توقّعات قاتمة للعالم العربي في 2009

باتريك سيل

 

 

 

فيما تشارف سنة 2008 على النهاية، لا يمكن أن يفرح العالم العربي بأحداث السنة الماضية، وثمة أسباب وجيهة ليخشى ألا تكون السنة المقبلة أفضل، إذ تبشر سنة 2009 بأن تكون سنة قاسية على الصعد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وحدّدت أحداث ثلاثة مهمة في سنة 2008، البيئة غير المستقرة التي يعيش فيها العرب.

الحدث الأول هو انهيار النظام المالي العالمي وتبعاته القاسية على سلامة الاقتصاد العالمي. أما الحدث الثاني، المرتبط في شكل وثيق بالأول، فهو الانخفاض الحاد في الطلب على النفط وما ترتّب عنه من تراجع حاد في أسعار النفط وكان ذلك بمثابة الضربة القاضية بالنسبة إلى الاقتصادات العربية، بدءاً بالعراق ومروراً بدول الخليج ووصولاً إلى الجزائر. ولا تجد الدول العربية عزاءً في تضرر بعض الدول الأخرى جراء هذه الأزمة، لا سيما اقتصادات روسيا وإيران وفنزويلا ونيجيريا وأنغولا أما الحدث الثالث البارز في سنة 2008، فهو انتخاب باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة. أوباما شخص مختلط العرق ومتحدّر من خلفية العالم الثالث، وهو بالتالي قائد أميركي استثنائي ينتظر العالم منه الكثير سيتسلّم أوباما مهماته في 20 كانون الثاني (يناير) وهو يتمتّع بشخصية قوية ويملك عزماً واضحاً على قلب صفحة عهد جورج بوش الابن الكارثية يعلّق الكثير من العرب آمالاً على أوباما ليساعد، على الأقل، في حلّ بعض النزاعات الطويلة التي تجتاح الشرق الأوسط الكبير، ومن الممكن ان يقوم بذلك، لكن، يجب ألا ينسى العرب أن أوباما تعهّد تقليص اعتماد أميركا على النفط المستورد، بما في ذلك النفط الذي تضخّه دول عربية. ولم يتردّد في القول إن اعتماد أميركا على النفط الخارجي يضع المال في أيدي أعداء أميركا وقد يُوجّه أوباما، في إطار بحثه عن مصادر الطاقة المتجددة وتشجيعه التكنولوجيا «الخضراء» ومطالبته بإنقاذ الأرض من مخاطر تغيّر المناخ، ضربة أخرى لاقتصادات العالم العربي التي تعتمد على النفط.

لا أحد يعلم متى سيستعيد الطلب على النفط حيويته وما سيكون معدله، لكن، في هذه المرحلة، يجب أن يعي العرب أن المهندسين في عدد كبير من الدول يعملون بكدّ لتطوير السيارات التي تعمل على الهيدروجين. وتخطط شركة «هوندا» لإنتاج طرز من هذه السيارات بكمية كبيرة سنة 2018 وفي الوقت نفسه، تخطّط شركة صينية رائدة «بي واي دي أوتو» -(ومعناها «ابن حلمك») لإنتاج سيارة كهربائية مئة في المئة بحلول 2009، علماً أن شركة «بي واي دي» هي الشركة الرائدة في العالم في صناعة البطاريات الكهربائية لأجهزة الخليوي. وتوقّع رئيس الشركة وانغ شوانفو أن تصبح شركته أكبر مصنّع للسيارات في الصين بحلول سنة 2012 وأكبر مصنع للسيارات في العالم بحلول سنة 2025. ومن غير المفاجئ أن يبتاع وارين بافيت وهو المستثمر الأذكى في أميركا، 10 في المئة من شركة «بي واي دي» مقابل 230 مليون دولار ويجب أن يقوم منتجو النفط العرب بتقويم تطوّرات مماثلة بحذر، بما أنها كفيلة بأن تؤثّر في طلب النفط. ويتوقّع خبراء أن يصل معدل سعر برميل النفط إلى حوالى 40 دولاراً في سنة 2009 وهو فرق شاسع مقارنة بسعر البرميل الذي وصل إلى ذروته، أي إلى 149 دولاراً خلال تموز (يوليو) الماضي. وقد يستطيع بعض الدول التعامل في شكل أفضل، أكثر من دول أخرى، مع هذا الانخفاض الكبير في المدخول وأعلنت المملكة العربية السعودية، وهي الاقتصاد الأكبر في العالم العربي، أن من المتوقع أن تتكبد عجزاً في الموازنة في سنة 2009 للمرة الأولى منذ سبع سنوات. إلا أن السعودية تملك أصولاً خارجية تبلغ حوالى 500 بليون دولار. وهي بالتالي في موقع جيّد يسمح لها بأن تتخطى الأزمة. كما أنها تخطّط لتعزيز نفقات الحكومة بهدف إنعاش الاقتصاد.

لا ينطبق الأمر نفسه على العراق، الذي يجب أن يؤجل خططه الهادفة إلى إعادة بناء البنى التحتية الحيوية التي دُمرت جراء ست سنوات من الحرب. ويذكر أن العراق يعاني من الحرب، كما فُرضت عليه عقوبات قاسية منذ سنة 1980! وستعاني إيران التي تعُدّ حوالى 70 مليون نسمة، من انهيار أسعار النفط وستُجبر على أن تتخلى عن معظم مشاريعها الاقتصادية. وقد يكون الرئيس محمود أحمدي نجاد الضحية الأبرز للأزمة. فهو يوشك على أن يخسر الانتخابات التي ستجرى في حزيران (يونيو) 2009، لا سيما بعد أن انتقده بشدة علماء الاقتصاد بسبب التفريط بثروة إيران النفطية وقد تواجه بلدان الخليج مشاكل اجتماعية خطرة تتعلق بعمالها المهاجرين. وبحسب ما أعلنت منظمة «هيومان رايتس ووتش» في صحيفة «فاينانشيل تايمز» في 23 كانون الأول (ديسمبر)، ثمة ما يقارب 3 ملايين هندي وبنغلادشي وباكستاني في الإمارات العربية المتحدة، يعمل معظمهم في ميدان الأشغال اليدوية والبناء. فما الذي سيحلّ بهؤلاء العمّال في حال تأجيل أو إلغاء عدد كبير من مشاريع العقارات والبناء؟ هل سيتمّ خفض رواتبهم المتدنية أصلاً؟ هل سيحصلون على تعويضهم في حال أُجبروا على العودة إلى ديارهم؟ وماذا ستكون التبعة على اقتصادات شبه القارة الهندية في حال توجّه مئات الآلاف من هؤلاء العمال المهاجرين إلى بلدهم الأم؟

يبدو أن دول الخليج في حاجة اليوم إلى أن تكون حذرة للغاية. فيجب وضع مشاريع إنفاق المال أو تبذيره أحياناً، جانباً. تكريس كل الجهود والموارد للتعليم وللتدريب التربوي ولإصلاح أحوال العمال ولإنشاء فرص جديدة للتعبير الحرّ والحوكمة الرشيدة في شكل عام. كما يجب حماية نجاح بلدان الخليج كقطب جديد للتقدم والحداثة العربية مهما كلّف الثمن وتهدّد السنة الجديدة بأن تكون صعبة على الصعيد الاقتصادي. لكن من المرجح أن تفرض تحديات سياسية قاسية بسبب النزاع الذي يرخي بثقله على الشرق الأوسط. ويجب وضع مساعدة باراك أوباما على التطرق إلى هذه الأزمات وحلّها، على جدول أعمال الزعماء العرب.

وفي ما يأتي، المسائل التي يجب أن يضعوها نصب عيونهم:

- مساعدة الولايات المتحدة على إجراء تغيير سريع وعلى الانسحاب من العراق.

- تشجيع التجانس الطائفي والمصالحة الوطنية وإعادة إعمار العراق اقتصادياً من أجل سلامة العالم العربي الأوسع ومصلحته.

- دعم خطة السلام العربية بالكامل (الخطة التي أُطلقت للمرة الأولى في قمة بيروت 2002) وترويجها في عواصم العالم وفي إسرائيل أيضاً كمساهم أساس في إحلال السلام العربي - الإسرائيلي.

- تشجيع الحوار بين الولايات المتحدة وإيران كمساهمة أساسية في الاستقرار والازدهار في منطقة الخليج.

- تقديم أفكار جدية لإنشاء نظام أمن إقليمي يضمّ أعضاء مجلس دول التعاون الخليجي مع العراق، وإيران مع تركيا ويمكن توسيع هذا النظام عند إرسائه ليضمّ سورية والأردن ومصر ويجب أن يجد المرء لحظة تأمل عند الانتقال من سنة إلى أخرى، تسمح له بأن ينسى همومه اليومية وبأن يفكر بطريقة مبدعة.

وكل ذلك حسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً ودون تعليق .

المصدر:daralhayat.com