تركيا ديموقراطية تحظى باحترام العواصم الإسلامية هي بالضبط ما يريده الغرب

 

مصطفى أكيول

 

شركاء أوباما الأتراك

على مدى سنوات طويلة كانت سياسة أنقرة الخارجية تتركز على مواضيع ضيقة، تتمثل في كيفية التعامل مع اليونانيين الأكراد والأرمن، وبدا أن صناع السياسة الأتراك عاجزون حتى عن حل هذه المشاكل المزمنة، ناهيك عن مشاكل غيرهم. لكن تركيا هذه الأيام عملت على إيجاد حلول لمشاكل إقليمية بروح حماسية جديدة، محققة أول اختراق حقيقي في المشكلة القبرصية عبر عقود، على سبيل المثال، فيما تلعب حاليا دورا أكبر في الشؤون الدولية. ففي مايو توسطت حكومة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان في مباحثات سلام غير مباشرة بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين عقدت في إسطنبول وهذه المباحثات مستمرة الآن وتذكر تقارير أن ترتيبات تمت لعقد لقاءات أخرى. وقد عرض أردوغان أيضا مساعدة الرئيس الأمريكي المنتخب باراك أوباما للتعامل مع إيران، والذي يتوقع رئيس الوزراء التركي والكثير من الناس أن تكون أكبر تحد في السياسة الخارجية سيواجهه أوباما. وقد ذكر أردوغان في 11 نوفمبر لصحيفة نيويورك تايمز أن حكومته مستعدة للتوسط بين الإدارة الأمريكية وطهران. وكرر لاحقا في واشنطن قوله: "نحن العاصمة الوحيدة التي يثق بها الطرفان. نحن المفاوض المثالي".

هذا الاهتمام المتزايد في التحول إلى نوع من صانع السلام العالمي هو جزئيا نتيجة لعملية الدمقرطة المستمرة في تركيا. كانت النخبة القديمة في الأمة تتكون من الكماليين الانعزاليين، وهم أتباع مصطفى كمال أتاتورك، الذي أسس الجمهورية من دون ديموقراطية عام 1923 بهدف تحويل البلد إلى أمة غربية علمانية. وعلى مدى العقود التي تلت ذلك، ظل المجتمع منقسما بين الكماليين الذين تدين لهم السيطرة في المركز، والمجتمع الأكثر محافظة على الأطراف والذي ظل تحت سيطرة الكماليين لكن الأمور تغيرت جذريا بعد الانتصارات الانتخابية لحزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه أردوغان عامي 2002 و 2007. خرجت "تركيا الأخرى" من منطقة الأطراف باتجاه السلطة، وبينما أثبتت أنها أكثر تدينا من النخبة القديمة، أثبتت أيضا أنها أكثر تأييدا للغرب والتزاما بمحاولة الانضمام لعضوية الاتحاد الأوروبي، مقارنة بخصومهم العلمانيين الذين يتزايدون تعصبا ولم يكن ذلك ببساطة مجرد تكتيك يتناسب والموقف، كما يجادل البعض. لقد كان المسلمون المحافظون يمرون بمرحلة إصلاح صامتة منذ الثمانينات من القرن الماضي، كما يثبت تنامي "البرجوازية الإسلامية" في البلاد والتي ترى المستقبل في الأسواق العالمية وليس في محاكم الشريعة. وقد ازدهرت الأفكار التي تقول بالتوافق بين الإسلام والديموقراطية الليبرالية، كما ثبت من مسيرات النساء المتحجبات التي جابت الشوارع أخيرا للمطالبة بالحريات المدنية للجميع وفي هذه الأثناء، لخص العلامة أحمد دافوتوغلو الذي أصبح كبير مستشاري أردوغان رؤية السياسة الخارجية. يقول إن تركيا لم تتصرف بحكمة عندما أنكرت علاقاتها الثقافية بالشرق الأوسط على مدى عقود، لكن الوقت قد حان لتتحول تركيا إلى "قوة ناعمة" تصدر السلام والاستقرار والنمو لمنطقتها. ومن هنا جاء نهج التقارب في السنوات والشهور الأخيرة مع اليونان ولبنان والعراق وكردستان العراقية وفي الفترة الأخيرة أرمينيا، التي زارها الرئيس عبدالله غول في سبتمبر بهدف كسر الجليد ويمقت الأتراك الكماليون نهج "العثمانيين الجدد" هذا، والذي ينطوي على علاقات أقوى بالأمم الإسلامية الأخرى. وعندما يحيي أردوغان نظراءه العرب "باسم الله"، يعتريهم الرعب ويحتجون أن مبادئ البلاد العلمانية معرضة للخطر. ولكسب دعم الغربيين الخائفين من الإسلام السياسي، لأسباب مقنعة، فإنهم يحاولون أن يصوروا حزب العدالة والتنمية باعتباره حركة طالبان في ثياب خراف. ولكن الحقيقة أن تركيا الديموقراطية التي تحظى باحترام العواصم الإسلامية وتتحدث بلغتها ومستعدة لاستخدام هذه الميزة لتحقيق السلام والمصالحة هي بالضبط ما يريده الغرب ويخشى البعض في الغرب من هذا النهج كذلك، ويشيرون إلى مصالح حزب العدالة والتنمية في الإسلام واستفحال المشاعر المعادية لأمريكا في تركيا ويدمجون أحيانا بين الاثنين ويخلطون بينهما. ومع ذلك فإن موجة العداء لأمريكا هي رد فعل لحرب العراق وما حصل في أعقابها. من خلال تمكين الأكراد في الشمال، أطلقت حقبة ما بعد صدام أعمق المخاوف التركية: بروز دولة كردستان الكبرى. بمعنى آخر، المشاعر المعادية لأمريكا هي تقريبا أحد مشتقات المشاعر المعادية للفكرة الكردية، وليس من المفاجئ كثيرا أن هذه المشاعر راسخة أكثر في الدوائر القومية، بمن فيهم الكماليون. وهذه المجموعات التي يمثلها حزبا المعارضة الرئيسيان تسخر من حزب العدالة والتنمية باعتباره لعبة بيد أمريكا والعملاء الأكراد. بل إن كتابا تصدر المبيعات عام 2007 وتلقى مؤلفه الكمالي تمويلا سريا من الاستخبارات العسكرية يزعم أن كلا من أردوغان والرئيس غول العضو السابق في حزب العدالة والتنمية يهوديان يعملان في الخفاء لخدمة "حكماء صهيون" عبر تدمير جمهورية أتاتورك.النخب الجديدة في تركيا ليسوا بالطبع يهودا يعملون في الخفاء كما يتخيل بعض الكماليين الراديكاليين، وليسوا إسلاميين يحاولون غرس جذورهم كما يصورهم بعض الكماليين الأكثر ذكاء. لكنهم في الواقع ديموقراطيون مسلمون يستطيعون أن يدفعوا بتركيا لتصبح دولة رأسمالية ديموقراطية حقيقية ويلهموا دولا مسلمة أخرى لاتباع مسار مشابه ومما لا شك فيه أنهم بحاجة إلى محاربة المشاعر القومية داخل حدودهم واتخاذ خطوات مستمرة لتعميق الإصلاحات الليبرالية وبمثل هذا الدمج بين القيادة المحلية السليمة والسياسة الخارجية ذات الرؤية، بإمكانهم أن يكونوا الشركاء المثاليين لإدارة أوباما وجهودها للوصول إلى اللاعبين مسببي المشاكل في الشرق الأوسط.

*أكيول هو كاتب عمود في صحيفة حريت ديلي نيوز وإكينوميك ريفيو ومقرها إسطنبول

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:newsweek.alwatan.com