانية من جهة  وحرب العراق وامريكا ابتداء من غزو الاول للكويت فصاعدا  لم تسر على وتيرة واحدة الا ان عسكرة الدولة كان نهجا لم يحد عنه نظام الحكم في ذلك الوقت، وحتى مع تركه الزي العسكري الى اخر مدني ظلت افكار راس النظام مهووسة بشخصيات نبوخذ نصر والحجاج  وصلاح الديون الايوبي مثلما ظلت صورته مرتبطة بقبضة بندقية "البرنو" حتى اخر لحظات سقوطه...وبالنسبة للثقافة  فان سرادق العسكرة ضربت اطنابها في كل نوع فني او ادبي  كما هو معروف لكل من عاصر شيئا معتدا به من التاريخ الثقافي لتلك الفترة البائسة وقد يكون في  معنى بيت الشعر القائل : "لجل صدامنا وتنظيمنا الحزبي...نصوغ ارواحنا سيوف وشعر شعبي" اختصار مكثف لصورة معسكر او مشهد الثقافة العراقية انذاك.

فاذا تركنا تلك الحقبة من التاريخ المعاصر الى زمن التغيير الذي طال البنية السياسية في العراق مع اطلالة  يوم التاسع من شهر نيسان  عام 2003 ؛ سنقف اولا وقبل كل شيء على استذكار قرار الحاكم المدني الامريكي بول  بريمر والذي قضى بحسب الامر رقم 2 والصادر بتاريخ 23 أيار من نفس ذلك العام  بحلّ الجيش العراقي، هذا الجيش الذي كان السبّاق - على الاقل في محيطه العربي -  بقيادة اول انقلاب عسكري ناجح في تاريخه الحديث، حدث ذلك ليلة الخميس المصادف للسابع والعشرين من شهر  تشرين الأول عام 1936 حينما اطاح الفريق بكر صدقي بحكومة ياسين  الهاشمي تحت ضغط المدفعية والدبابات...., وبصرف النظر عن الاسباب والدوافع التي قادت الى تسويغ وتنفيذ فكرة حلّ الجيش من قبل الامريكي بول بريمر وبعض الساسة العراقيين  فان واقع البلاد شهد تضخما شديدا  في داء العسكرة العراقي  الى الحد الذي اصبح من المألوف ان تجد قطعة سلاح واحدة او اكثر  في اي بيت عراقي تقريباً، حتى تلك البيوت التي لم يكن لها سابق عهد بهذا النوع من المقتنيات، الأمر الذي كان له تاثيره البالغ فيما بعد على نمط الحياة العنيف  الذي عاشه العراقيون عندما شرع المتمترسون من كل طائفة في اعادة تنظيم قواهم والتخطيط للفتك بالطائفة العدّوة... والعمل من اجل تعبئة طائفية  مفادها  أن من لاسلاح له..لاشرف ولا عرض ولا دين  ولا امن له وهكذا فقد أنتج حلّ الجيش العلني جيوشا سرية بدأت تظهر للعيان  شيئا فشيئا على شكل جماعات مسلحة وميليشيات وعصابات خطف وقتل وتهجير,فعاش العراق لاسيما في عامي 2005 و2006 اسوأ مراحل تاريخه المدون,غير انه مع تنامي الرفض الجماهيري لسيطرة امراء الحرب الجدد  من كلتا الطائفتين المسلمتين ، ومع تنفيذ الخطط الأمنية التي فرضتها الحكومة ابتداء من شباط عام 2006  واستيلائها على كميات هائلة  من الاسلحة والاعتدة بطريقتي الترغيب والترهيب في مدن مهمة  من مدن  البلاد، بدأت  إمارات العدّ العكسي لمعدلات العنف تلوح بالافق،  بيد ان الامر لم يصل حتى هذه اللحظة الى الوضع الطبيعي المطلوب  بكل تأكيد،  ومع ان بعض المتفائلين يؤكدون بان مصادرة السلاح وجعله حكرا في يد الدولة العراقية هي مسالة وقت لايمكن له ان يتمدد طويلا بخاصة مع الحزم الذي تبديه الحكومة الحالية والجهد الامني الدولي والاقليمي الذي نحا منحى جديا  في الاونة الاخيرة الا ان العديد من أطباء النفس والمشتغلين بعلم الاجتماع  مايزالون  يصرون  على التشكيك  بقدرة المجتمع العراقي على التعافي قريبا مما الم به من امراض جرّتها عليه مأسي الحروب وشيوع ثقافة العسكرة ان نَفَس النظام الحاكم ونظرته الايدلوجية  للكون والحياة يلعبان دورا مهما في تشكيل الوعي العام  لدى الجماهير ومن المعروف بان الدول التي تنهج نهجا مسالما يمتاز مواطنوها بشكل عام بالدعة والجنوح للسلم فيما بينهم والعكس من هذا هو الصحيح بالنسبة للشعوب التي ترزح تحت نير الحكم العسكري بل حتى  الحكم الديمقراطي الذي يعتمد في  سياسته الخارجية على مبادئ العدوان على الاخرين، او ينهج في سياساته الداخلية منهج التخوين والمخاتلة وإشاعة الخوف من الأخر المختلف وتأجيل التفكير بطي صفحة الماضي وفتح اخرى جديدة مع ذلك الاخر المختلف....وليس من شك في  ان تواجد العسكر بكثافة في شوارع المدن عادة ما يسمها بصفات الثكنات العسكرية ويسلب منها طابعها المدني المالوف ويلقي في روع المواطن الاحساس بالخوف ويثير في نفسه الاستعداد للخطر القادم اكثر من تزويده بمشاعر الراحة والامان مثلما يتوهم بعض العسكريين ممن اخذتهم العزة بالوهم، فشرعوا بإلصاق صورهم الشخصية حيثما وجدوا لها موقعا استراتيجيا... في استعراض للقوة والسطوة، وفي غيبة عن وعي المسلمات التي تنص على  ان هيبة السلطة  يمكن ان تتبدى بصور مدنية كثيرة غير صورة الجندي المدجج بالسلاح، وغير سيطرات التفتيش التي تتبخر فوائدها في ظل الازعاج  العام الذي ينتج بصورة لا ارادية من طبيعة الدور الذي تؤديه وعليه فان من جملة الامور التي قد تساعد في  برء الجرح العراقي سريعا هو اشاعة نمط الحياة المدني ونبذ ثقافة العسكرة،  ولعل في تأمل النقاط التالية بعضا من العوامل التي تساعد في تحقيق مثل هذه الغاية النبيلة  :

- التطبيق الفعلي  لمبدأ المواطنة وعدم التمييز بين المواطنين اثنيا او دينيا او جغرافيا، واشاعة ثقافة الاحتكام لبنود الدستور واحترام نصوصه لسد الباب امام المشاريع الانقلابية  المحتملة.

- رفع حالة العسكرة التي تنتهجها بعض اجهزة الدولة من خلال رفع الحواجز الكونكريتية والتقليل من اكتساح افواج الحماية الشخصية للشوارع والطرق.

- بناء وتطوير اجهزة الامن والاستخبارات بشكل مهني وبعيد عن غايات آنية، والتعاقد الرسمي مع الشركات الامنية العالمية  ذات السمعة الرصينة  من اجل استبدال اجهزة الرصد والكشف البدائية باخرى اكثر حداثة وكفاءة، فضلا عن تدريب قوات الامن العراقية بشكل يضمن الوصول الى مراحل الاحتراف الفعلي باسرع وقت ممكن...

- تفعيل دور المجالس المحلية في المدن والنواحي في تقييم الموقف الامني ورصد الحالات المشبوهة.

- استبدال نقاط التفتيش الثابتة باخرى متحركة على غرار دوريات شرطة النجدة  وغيرها، ونصب كاميرات المراقبة الدائمة في الشوارع الرئيسة والفرعية.

- التنسيق التام بين الاجهزة الامنية المختلفة ومنع تداخل الصلاحيات فيما بينها, والقضاء النهائي على افكار تسييس القوات المسلحة.

- اشراك المواطنين بالجهد الامني من خلال الترويج المستمر للثقافة الطوعية والانخراط في اعمال المجتمع المدني.

- عدم الدعوة الى تشكيل اذرع امنية بدواعي سياسية، والتخلص من تلك التي لامبرر لوجودها او فقدت مبررات الوجود بطرق علمية مدروسة، ليس من بينها الزج العشوائي في مفاصل الدولة.....

- مراقبة انشطة اجهزة الامن لاسيما الشرطة المحلية منها والعمل على تثقيف منتسبيها بثقافة حقوق الانسان ومحاسبة المقصرين منهم ليكونوا عبرة لمن سواهم. 

- تغيير اسماء الاحياء في المدن بل حتى اسماء الاندية الرياضية التي تدل على مسميات عسكرية...، وعدم اطلاق اسماء القادة والزعماء - ممن اشتهروا تاريخيا بميلهم للعنف وسفك الدماء- على الشوارع والاماكن العامة......

- تضمين العلم الوطني برمز او اكثر من رموز السلام، فضلا عن اتحاف  مناهج التربية والتعليم باسماء وسير الشخصيات الدينية والاجتماعية والسياسية التي امتازت عن سواها بتوخي منهج الاعتدال والسلام في طريقة الحياة فكرا وسلوكا.

* ورقة مقدمة الى مركز المستقبل للدراسات والبحوث

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:mcsr.net