هل خاتمي ينتظر أوباما ؟

 

سامي شورش

 

 

في زيارة لم تستمر سوى يوم واحد الى مدينة فرايبورغ الألمانية، الأسبوع الفائت، تحاشى الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي إعطاء إجابة أكيدة وواضحة عن احتمالات ترشّحه لانتخابات إيران في يونيو العام المقبل. مع هذا، لا يستبعد الإيرانيون رغبة الرئيس خاتمي،الذي عرف بالاعتدال في ولايتيه الرئاسيتين السابقتين بين عامي 1997 و 2005، في استلام دفّة الرئاسة في بلاده لولاية ثالثة على أمل أن ينجز خلالها ما عجز عن تحقيقه في ولايتيه السابقتين.

في الحقيقة، لم يخف الرئيس السابق، قبل شهر، رغبته في الترشّح. لكنه ربط ذلك بحدوث تطورات إيجابية مؤداها موافقة الإيرانيين على ترشّحه، وبتقويمه، حينما يئن أوان الترشيح، لما إذا كانت الظروف في بلاده تسمح بتنفيذ برامجه الإصلاحية في حال فوزه في الانتخابات. في تلك الفترة، فسّر كثيرون رغبات خاتمي بأنها عامة وغير مفهومة. لهذا استدرك في حديثه الأخير في ألمانيا بأنه لم يتخذ، حتى الآن، أي قرار في خصوص خوض الانتخابات المقبلة، مضيفاً أن أحسن ما يتمناه الآن هو تحسّن ظروف بلاده.لكل هذا، يصح طرح تساؤل أساسي عما يعنيه خاتمي بتحسّن ظروف إيران؟ هل يعني تحسناً في الداخل؟ أم على صعيد الخارج الأميركي بالذات؟ في هذا المنحى،لا جدال في أن خاتمي لا يعني تحسن الظروف المعيشية والاقتصادية للإيرانيين. فهو يعرف أن نسبة البطالة لا تني ترتفع وتزيد من حدّة فتكها بهذه الدولة النفطية الغنية. آخر التقديرات في هذا الخصوص يشير الى أن نحو 32 في المئة من الشباب الإيراني من خريجي الجامعات عاجزون عن إيجاد فرص عمل مناسبة ولائقة في بلادهم. كما أنه يعرف أن نسبة التضخم التي لم تعرف استقراراً أو تراجعاً طوال الأعوام الأربعة الماضية، ارتفعت في النصف الأول من العام الحالي بنسبة 2 في المائة لتصل نسبته العامة الى 15 في المئة. هذا، فيما شهدت مدن إيرانية عدة، بينها العاصمة طهران، تظاهرات في العام الحالي احتجاجاً على ارتفاع أسعار وقود السيارات وتدني حالة الأسواق كذلك،المؤكد أنه لا يعني تحسناً في الظروف السياسية للداخل الإيراني المحتقن بالصراعات والتوترات. فإضافة الى الصراعات القديمة الجديدة بين التيارين المحافظ الذي يمثله الرئيس الحالي محمود أحمدي نجاد، والمعتدل الذي يمثله خاتمي نفسه ومهدي كروبي والسكرتير السابق لمجلس الأمن الوطني الإيراني حسن روحاني، هناك التصاعد الخطير في وتيرة النشاط السياسي والثقافي، وأيضاً المسلح في بعض الحالات، للقوميات الآذرية والكردية والعربية والتركمانية ضد النظام الحاكم، التي تهدد بانفجار داخلي مدمر.الى هذا، لا يمكن لخاتمي أن يعني ضمان موافقة المرجع الشيعي الأعلى آية الله علي خامنئي على ترشّحه. فالأخير معروف بعلاقاته الطيبة مع الرئيس السابق وتقديره لدوره الإصلاحي الذي حرص على إبقاء الدعوات الى الإصلاح في إطار الالتزام بتعاليم الثورة الخمينية ومبادئ الجمهورية الإسلامية ومرجعية خامنئي في إدارة السياسة والقانون والاقتصاد والعسكر في البلاد.

إذاً يصح التساؤل: ما الذي يقصده خاتمي بتحسّن ظروف بلاده؟ الأرجح أن ما يقصده هو تحسن علاقات بلاده مع العالم الخارجي، خصوصاً الولايات المتحدة. ففي قناعة الرئيس السابق أن التوترات والصراعات المحتدمة بين طهران وواشنطن، وظروف العزلة التي فرضتها الولايات المتحدة على بلاده على الصعيد الدولي والإقليمي، تشكل مصدراً كبيراً لمدّ اليمينيين والمحافظين الإيرانيين بمصادر القوة والحيوية والديمومة. في هذا الإطار، يعتقد خاتمي أن الرئيس الحالي نجاد يتعمد إذكاء الخلافات مع الأميركيين، ويحاول توتير علاقات بلاده مع الدول الأوروبية والأنظمة الإقليمية بغية إقناع الإيرانيين في الداخل بأن الأزمة الاقتصادية والمعيشية والسياسية الخانقة التي يعيشونها ليست نتاج أخطاء النظام الإيراني الحاكم وسياساته الكارثية، بل هي من صنع عدوتهم (الشيطان الأكبر) واشنطن. الى ذلك، يحاول، عبر التلويح بالخطر الأميركي، حشد تأييد الشارع الداخلي والإسلامي لاستمرار المحافظين والمتشددين في الحكم وتقليص الفرص أمام عودة المعتدلين (المتواطؤن مع أميركا في تقديرات نجاد) الـى الواجهة.

لهذا يرى خاتمي أن أثمن الفرص أمام الإصلاحيين للعودة الى الحكم وتنفيذ برامجهم الإصلاحية هو حدوث تحول إيجابي وانفتاحي وتفاوضي في سياسات واشنطن إزاء بلاده، خصوصاً بعد أن يصل المرشح الديموقراطي باراك أوباما الى البيت الأبيض. ففي هذه الحالة، يمكن للتيار المتشدد، بحسب خاتمي، لا أن يخسر كثيراً من أسلحته الدعائية فحسب، بل يفقد أيضاً منطقه السياسي القائم على تضاد المصالح بين واشنطن وطهران. الى هذا، يمكن للتحول أن يهيئ في داخل إيران ظروفاً كفيلة بدفع العلاقات بين البلدين نحو قناة حيوية للحوار والتواصل، ما يمهد الوسيلة لإخراج بلاده من طوق العزلة السياسية والاقتصادية أولاً، والعزلة الإقليمية والدولية ثانياً.في الحقيقة، أخفق خاتمي في تحقيق هدف كهذا في فترة ولايتيه السابقتين، علماً أن صراعات المجتمع الدولي والأوروبي والأميركي مع إيران، خصوصاً بشأن الملف النووي والعراق وافغانستان، لم تكن قد وصلت الى حافة الهاوية. في حينه، فسّر كثيرون هذا الإخفاق بأنه نتج عن القوة غير العادية التي تمتع بها التيار المحافظ الإيراني الذي حاول استثمارها لإعاقة برامج خاتمي على صعيد العملية الإصلاحية. لكن الرئيس السابق، من ناحيته، لم يتفق مع هذا التفسير، بل رأى أن الولايات المتحدة هي الجهة المسؤولة عن إخفاق الإصلاح في بلاده، لأنها لم تبادر في تلك الفترة الى دعم سياسات خاتمي، ولا الى إبداء ليونة كافية حيال بلاده، ولا الى فتح حوار غير مشروط مع طهران.

في هذا الخصوص، يرى خاتمي أن وصول الرئيس الأميركي الحالي جورج دبليو بوش الى البيت الأبيض العام 2000، لم يضف جديداً الى موضوع العلاقات بين البلدين. بل، على العكس، شهدت المواقف الأميركية إزاء إيران في فترة الرئيس بوش تدهوراً مخيفاً، زادته الحرب الأميركية في أفغانستان والعراق والحرب الدولية ضد الإرهاب، تردياً إضافياً غير أن الصورة يمكن أن تتبدل في التفاصيل إذا ما وصل أوباما الى البيت الأبيض. فأوباما لم يبخل في حملاته الانتخابية في الإشارة الى عزمه حل الخلافات مع طهران عبر الوسائل السياسية والديبلوماسية. ولم يبخل أيضاً في انتقاد مواقف الرئيس بوش وحروبه، إضافة الى انتقاد رؤيته السياسية والعسكرية المتشددة التي لم تنته سوى الى خدمة التشدد والتطرف والأصولية الدينية في العالم الإسلامي. لهذا، يصح القول إن نجاد إذ يشخّص نحو باب الخروج في البيت الأبيض لرؤية الرئيس بوش وهو يغادر. نرى خاتمي وهو يشخص عينيه الى باب الدخول لرؤية أوباما يدخل البيت الأبيض مزهواً يعطي الأمل للإيرانيين بإمكان فتح حوار أميركي معهم سيحفّز خاتمي إلى الترشّح، ويمهّد لفوز الإصلاحيين في الانتخابات الإيرانية في يونيو المقبل.

*كاتب كردي من العراق

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:awan.com