مفاتيح أوباما في الشرق الأوسط ...السلام مع سورية والتفاوض مع إيران وحل القضية الفلسطينية 

 

 

بقـلم :ريتشـــارد هــاس- مارتن اندك

ترجمة: ريما الرفاعي - فورن افيرز 

 

 

 

منذ انهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1991 أصبحت الولايات المتحدة القوة البارزة المؤثرة في الشرق الأوسط. لكن في السنوات الست الماضية اضمحل تأثيرها بسبب فشلها في إيجاد تسوية للقضية الإسرائيلية- العربية وبسبب حربها في العراق، إضافة إلى فشلها في نشر الديمقراطية في هذه المنطقة، وتلطخت سمعتها أكثر جراء سياستها المتغطرسة والمعايير المزدوجة في وقت أهملت الجهود لحل الخلافات في المنطقة، كما أن نفوذ الولايات المتحدة في العالم تأثر سلباً جراء سياسات إدارة بوش التي برهنت على أن الولايات المتحدة غير قادرة على الوفاء بوعودها فضلاً عن أنها تعقد الأمور عندما تحاول حلها بطريقة أحادية إن النجاح في الشرق الأوسط يتطلب من الإدارة الأميركية الجديدة أن تتحرك في إطار أبعد من العراق وأن تعثر على طرق جديدة للتعامل البناء مع سورية وإيران وعملية السلام الفلسطينية- الإسرائيلية سيواجه الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما سلسلة من التحديات الصعبة والمعقدة والمترابطة في منطقة الشرق الأوسط ما يتطلب عناية وتدخلاً سريعاً. وأبرز التحديات: وقف هش للعنف في العراق مع خسائر أميركية فادحة، وإيران على عتبة تصنيع قنابل نووية وعملية سلام متلعثمة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وحكومات ضعيفة في لبنان والأراضي الفلسطينية فضلاً عن الموقف الأميركي الضعيف نتيجة لسنوات من الفشل الأميركي في العراق وسيكتشف أوباما في النهاية أن الوقت يسير ضده، وعليه تالياً ألا يصرف تركيزه الكلي على العراق على غرار سياسة الولايات المتحدة منذ ست سنوات. سيقلص أوباما عدد القوات الأميركية تدريجياً في العراق لكن بحذر شديد كي لا يؤثر سلباً على تحسن الظروف هناك بالطبع فإن الوضع المستقر في العراق سيعطي الولايات المتحدة مجالاً للتركيز على إيران التي شارفت على امتلاك البرنامج النووي. وعلى أوباما البدء فوراً بفتح حديث مباشر ورسمي مع الحكومة الإيرانية دون شروط مسبقة مع تقديم حوافز مجزية لحثّ إيران على عدم تطوير برنامجها النووي، ولكن عليه أيضاً حثّ المجتمع الدولي على فرض عقوبات اقتصادية على إيران في حال عدم تعاونها. أما بالنسبة للعمل الوقائي العسكري على إيران من قبل إسرائيل أو الولايات المتحدة، فهو خيار غير مرغوب به ويجب دراسته بحذر شديد لمعرفة حجم الخسائر والمكاسب التي ستنجم عنه.

الطريق إلى سورية

يجب على الإدارة الأميركية الجديدة أن تدفع عملية السلام بين إسرائيل ودول الجوار العربية وخاصة سورية، لأن سلاماً مع سورية سيضعف من التأثير الإيراني في المنطقة ويخفف الدعم السوري لحركة حماس وحزب الله في لبنان وسيساعد في إرساء الاستقرار في لبنان. وعليها العمل في المسار الإسرائيلي الفلسطيني ومحاولة الوصول إلى حل الدولتين رغم الخلافات الشديدة الحالية بين الفلسطينيين والإسرائيليين وبين الفلسطينيين أنفسهم. كل هذه المساعي ما هي إلا تركيز جديد على الدبلوماسية الأميركية التي ستكون أداة للسياسة الأمنية القومية للولايات المتحدة في وقت لا تستطيع الولايات المتحدة فيه تحقيق أهدافها دون دعم حلفائها الإقليميين فضلاً عن الصين وأوروبا وروسيا. والبعض يقول إن أوباما سيركز في أجندته على موضوعات داخلية وبعيدة عن الشرق الأوسط الذي خسرت الولايات المتحدة سمعتها فيه. لكن الشرق الأوسط يملك قدرة كبيرة على فرض نفسه على أجندة أوباما الحافلة بقضايا مختلفة، ذلك أن ما يحصل في الشرق الأوسط لن يبقى محصوراً في المنطقة، وسرعان ما يمتد إلى العالم على شكل عنف أو مساعٍ لامتلاك السلاح النووي وصولاً إلى تهديد أمن الطاقة. فالتعامل مع التحديات العالمية الجديدة يحتاج إلى التعامل مع الشرق الأوسط.

إن المضي في عملية السلام العربية- الإسرائيلية سيساعد في تغيير الموقف الإيراني. فالتقدم في عملية السلام وخاصة في المسار السوري - الإسرائيلي سيثير مخاوف إيران بأن مساعيها لتعزيز نفوذها الإقليمي إضافة إلى الهبوط الحاد في أسعار النفط، ما سيؤثر عليها سلباً لأن النفط بالنسبة إلى إيران هو مؤشر على القوة الوطنية لذا يجب على إيران التفكير ملياً بمصالحها الوطنية المشروعة ومخاوفها الأمنية. ستكون مسألة السلام مع سورية أقل تعقيداً من ترميم وإنعاش عملية السلام مع الفلسطينيين. لقد أراد الإسرائيليون في الماضي أن يتاجروا بهضبة الجولان مقابل السلام، لكنهم شككوا بعمق التعهد السوري في تطبيع العلاقات، أما اليوم فالوضع مختلف، حيث إسرائيل المتخوفة من إيران ترغب في علاقات إستراتيجية مع سورية. كما أن تركيا الدولة الحليفة للناتو والمجاورة لإيران والعراق وسورية التي تملك علاقات إستراتيجية طويلة مع إسرائيل، يمكن أن تلعب دوراً مركزياً في هذه العملية. لقد نالت الحكومة التركية الإسلامية المعتدلة الحالية التي يتزعمها حزب العدالة والتنمية مصداقية في العالم العربي مستفيدة بشكل خاص من رفض إدارة بوش التعاطي مع سورية، وعمدت إلى إجراء وساطة ناجحة بين سورية وإسرائيل من خلال فتح محادثات غير مباشرة. كما تساهم تركيا في قوات دولية لحفظ السلام في لبنان وستقوم بالمهمة نفسها فيما لو طلب منها ذلك في قطاع غزة.

يجب على أوباما العمل مع تركيا للتوصل إلى سلام بين السوريين والإسرائيليين وفي التعامل مع إيران. إن الرعاية الأميركية لعملية السلام بين الإسرائيليين والسوريين ستحول سورية إلى دولة صديقة للولايات المتحدة، إضافة إلى إحداث خرق في العلاقات السورية- الإيرانية ولكن هذا لن يحدث إلا إذا اشتركت إدارة أوباما في المفاوضات كما أن سورية لن تتخلى عن علاقاتها مع إيران حتى تتأكد من أن تطبيع علاقاتها مع الولايات المتحدة بات وشيكاً إن القدرة على فتح صفحة جديدة في العلاقات السورية - الأميركية سيعطي أوباما فرصة لإقناع سورية لاحترام استقلال لبنان والسيطرة بشكل أفضل على حدودها مع العراق فضلاً عن أن نجاح سلام إسرائيلي- سوري سيؤثر إيجاباً على مسارات السلام الأخرى التي يجب على أوباما الاهتمام بها أيضاً.

التعامل مع إيران

إذا استطاعت إدارة أوباما أن تثبت أن الجميع سوف يكسب جراء سياسة الاعتدال والتصالح والتفاوض والإصلاح السياسي والاقتصادي، فسوف تستعيد الولايات المتحدة نفوذها في المنطقة وخلافاً لذلك، ستتمكن إيران إذا استمرت بنشاطاتها النووية من امتلاك القدرة النووية العسكرية في غضون سنة أو سنتين، وعندها سيتضاعف نفوذها في المنطقة وستجبر الولايات المتحدة والدول المجاورة على إعادة حساباتها. وإسرائيل التي تحتكر السلاح النووي في المنطقة والتي قامت بضربات عسكرية وقائية على العراق وسورية، ستعاود الكرة وتقوم بمثل هذا العمل على إيران لكن الرد الإيراني في المنطقة سيكون عنيفاً ما يؤدي إلى نشوب حرب في لبنان وارتفاع دراماتيكي في أسعار النفط وإغلاق مضيق هرمز والهجوم على القوات الأميركية في العراق وأفغانستان. وحتى إذا لم تهاجم إسرائيل إيران، فان البلدين سيكونان على حذر شديد وتخوف من اندلاع حرب بينهما ومن أجل تغيير الموقف الإيراني وخصوصاً في الملف النووي يجب على إدارة أوباما التفاوض المباشر مع القادة الإيرانيين، تشجيع إيران من خلال المفاوضات على التعاون عن طريق تقديم حوافز مجزية مثل إعادتها إلى النظام الإقليمي الجديد وإعطائها نفوذاً في المنطقة بوسائل سلمية وتطبيع العلاقات مع واشنطن والمجتمع الدولي ورفع العقوبات. النجاح سيكون صعباً ولكن ينبغي على الولايات المتحدة التلويح بمزيد من العقوبات الاقتصادية وصولاً إلى حظر تصدير النفط الإيراني ولكي تنجح هذه المساعي، يجب على أوباما أن يجعلها أولويات شخصية. ويقع على وزارة الخارجية الأميركية دور قيادة هذه الجهود لأن أجندة الشرق الأوسط الطموحة ستحتاج إلى تعامل مكثف مع عدة أطراف في الوقت نفسه. ينبغي على أوباما تعيين مبعوثين خاصين لتنسيق هذه المساعي حيث يرسل كل مبعوث عبر وزارة الخارجية تقريره إلى الرئيس لا ينبغي على واشنطن التباطؤ في التعاطي مع هذه الملفات والتفاوض مع إيران على سبيل المثال يجب أن يبدأ بالسرعة الممكنة نظراً للحاجة الماسة لوقف برنامج التخصيب الإيراني قبل أن تتوصل طهران إلى إحداث ثورة في قدراتها النووية. كما إن الوقت قصير بالنسبة إلى عملية السلام الإسرائيلي - الفلسطيني لأن الدعم الإسرائيلي الفلسطيني لحل الدولتين بدأ يتلاشى، الأمر الذي يجعل التوصل إلى السلام بينهما أمراً صعباً. أما عملية السلام السورية - الإسرائيلية، فهي على العكس يمكن التوصل إليها بسرعة أكبر.والجهود على المسارات الثلاثة يجب أن تتم في وقت واحد لأن التوصل إلى نجاح فـي مسار سينعكس إيجاباً على المسارين الآخرين نظراً للترابط بين المسارات جميعها.

قضايا أخرى مهمة

إن فوز أوباما في الانتخابات الرئاسية سيغير الوضع حيث ستكون قدرته على كسب احترام تلك الشعوب العامل الجوهري من أجل كسب ود الشارع في العالمين العربي والإسلامي ودفعهم لإقناع قادتهم بالعمل مع الولايات المتحدة. وينبغي على إدارة أوباما الاستفادة من استعداد القوى الإقليمية والدولية للعمل مع الولايات المتحدة عن طريق إعادة تأكيد التزام الولايات المتحدة بالدبلوماسية كطريق لحل الخلافات. ومثل هذا الالتزام قد ظهر جلياً من خلال المشاركة الأميركية النشطة في الجهود الدولية إزاء كوريا الشمالية وإيران. إلا أن دبلوماسية أوباما تحتاج إلى المزيد من الدعم لحل مشكلات الشرق الأوسط وتحسين العلاقات الأميركية عبر الأطلسي.

فضلاً عن حاجتها إلى خطة عمل من أجل إعادة تشكيل سياق إستراتيجي جديد في الشرق الأوسط، حيث تكون محاربة الإرهاب جزءاً من هذه الإستراتيجية وليست كلها. وبدل انخراط أميركا بنفسها، يجب على إدارة أوباما التركيز على تقوية القدرات المحلية لمحاربة الإرهاب وعدم تمكين القاعدة من استقطاب مزيد من الشبان المحبطين في العراق ودعم المؤسسات في الدول الفاشلة حيث تحاول القاعدة بناء جذور لها. ويجب على أوباما أن يرسل رسالة واضحة إلى العالم الإسلامي بأن الولايات المتحدة لا تخوض حرباً على الإسلام وإنما مع جماعات صغيرة من المتعصبين الذين يعملون بعكس المبادئ والتعاليم الإسلامية لقد حظيت إدارة بوش ببعض الانتباه في العالم العربي بدعايتها عن أجندة الحرية وإصرارها على الانتخابات في لبنان والعراق والأراضي الفلسطينية ما مكن الأحزاب الإسلامية من دخول العملية السياسية. غير أن مقاطعة إدارة بوش لحركة حماس بعد فوزها بالانتخابات أظهر المعايير المزدوجة للولايات المتحدة. وخلافاً لذلك يجب على الإدارة الجديدة أن توازن بين المصالح والقيم الأميركية، بحيث يكون الحل في الشرق الأوسط ليس عبر الانتخابات المبكرة وإنما بدعم التحولات الديمقراطية التدريجية التي تسمح ببناء مجتمع مدني وتوسيع الفضاء السياسي وتقوية القيم الديمقراطية بما في ذلك دور القانون واستقلالية القضاء وحرية الصحافة وحقوق المرأة وشفافية الحكومة. وفوق هذا كله يجب على الولايات المتحدة التركيز على دعم الجهود الرامية إلى منح الأمل في المستقبل للشباب وأن تسهم في معارضة الرؤية السوداء للتطرف الديني إن اعتماد الاقتصاد الأميركي على النفط في الشرق الأوسط هو السبب الأساسي الذي يجعل الولايات المتحدة قلقلة إزاء المشكلات في هذه المنطقة. ولو أن أسعار النفط بقيت مرتفعة لغير الكثير من الأميركيين عاداتهم ولكنها انخفضت بشكل دراماتيكي لذا يجب على أوباما مضاعفة الجهود من أجل زيادة فعالية الطاقة وتقليل الاستهلاك وإيجاد بدائل لمصادر الطاقة. وهذه السياسات ستعمل على تقليل الطلب على النفط وإبطاء سرعة تغير المناخ وتقليل نقل الثروة إلى بعض الدول نتيجة لارتفاع أسعار النفط. والدرس الذي أمكن استخلاصه من تقليل استهلاك النفط يمكن أن يغير المناخ الإستراتيجي في الشرق الأوسط. ولا شك في أن واحدة من أهم الخطوات الواجب اتخاذها هو التحرك أبعد من العراق. ورغم أن التغيير في التكتيكات الأميركية ضمن العراق والاستعداد الذي أبداه قادة العراق أدى إلى إعادة الأمن والنظام وإضعاف القاعدة إلى حد كبير، إلا أن الوضع هناك لا يزال هشاً، ما يعني أن أي انسحاب من العراق يجب أن يكون تدريجياً من أجل المحافظة على الاستقرار القائم حالياً.

وكل ذلك حسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً ودون تعليق .

المصدر :alwatan.sy